التتار من البداية إلى عين جالوت.. -ج2-



تلخيص الجزء الثاني من كتاب.. «قصة التتار من البداية إلى عين جالوت»
 للدكتور:- راغب السرجاني.



الاجتياحُ التتري لِبلاد المسلمين:-


فكر (جينكز خان).. كيف يُمكن له أن يغزو العِراق ويُسقِط الخِلافة العباسية؟

فكانت أفضل طريقة لِذٰلك هي التمركز في أفغانستان وأوزبكستان؛ لِأن المسافة بين الصين والعراق ضخمةٌ جِداً، وَمِن الصعب العودة والحصول على إمدادات للجيش التتري في هذه المسافة الكبيرة!

كما أنهم إذا وصلوا العراق فإنّ جيش المسلمين من خلفهم سيقطع لهم الإمدادات ويهاجِمُهم؛ لذا فإن أفضل طريقة هي الحروب المتتالية واحتلال أراضي المنطقة الشرقية من الدولة الإسلامية، وهي تضم (أفغانستان، باكستان، أوزبكستان، التركمنستان، كازاخستان، طَجاكستان، وأجزاءً من إيران)
وكانت تعرفُ تلك المناطق آنذاك بالدولة الخوارزمية.
ومِن ثم التمركز في أفغانستان وأوزبكستان ووضع قواعد وإمدادات للجيش.

ونُنوّه هنا أن «جينكز خان» كان في شبه اتفاق مع ملك الخوارزم «محمد بن خوارزم شاه» على حسن الجوار.

ولا مانع طبعًا ليتم نقض هذا الاتفاق حالياً، طالما أنه يريد الحرب، وهذه سنة أهل الباطل (أوَكلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون)
ولكن حتى تكون الحرب مقنعة يجب حدوث سبب!
وقد بحث جينكز عن سبب ولم يجد...

ويقول الكاتب هنا:
"وسبحان الله، حدث أمر مفاجئ من غير إعداد مسبق من أحد"
ما هو السبب؟ وما هي الذريعة التي دخل بها جينكز خان أرض خوارزم شاه؟

لقد ذهبت مجموعة من تجار المغول إلى مدينة «أوترار» في مملكة خوارزم شاه، ولما رآهم حاكم مدينة «أوترار» المسلم أمسكهم وقتلهم!

أما عن سبب القتل..
فقد اختلف المؤرخون في هذا :-

1- منهم من قال أن هؤلاء كانوا جواسيس أرسلهم التتار للتجسس فأمسك بهم الملك وقتلهم.

٢- ومنهم من قال أن الملك قتلهم عمداً كنوع من الرد على التتار الذين سلبوا ونهبوا إحدى بلاد ما وراء النهر للمسلمين.

واحتمالات كثيرة أخرى.. ولكن المهم أن التجار أو الجواسيس قد قتلوا..

ووصل هذا لجينكز خان، فطلب جينكز من محمد شاه أن يرسل له القتلة لياحكمهم، فرفض محمد شاه هذا، واعتبره تعديا على سياسة المسلمين وسيادة البلاد المسلمة، فكيف له أن يسلم مسلماً لحاكم في بلاد تحكم بشريعة أخرى؟!
وقال أنه سيحاكمهم ببلاده وبما تنص عليه الشريعة الإسلامية!

وهذا الكلام كان منطقياً في كل بقاع الارض، إلا عند جينكز خان، فوجده سبباً مناسباً لإقامة النزاع والحرب.

وهكذا بدأ الإعصار التتري الرهيب على بلاد المسلمين..

وجاء جينكز خان بجيشه الكبير وخرج له «محمد شاه» بجيشه أيضاً، والتقى الفريقان في موقعة مؤلمة، دامت لمدة أربعة أيام متصلة، وذلك سنة ٦١٦ هجرية قرب نهر «سيحون» في «كازاخستان»، وقُتل أعداد كبيرة من كلا الفريقين، ثم انسحب جيش «محمد بس خوارزم شاه»؛ لأن أعداد التتار كانت كبيرة جداً.

