ما السّرُّ خلفَ برودةِ مذاق النعناع ؟!

ما السّرُّ خلفَ برودةِ مذاق النعناع ؟!



لا بُدّ أنّك بعد قراءتكَ لِلعنوانِ استحضرتَ شعورَ الانتعاش الذي يسري فيكَ عندَ ملامسةِ منتجاتِ النّعناعِ لِـلسانِكَ أو بشرتـك، لكن هل سَبقَ وسألتَ نفسكَ عن سببِ البرودةِ التي تشعرُ بها عندَ تناولِ النعناعِ أو استعمالِ منتجاته كمعجونِ الأسنانِ مثلاً؟!

أولاً، لِـنُلقي نظرةً سريعةً حولَ تاريخِ النّعناعِ وتركيبته..
يُعتبرُ نباتُ النّعناعِ من أكثرِ الأعشابِ الشّعبيّةِ انتشاراً وأحفَلِها تارِيخاً، حيثُ عُرِفَ كـ مُنكِّهٍ طيّبٍ للأطباقِ منذُ عصرِ الإغريقِ والرّومان، وكانوا يضعُونَ الأكاليـلَ المزيّنة بِـأوراقهِ في احتفالاتهم، ويمزجونهُ بِـالخمرِ ليُستساغَ طعمُها، ثم أصبحَ في عصرنا صاحبَ الحُضورِ الأجملِ في حدائقِ منازلنا..
وبِـالإتيانِ إلى تركيبتهِ، فإنّ النّعناعَ يتميّزُ بِزيتِ المنثول الطيّار، والذي يعتبرُ أحدَ الكحولِ المُشبعةِ، وهو ما يُعطي للنعناعِ مُعظم خصائصهِ الفريدة، إضافةً إلى نسبةٍ قليلةٍ من السّعراتِ الحراريةِ والتي تبلغُ 70 كيلو كالوري لكل 100 غ، و40غ من الكربوهيدرات
والآن بِـالعودةِ إلى عنوانِ مقالنـا، فِإنّ السِّرَّ يكمنُ في زيتِ المنثول!
إنّ هذا المُركّب الذي يبدو بسيطاً يحتوي على خصائص مُذهلة، مكّنتهُ من احتلالِ مكانةٍ عاليةٍ في مجالاتِ الطّبِ والجمالِ والطّهيِ

والبُرودةُ التي يشعرُ بها المرء عند تناولِ النّعناعِ ترجعُ في الحقيقةِ إلى قدرةِ المنثول على إثارةِ وتحريكِ (TRPM8) الموجودةِ في الجلدِ والتي تُعتبرُ مستقبلات البُرودةِ عند الإنسان ، فيشعرُ الشّخصُ بالبرودةِ في ذلكَ المكانِ مع أن درجةَ الحرارةِ في الحقيقةِ ثابتةٌ لم تتغير، والأمرُ شبيهُ بما يحصلُ عندَ تناولِ الفلفل، والذي يعملُ بدورهِ على تحفيزِ مستقبلاتِ الحرارةِ فيُحسّ المرء بارتفاعِ درجة الحرارةِ للفمِ أو البشرةِ فجأةً!
وتم استثمارُ هذهِ المزيّةِ في المنثول في مجالِ الصّناعاتِ الكيميائيةِ والتجميلية، فتم إضافتهُ إلى منتجاتِ ما بعدَ الحلاقةِ ومن هنا كان سببُ برودةِ معاجين الحلاقةِ والتي تخفّفُ من حرارةِ حدّةِ شفرةِ الحلاقة، إضافةً إلى أن المِنثول يُضافُ بنسَبٍ معيّنةٍ إلى مُعالجاتِ حروقِ الشّمسِ ومخفّفاتِ التهيّجِ النّاجمِ عنها لأنّهُ يوفّرُ تبريداً عميقاً للأنسجة

قدرةُ المنثولِ لم تتوقف عندَ هذا الحد، لذا وجدنا لهُ حضوراً فذّاً في عملياتِ تسكينِِ الآلامِ حيثُ يعملُ هذا المركّبُ على توسيع الأوعيةِ الدّمويةِ مما يخفّفُ الضّغطَ المُترتّبَ على جُدرانها ويزيدُ من مستوى ضخ الدم ووصولهِ إلى منطقةِ الألمِ مما يُساعدُ على سرعةِ تداركِ المشكلة

ومن آليّاتهِ في تسكينِ الألمِ أنّهُ يعملُ على الارتباطِ ببعضِ المُستقبلاتِ على سطح الخلايا وحظرِ عملِ مضخّةِ صوديوم_بوتاسيوم بعض الوقتِ مما يمنعُ إرسالَ إشاراتِ الألم إلى الدّماغ، أضف إلى ذلك قدرتهُ على زيادةِ نفاذيّة الجلدِ وتفتيحِ مساماتهِ مما يحسّن امتصاصهُ للمواد أو المراهمِ الموضوعة عليه 
ومع أنّ فاعليّة المنثول ربما لا ترقى لمستوى فاعلية المضادات الحيوية المُصنّعةِ لكن لوحظَت نتائجُ فعالةٌ حينَ استخدامهِ كمُضادٍّ حيويٍّ أو مُضادٍّ للأكسدة، وأثبتَ ذلكَ من خلالِ إضافتهِ إلى بعضِ الأوساطِ البكتيريّةِ في المختبرِ حيثُ لوحظَ تثبيطُ كبيرٌ لِعملها

وقد يتساءلُ البعضُ حولَ كيفيّةِ استِخراجهِ للاستفادةِ منهُ في ما سبق، نذكرُ هنا أن المنثول يتواجد على شكل جزيئاتٍ سداسيّةٍ عديمةِ اللونِ تتبلور بأشكالٍ إبريّةٍ كما في الصورة ليتم طحنُها فيما بعد

وأخيـراً، يجدرُ بنا الإشارةُ إلى أنّ علمَ السّمومِ يُخبرُنا بِخطورةِ تناولِ جرعاتٍ مبالغٍ فيها من المنثول النقي عن طريق الفم والمقدّرة كميّتها بـ 192غ/كغ، حيثُ يمكن الحصول عليها من تناول كمياتٍ كبيرةٍ من المنتجات التي تحتوي عليه بكمياتٍ عالية !


إرسال تعليق

0 تعليقات