نستكمل في هذا  المقال مراجعتنا  لكتاب: " خُلَفَاءِ الْرَسُولِ " 
للكاتب الكبير  : خَالد محمد خالد
 
 تناولنا في المقال السابق " الخليفة الأول لرسول الله " أبو بكرٍ الصديق - رضي الله عنه - "
نتناول اليوم الشخصية التالية التي خلفت أبا بكر بعد وفاته وعاونته أثناء خلافته " عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - "

 المسافة بين الجزيرتين ليست بعيدة " جزيرة أبو بكر الصديق ، جزيرة عمر " و إنما هما متجاورتان ، يخيل إليك أنهما جزيرة واحدة ،  هما اثنتان ، تكمل الثانية الأولى ، الثانية امتداد و توسع لم يحالف فيها القدر الأولى .. و أصابت الثانية .

ترسو سفينتنا في جزيرة عمر ، يشعر الإنسان برهبةٍ عندما يذكر اسم الفاروق عمر بن الخطاب ، فيقع وقع الجرس على الأذان ، إلا إن هذا الشعور لا يدوم ،  سريعًا ما يفارق الأذهان متذكرًا بأنه شديدٌ على أوليائه  و من خالف نهج الله ، لينٌ محبٌ لمن أحب الله وسار على درب الحبيب .
في تلك الجولة لسنا مؤرخين ولا كتاب سيرة ، بل نذكر أحداثًا و مواقف نستشعر فيها بعض الخصال الجميلة الإنسانية الربانية ، ونتعلم منها لعلها تلامس قلوبنا و تترك فينا أثرًا حميدًا .



الروضة الأولى


يتأخر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن خطبة الجمعة ، ثم يجئ مهرولًا في بُردةٍ بها إحدى و عشرين رقعةٍ ، تحتها قميصٌ لم يجف بعد من البلل ثم لا يكاد يصعد المنبر حتى يعتذر للناس عن تأخره ، فيقول " حبسني عنكم قميصي هذا "
كنت أنتظره حتى يجف ، إنه ليس لي قميصٌ غيره ....

وأنا بداخل تلك الروضة وقع على مسامعي كلمتان مازالا يترددان ولا يفارقان ذهني
( ما أن صعد المنبر حتى اعتذر ) اعتذر عن تأخره !
أمير المؤمنين  ؟
نعم ، أمير المؤمنين  ، قبل أن يكون أميرًا للمؤمنين فهو إنسانٌ ، إنسانٌ مثلهم .. تأخر عليهم فاعتذر بل والأكثر من ذلك أوضح السبب حتى لا يقع في صدرِ أحدهم شائبة تجاهه

( حبسني عنكم قميصي هذا ... إنه ليس لي قميصٌ غيره )
إنه ليس لي قميصٌ غيره ... من هذا ؟
إنه عمر ، أمير المؤمنين ، من فتحت له الأقطار وامتلأت خزائن بيت المال في عهده ، قل عنه ما شئت .

الروضة الثانية

يستقبل عمر هدية من الحلوى أرسلها إليه عاملٌ على أذربيجان فيسأل الرسول الذي جاء بها : أوكل الناس يأكلون هذا ؟
فيجيبه الرجل : كلا يا أمير المؤمنين ، إنها طعام الصفوة "
فيختلج عمر ، ويقول للرجل : أين بعيرك ؟ احمل هديتك و ارجع بها إلى صاحبها ، و قل له : عُمر يأمرك ألا تشبع من طعامٍ حتى يشبع من قبلك جميع المسلمين .
عندما يعلم عمر أنها من طعام الصفوة ، مما لا يقدر علي شرائها البسطاء أو العامة ، يختلجها عمر ويعيد الرسول إلى وليه على الفور ، ويبعث إليه رسالة يأمره فيه ألا يشبع من طعامٍ لا تشبع منه بطون من ولي عليهم ، أو لا يقدرون عليه .
وتأخذنا الروضة إلى رياضٍ مشابهة ، حيث مواقف عمر واضحة ، فهي مبادئ اتخذها عمر لا يحيد عنها وإن أهلكته الأقدار

يقول عمر " كيف يعنيني شأن الناس ، إذا لم يصيبني مثل ما أصابهم ؟ "
من الممكن أن تأخذك الشفقة على ما أحل بغيرك ، ولكن من الصعب معايشتها .
وإذا انتقلنا من الروضة وصحبنا على مائدته وجدت من الطعام خبز و زيت ، لا كبد رطب ، لا لحم سمين ، بل خبز وزيت

أخذتنا الروضة إلى رياضٍ مشابهة حتى أنستنا العدد

روضةٌ أخرى

" من مات غاشًا لرعيته ، لم يرح رائحة الجنة "
" من استعمل رجلًا لمودةٍ أو قرابةٍ ، لا يحمله على استعماله إلا ذلك فقد خان الله ورسوله والمؤمنين"

أدخل الروضة و أخرج منها محملًا بالعديد من الرسائل الجليلة من الفاروق ، وما أن أخرج من روضةٍ حتى يخطفني بسحر قوله إلى روضةٍ أخرى و يذكرني بأن وقتي هنا قصير

الروضة الأخيرة 

وقد زادني فيها عمر عن غيرها
- تحوط من النعمة تحوطك من المعصية ، فلهي أخوفهما عندي عليك ، أن تستدرجك وتخدعك ، فتسقط سقطة تصير بها إلى جهنم ، أعيذك بالله و أعيذ نفسي من ذلك

-"والله لن أترك مكانًا جلستُ فيه بالكفرِ ، إلا جلست فيه بالإيمان "

- "أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا ترجعون"
يتدبر عمر- رضي الله عنه- الآية الكريمة فيقول " إذا نمت الليل أضعت نفسي ، وإذا نمت النهار ضيعت الرعية " !