اليهود المستعربة وشيوخ الجامية المدخلية..نموذج للعدو القريب ج (1)

من ضمن مهام المستعربين التسلل بلباس مدني واعتقال المتظاهرين الفلسطينيين (أسوشيتد برس)

في إحدى البقاع على أرض فلسطين المباركة، استيقظ رجل يرتدي زي المزارعين عند الخيط الأول من الفجر؛ فتوجه إلى مسجد القرية المجاور ليبدأ يومه بالصلاة! كحال كثير من أهل فلسطين الذين يستعدون منذ الصباح الباكر للتوجه إلى أعمالهم ومزارعهم، وبعد الصلاة أعدت له زوجته طعام الإفطار، ليتقوى به على عمله الشاق في الحقل الذي يذهب إليه سيرا على الأقدام، ليستطيع التأمل في معالم القرية التي لا تتعدى بضعة شوارع تسير فيها بعض السيارات، وتتوسطها مدرسة منقوش على أسوارها البالية بعض عبارات عربية تدعو إلى الجهاد ضد العدو الصهيوني، وفي الطريق قابل مجموعة من سكان القرية فبادر بإلقاء السلام عليهم كما هو المعتاد وكأنه يعرفهم منذ زمن بعيد، رغم أنها كانت المرة الأولى التي يلقاهم فيها، وربما ستكون الأخيرة أيضا!

من هم اليهود المستعربون؟


"هي وحدات إسرائيلية أنشئت في الثلاثينيات من القرن الماضي، كما تسمى بـ(فرق الموت)، وتعتبر من الفرق التي يتم اختيارها بعناية فائقة وبمواصفات خاصة، مثل الهيئة والشكل واللغة والعادات والتقاليد، لكي تكون هيئتهم أقرب ما يكون للعرب والمسلمين، حتى أن في بعضهم من يطلقون لحاهم حتى لا يشعر بهم المواطنين الفلسطينيين أو العرب عند الاندماج أو الاختلاط بينهم، وهذه المجموعات تعمل داخل فلسطين والبلاد العربية، وتستخدم لنقل المعلومات واختراق الأوساط والتكوينات، للحصول على أكبر كم من المعلومات، وإرسالها إلى قوات الاحتلال لتحسين القدرة على اتخاذ القرارات وملاحقة الناشطين واعتقالهم أو تصفيتهم أو تجنيدهم. هم أشبه بالجواسيس لكنهم مختلفون نوعا ما فالجاسوس لا يعتقل ولا يداهم ولا يروع، إلا أن ذلك من مهامهم، وإذا تم اكتشافهم يتم سحبهم وإحلال غيرهم". (1)

"هؤلاء المستعربون يعيشون في قرية هي نموذج يشبه القرى الفلسطينية، شيدها جيش الاحتلال، ليتدرب فيها أفراد المستعربين على نمط الحياة الفلسطينية، وعادات وتقاليد أهل مدينة القدس والضفة والقطاع، حتى لا يثيروا الشكوك في شخصياتهم عندما يقومون بأعمال اختطاف واغتيال داخل المجتمع الفلسطيني، وهذه القرية المصطنعة هي عبارة عن نموذج لقرية فلسطينية موجودة على سفح جبل، دكاكين متراصة، ومسجد يتوسط القرية، وبجانبه مدرسة خطت على جدرانها الشعارات الوطنية، وعدد من السيارات في أزقة ضيقة، وامرأة قروية ومزارع يكد ويتعب.

 لكن إن اقتربت أكثر من معالم هذه القرية حتى تكتشف أنها مصنوعة من الجبص، والرجال يغيرون شخصياتهم باستمرار. نموذج اصطنعه جيش الاحتلال الإسرائيلي في معسكر (أدام) الواقع شمال طريق القدس - تل أبيب، وهي معدة لتحاكي واقع المجتمع الفلسطيني السريع، حيث توجد مدرسة يتدرب فيها أفراد القوات الخاصة، ووحدات المستعربين ليتعايشوا مع نمط الحياة الفلسطينية ويكونوا على اطلاع على العادات والتقاليد في الضفة الغربية وقطاع غزة، حتى لا يثيروا الشكوك في شخصياتهم عندما يقوموا بأعمال اختطاف وتصفية داخل المجتمع الفلسطيني الحقيقي". (2)

مهامهم في الوسط الفلسطيني:


1- العمل على إفشال المظاهرات وتفريقها واعتقال وتصفية المطلوبين:

ويكون ذلك بعدة أساليب ماكرة وخبيثة في نفس الوقت، فمنهم من يندس وسط المتظاهرين ويعمل على إشعال الحماس بينهم، حتى يدفعهم للاشتباك مع جنود الاحتلال بإلقاء الحجارة أو الزجاجات الحارقة، لإعطاء المبرر للتعامل مع المحتجين بالقوة وبالتالي إجهاض التظاهرات في أسرع وقت.

هذا غير ما يوفره ذلك من غطاء قانوني لمطاردة واعتقال وسجن المتظاهرين فيما بعد، وبالطبع يستغل هؤلاء المستعربون اندساسهم في وسط المظاهرات، التي يبدون فيها كفلسطينيين للقبض على ضحاياهم ومفاجأتهم في وسط الأحداث.

