الشرق " ملحمة العشق الاستشراقي "

تأليف : عبد الرحمن مظهر البلوش
اصدار : المجلة العربية 
عدد الصفحات : 117 ص 

تعريف بالكاتب : عبد الرحمن مظهر البلوش 
صحفي و كاتب ، مواليد سوريا ، له العديد من المقالات بالصحف والدوريات "الشرق الأوسط ، النهار ، مجلة العربية ، مجلة الشارقة "

يأتي الكتاب في ستة فصول مرتبة على النحو الآتي : 
الفصل الأول : الاستشراق
الفصل الثاني : تاريخ الاستشراق 
الفصل الثالث : آفاق الاستشراق 
الفصل الرابع : المستشرقون الحقيقيون .. مدارس 
الفصل الخامس : الدافع العلمي للاستشراق 
الفصل السادس : الاستشراق الفني

الكتاب يتناول قضية الاستشراق التي لطالما تناولها كتابٌ كُثر ، و كُل كاتبٍ يُحاولُ أنْ يسلكَ طريقًا مُختلفًا عن سابقيهِ و مُعاصريهِ ، يُحاولُ أنْ يُبينَ أركانًا خفية خفيت عن غيره ، وتجلت له ، مُتناولًا قضية استعصى على خلافهِ تناولها ...


"الشرقُ شرقٌ ، و الغربُ غربٌ و لن يلتقيا "
                                                " كبلنج "

في مقدمة الكتاب و الفصلِ الأول تناول الكاتب مفهوم الاستشراق مُبينًا ذلك المفهوم و كيف تناوله الكتاب و المفكرون على مُختلفِ العصور و نوضح ذلك في السطور التالية :

الاستشراق : 

هو الاشتغال بدراسة الشرق من أقصاهُ إلى أدناه ، في كل ما يتعلق به من عقائدٍ و مُعتقدات ،و آدابٍ و فنون ، و عاداتٍ و تقاليد ... الخ 
ويبدأ الكاتب بعد ذلك موضحًا المناوشات ما بين الشرقِ والغرب ، في ذلك المصطلح والأفكار التي تناولها المستشرقون .
تناول التاريخُ سجالًا ما بين الشرقِ و الغربِ ، متناولًا قضية الاستشراق ، هذا السجال يندرج ضمن الصراع الأكبر بين الشرقِ و الغربِ ، ولكن الظاهر الذي لا يخفى  على العيونِ أن هذه المعركة لم تكن مُتكافئة مُنذُ اندلاعها ما بين المستشرقين و المفكرين العرب . 
يتلقى العرب أفكار المستشرقينَ بردةِ فعلٍ انفعالية ، متناولين جميعَ القضايا بالهجومِ ، متسلحينَ بعدتهم الكاملة ، مانعين أي اقترابٍ من حصنهم المنيع . 
وعلى الاتجاهِ الآخر من الحربِ تلقى البرودة حيثُ اللامبالاة و الغطرسة الغربية . 

" سيظلُ الغرب ينجبُ القادة و المحاربين ، و الشرق ينجبُ الأنبياء و القديسين "
                                                                                                  " ول ديورانت "

ويعمد الكاتب إلى تقسيم الاستشراق إلى ثلاث مراحل : 
المرحلة الأولى : مرحلة التكوين ( مرحلة الانبهار الحضاري بالحضارةِ العربية و الإسلامية ، مُنذُ بدايةِ الفتح الإسلامي في أوروبا ، وكانت تلك البداية بترجمة أمهات الكتب العربية  )
المرحلة الثانية : مرحلة التقدم ( المرحلة الخطرة و التي لا زلنا نعاني منها في عالمنا العربي إلى اليوم ، بعد أن فشلت الحروبُ الصليبية في استعمار الأراضي العربية ، اتخذت منحى جديد أشد من سابقه وهو الغزو الفكري ، ولك أن تقيس ذلك في عالمنا العربي اليوم ، تخلصنا من استعمارٍ وجودي إلا أنهم خلفوا ورائهم ما هو أشدُ و أطغى  )
المرحلة الثالثة : مرحلة الانطلاق ( شملت تلك المرحلة سجالات متنوعة ، و تحولت من الانتقاداتِ و الهجومِ الصريح إلى التسترِ في عباءة الشرقيين و التلون بجلدتهم ، ومن هنا نستطيع أن نقسمَ المستشرقين إلى أقسامٍ " المستشرق الجاسوس ، المستشرق المخبر ، المستشرق العالم -وهذا أخفهم ضررًا - " )

" إن الحضارة الغربية عندما تلجأ إلى الشرق فإنها تبحثُ عن إعادة توازنها الإنساني المفقود "
                                                                             " جليبر دوران "

تاريخ الاستشراق : 