وقرر «محمد شاه» تحصين مملكته وخاصة «أورجندة» عاصمة الخوارزم، ولا تنس أن «محمد شاه كان معادياً للخلافة العباسية، ولم يكن على وفاق مع الأتراك ولا السلاجقة، ولا مع الفرس في الهند؛ وهكذا كانت مملكته تقف وحيدة في مواجهة الغزو التتري..

ويقولُ الكاتب:-

"في رأيي أن سبب المأساة ليست فقط في قوة التتار وبأسهم وأعدادهم الهائلة بل هو في الأساس سبب الفرقة والتشتت والتشرذم بين ممالك المسلمين.
صدق الله تعالىٰ إذ يَقُولُ: (ولا تَنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا ان الله مع الصابرين) فالمسلمون كانوا في تلك الآونة يهلك بعضهم بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً، ويغور بعضهم على بعض، فلا عجب إن غلب عليهم جيش التتار او غير التتار"

وفي الواقع الخطأ الثاني يقع على محمد شاه الذي اهتم بتحصين العاصمة اورجندة وترك الممالك الشرقية لدولته بلا أية حماية، وهذا لم يكن خطأ سياسياً بل أخلاقياً، فقد اهتم بتحصين نفسه وأسرته والمقربين منهم وكنوزه وكنوز آباءه، وترك الشعب الضعيف وأهمل أملاكه


اجتياح مدينة بخاري:-


جهز جينكز خان جيشه وواصل التقدم حتى اجتاح بخارى -سميت بهذا الاسم نسبة للإمام الجديد بخاري رحمه الله-، وحاصر جينكز المدينة التي أهملها خوارزم شاه وطلب جينكنز من أهلها تسليمها على أن يعطيهم الأمان فانقسم أهل بخارى لقسمين ، الأقلية قالوا لا نعطيهم، بل نجاهد ونقاتلهم..
والأكثرية قالوا، لنعطهم المدينة ونمنع القتال..

فاعتصم المجاهدون الأقلية، بالقلعة الكبيرة منتصف بخارى وفتح أهل المدينة أبوابها للتتار..
ودخل التتار وحاصروا القلعة وطلبوا من أهل بخارى أن يساعدوهم في اقتحام القلعة، ففعلوا!!!

وقتلوا المجاهدين جميعهم وأخذوا الكنوز كلها، ثم نقضوا عهد الأمان وقتلوا خلقاً لا يعلمهم إلا الله، ثم حرقوا مدينة بخارى حتى صارت خاوية على عروشها
انتهت بهذا الخبر المروع سنة ٦١٦ هجري، ولكن هل انتهت الكوارث، والمآسي؟ لا، كانت البداية...

ودخلت سنة 617 هجرية وإنا لله وإنا إليه راجعوان..

 وكانت هذه أبشع سنة تمر على المسلمين منذ بعثة رسول الله صلى الله عليه سلم إلى هذه اللحظة!

بعد أن دمر التتار مدينة بخارىٰ، وأحرقوا مدارسهم ومكاتبهم ومساجدهم، أخذوا مجموعة كبيرة من أسارى المسلمين في بخارى..
لماذا كانوا يصطحبون الأسارى؟!!

1-يعطون كل عشرة من أسارى المسلمين علم التتار، فيظن المسلمين أن أعدادهم هائلة فيتوانون عن القتال!!

2-يجبرون الأسارى على قتال المسلمين ومن رفض قتلوه!

3- يستخدمونهم كالدروع في قتال المسلمين
يقتلونهم على أبواب المدن، ليبثوا في قلوب أهلها الرعب!

كيف كان الوضع في سمرقند؟!

لأن المدينة عريقة وفيها الكثير من الكنوز وهي من أغنى المدن، وضع محمد شاه من جيشه خمسين ألف جندي لحمايتها فلما حاصر التتار سمرقند لم يخرج الجيش النظامي لقتالهم ، كان لشدة الأسف قد دب الرعب في قلوبهم وتخاذلوا عن القتال!!