وقد "كشفت صحيفة (معاريف) الإسرائيلية أن المستعربين يتقمصون لأجل اعتقال مطلوبين لسلطات الاحتلال دور صحفيين يحملون كاميرا أو مسعفين أو أطباء، لأن ذلك يسهل عليهم اختراق التظاهرات والاحتجاجات، وتنفيذ مهمتهم الأمنية ولو اقتضى الأمر ارتداء ثياب النساء". (3)

مهامهم داخل سجون الاحتلال:


2- فك إضرابات الأسرى والسيطرة على تحركاتهم وإدانتهم:

للأسير في فلسطين معركة نضالية لا تقل ضراوة عنها في خارج السجون، للمطالبة بحقوقهم المسلوبة، وكسر إرادة العدو، بالعديد من الفعاليات التي يساندها إعلام المقاومة مما يقض مضاجع القوم، الذين يقومون بدورهم بتوظيف وحدة المستعربين هذه لكي ينقضوا على أي مكتسبات حققها الأسرى أو يسعون لتحقيقها، فيقومون بتوطيد علاقاتهم مع المعتقلين لجرهم للإدلاء باعترافات ومعلومات تدينهم في التُهم الموجهة إليهم.

"وتسند لوحدات المستعربين مهام أخرى بالإضافة إلى جمع المعلومات، كتصفية شخصيات مقاومة حيث اغتالت العشرات من قيادات ونشطاء في الفصائل الفلسطينية سواء في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أو حركة الجهاد الإسلامي.. وفصائل مقاومة أخرى". (4)

نماذج المستعربين خارج الكيان الصهيوني:


تحدث الكاتب إبراهيم العربي في كتابه (جواسيس وخونة) عن الجاسوس اليهودي اليمني فاضل عبد الله يهوذا الذي "هاجر من اليمن إلى فلسطين سنة 1946م، وجندته المخابرات الإسرائيلية لحسابها هناك تمهيدا للحرب التي كان يعد لها اليهود لتأسيس إسرائيل في 1948م. واتخذ الإسلام ستارا لعمله لحساب الموساد وحفظ القرآن وكان يؤم المصلين في الجامع الأقصى.. وعندما بدأت الحرب العربية الإسرائيلية في مايو 1948م، اتصل بالقوات المصرية التي شاركت في الحرب هناك واقترب من قائدها البطل أحمد عبد العزيز.. ووثق المصريون به لأنه كان يتظاهر بالتقوى والصلاة وتلاوة القرآن". (5)

لكن بفضل الله تم اكتشاف هذا الجاسوس بعد ذلك، واختطافه من المعسكر الإسرائيلي الذي لاذ إليه، وإعدامه رميا بالرصاص بعد محاكمته عسكريا جزاء خيانته تلك.

وللتوضيح أكثر دعونا نلقي الضوء على المزيد من الأساليب، التي تكشف طرق هؤلاء المستعربين في اختراق المجتمعات الإسلامية والعربية على وجه الخصوص، ففي لقاء مع أحد المستعربين في أحد وثائقيات الجزيرة جاء فيه ردا على سؤال:

 كيف يبدأ المستعرب يومه؟
فأجاب:

"يوم المستعرب، هو ينهض في الوقت الذي ينهض فيه بقية السكان، في الثالثة والنصف فجرا لأنه يوجد صلاة تبدأ في الرابعة، يرتدي ملابسه التنكرية ويجلس وينتظر، بشكل عام كانت عملياتنا تبدأ في الرابعة والنصف أو الخامسة، كنا نخرج وقت الصلاة في المساجد أو بعد الصلاة،.. كنا نعود إلى القاعدة دون أن يرونا ونجري التدريبات، كنت أتنكر بشخصية شيخ!..". (6)

كما أورد نفس الوثائقي كلاماً للصحفي الإسرائيلي يوسى ميلمان، يكشف لنا عن مدى تغلغل أحد وحدات المستعربين في المجتمع العربي، بصورة أكثر خطورة، فقد كانت هذه المجموعة والتي شكلت في سنة 1953م، تهدف لجمع المعلومات من القرى العربية آنذاك، استخدمت هذه الوحدة كافة الوسائل المتاحة في التخفي، بل ووصل الأمر وهو الأنكى إلى الزواج من فتيات عربيات والإنجاب منهن بغرض الاندماج في المجتمعات العربية فقال:

"..وهو موضوع تم إخفائه أربعين سنة تقريبا، لم يريدوا أن يكشفوا عنه، لأنهم أقاموا عائلات وعاشوا حياة مزدوجة، وهذا سَبب لهم عدم راحة، وربما أصبح لديهم عائلات جديدة لا يريدون أن تعرف عن ماضيهم". (7)

أما الصحفي الإسرائيلي عامير ربابورت فقد اعترف بنفس القضية، فقال في التقرير الصادر عن مجلة الدفاع الإسرائيلي التي يرأس تحريرها، كاشفا الشق الرسمي من التقرير:

"في مرحلة ما برزت مشكلة إذ أن الحديث يدور عن شباب صغار غير متزوجين، فكيف سيبقون دون زواج، وكان هناك أناس يرغبون في مصاهرتهم، فنشأ جدال في أوساط (الشاباك)، هل نسمح لهم بالزواج كي يحافظوا على غطائهم السري، فإن لم يتزوجوا ستثور حولهم شكوك، فصدر قرار بأن من يرغب منهم بالزواج فليتزوج". (8)

فتشعب الأمر إلى أنه أصبحت لهم علاقات وأصحاب وأزواج وأبناء، مما يسهل عليهم التغلغل في المجتمع المستهدف، والنكاية فيه من الداخل دون أن تدرك الضحية ما يدبر لها حتى تأتي لحظة الانقضاض.


قال تعالى:
 (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ)    سورة إبراهيم آية 46


ولكن هل توقف الأمر عند هذا الحد؟ وهل للمقاومة دور في وأد مثل هذه التحركات؟


هذا ما سنكشف عنه في المقال القادم بإذن الله. 

تدقيق لغوي: حسين عادل

إرسال تعليق

0 تعليقات