ويتناول الكاتب فيما بعد تاريخ الاستشراق ، وكيف أن هذا المصطلح تنامى مع بداياتِ الحروب الصليبية و ازداد تناول مصطلح الاستشراق الديني ... ويوضح دور المستشرق " يوحنا الدمشقي " الذي كان مُقربًا من يزيد بن معاوية و بطرس المبجل ، وأن كتاباته تعتبر مصدرًا مُلهمًا للكتابات المسيحية عن الإسلام .
ويوضحٌ في نقطةٍ تالية " الاستشراق و الاستعمار " ويبينها بمثالٍ حي مر علينا في كتب التاريخ - الاستعمار الفرنسي لمصر - مع حملة نابليون بونابرت ، حيثُ أن هذه الحملة فشلت سياسيًا و عسكريًا إلا أنها نجحت فكريًا و أيدلوجيًا ، فقد شكلت بدايات و تأسيس لعلم الاستشراق الحديث .  

الشرق و الغرب

لمَ لمْ يكن اتجاه دراسات الغرب نحو باقي الحضارات الشرقية كالهند والصين ، من الصعبِ تحديدُ ذلك ولكن يبدو أن ازدهار المسيحية و الإسلام خلق خلافًا حضاريًا في العصورِ الوسطى امتدَ إلى ذلك الحين ، حيثُ كان المسيحيون يرون المسلمين كأعداء جهنميين لهم ، و أصبحت معرفتهم لحضارةِ الشرق وخاصةً العرب أكثر من معرفتهم لبقية الحضارات الأخرى وإن كانت تصنفُ تحتَ المسمى الشرقي .

" إن القوة التي تكمن في الإسلام هي التي تخيف أوروبا "
                                                              " غاردنر "
لم يولد الاستشراق ليفنى ، أو لم يولد ليذهب هباءًا منثورًا ، بل ولد محملًا بأهداف وغايات سامية ، بذلوا من أجلها الغالي والنفيس .
وأوضحها الهلوش في ثلاثِ أهدافٍ ( دنيوية ، سياسية ، دينية )
ولا يخفى على القارئ و المتابع لقضايا الوطن العربي الأهداف الدنيوية و السياسية من محاولةٍ لتوجيه الأنظمة الغربية للسيطرة على مناطق الشرق بثرواتها العديدة ، و السيطرة على ثقافة الشرق و توجيه شعوبه كيفما أرادت الأنظمة الغربية .
أما الأهداف الدينية فيعمدون إلى تشويه الجانب الديني محاولين إبرازه في شكلٍ سلبي ، نمطي ، يتصفُ بالجمودِ ، ويظهرُ ذلك جليًا في بعض مقولاتهم " الإسلام فرقة مسيحية ، المسلمون اليوم في حاجةٍ إلى إنقاذهم من خلال الحملات التبشيرية النورانية .... وغيرها من المقولات "

" في كل مرةٍ يشعرُ فيها الغرب بالفراغِ يتجهُ إلى الشرق "
                                                          " الناقد : بيزومب "

و يتنقل الكاتب من نقطةٍ إلى أخرى ، واضعًا النقط على الحروف ، إذا انتقد أعطى لكل ذي حقٍ حقه .
ويتضحُ ذلك في الدوافع العلمية للاستشراق ... لن نذكرها هنا ولكن سنذكر جانبًا منها ( دراسة الإسلام )
و ليست أي دراسة ، بل الدراسة من منطلق البحث العلمي النزيه ، فهناك بعض المستشرقين الذين أقبلوا على دراسة الإسلام دراسة علمية خالصة ، متجردين عن الأهواء و النزعات التعصبية ، فكانوا أقربهم للحقيقة و الرشد ، وكانوا أقل خطأً في فهم الإسلام و تراثه ، فلم يتعمدوا نقل الأخبار الكاذبة .
فمنهم بفضل دراسته العلمية الموضوعية امتلكه الإسلام و ملأ قلبه فصار بالإسلام مهتديًا ، وكتب عنه ...
ونذكرُ لذلك مثالًا ( المستشرق : هاري سينت بردجر فيلبي الذي صار فيما بعد - عبد الله فيلبي -) وغيره ..
و نلاحظُ في النهاية أن الاستشراق بالرغمِ من الانتقادات التي وجهت له و الشوائب المرتبطة به إلا أنه أفاد الثقافة العربية بفوائد عديدة : نشر الثقافة العربية في أوروبا و ترجمة كثير من كتب التراث العربي إلى اللغات الأخرى ، وتصحيح فكرة الشعوب عن العرب و الإسلام ...

ونختتم بصيغة تساؤليه : هل ما زالت نظرة الغرب تجاه الشرق نظرة حالمة تجاه مل ما هو غريب ؟
هل مازالت الصفات السلبية تلاحق الاستشراق ؟ 
هل نتعامل مع قضية الاستشراق و مؤلفاتهم و نظراتهم تعاملًا صحيحًا ؟