 فاجتمع أهل البلد وخرج منهم سبعون ألف رجل بلا خيول ولا دراية عسكرية لقتال التتار.

فمكر بهم التتار وخدعوهم، وبدأوا يتراجعون، ورجال سمرقند المقاتلون يتقدمون حتى حاصرهم التتار من كل الجوانب، وأجهز عليهم بالسهام حتى قتلهم كلهم، ولم يبقَ منهم أحد!!

وعاد التتار إلى سمرقند! وقدم جيش سمرقند المدينة للتتار على طبق من ذهب، وفعل التتار فعلتهم في أهل بخارى، نقضوا الأمان وقتلوا العدد الغفير في سمرقند..

ويقول الكاتب متحسراً، "وليت شعري، كيف سمع المسلمون بهذه المجازر ولم يتحركوا!!"

ولكن من كانت هذه حاله فقد حقّت عليه الهزيمة، وهذا ليس ببعيد عما يحصل الآن.

نهاية ذليلة:-

استقر جينكز خان في مدينة سمرقند بعد أن أعجبته، وفكر بقتل رئيسها «خوارزم شاه» لكي لا يعكر خطته، فأرسل 20 ألف جندي يطلبون «خوارزم شاه» وهذا العدد الهزيل من الجنود هو استهزاءٌ به وبجيشه الكبير!
فانطلق جنود التتار في العاصمة «أورجندة»، حيث استقر خوارزم شاه، وكان نهر جيجون يفصل بين جنود التتار وجنود خوارزم شاه. وتماسك المسلمون لعلمهم أن التتار لا يملكون سفناً ليعبروا النهر!

فماذا فعل التتار؟!

أعدوا ألواحاً خشبية، وألبسوها جلود البقر، ووضعوا عتادهم عليها، وأنزلوها في النهر، ونزلوا هم والخيول التي تجيد السباحة.
ولا أدري أين كانت عيون الجيش الخوارزمي عن هذا، وفوجئ المسلمون بجيش التتار إلى جانبهم، ومع أن أعدادهم كبيرة إلا أنهم ملؤا خوفاً ورعباً.
أما الآن، وقد أصبح التتار إلى جوارهم، فليس هناك إلا طريقة واحدة.. أتراها طريق القتال؟!
لا، بل طريق الفرار!!!

واستمر خوارزم شاه في الهرب من مدينة إلى أخرى، هو وجيشه، في فرار مخزٍ فاضخ! وجيش التتار بعدده القليل يلحقهم، حتى فر خوارزم شاه وحده إلى طربستان، ولم يستطع التتار اللحاق به.

 لقد نجحت خطة الفرار!

ومكث محمد خوارزم شاه في كوخ مهجور متهالك، وحيداً طريداً شريداً! وهو من يملك بلاداً شاسعة، وأموالاً لا تعد وكنوزاً لا تحصى، وفتك به المرض ومات في نفس الكوخ!
(أينما تكونوا يدرككم الموت، ولو كنتم في بروجٍ مشيدة)

ماذا فعلت الفرقة التترية الصغيرة؟!

لقد أصبحوا مقطوعين، والعودة إلى سمرقند بعيدة، بالإضافة إلى عداء المسلمين لهم؛ فهذا يعني أنهم هالكون لا محالة. إذن.. هذا هو تحليل الورقة والقلم. ماذا عما حصل في الواقع؟!

لقد خاف المسلمون خوفاً شديداً، ولجؤا إلى بيوتهم واختبؤا، وهذا أوقع الشجاعة في قلوب التتار..
لقد عادت الفرقة التترية الصغيرة إلى بلاد (مازندان) في إيران، فملكوها بسرعة رهيبة، لا لقوتهم، بل لضعف المسلمين وهوانهم. وفعلوا فيها ما فعلوه في سمرقند وبخارى.

ثم اتجهوا إلى (الري) وسبحان الله، وجدوا نساء خوارزم شاه وأملاكه، فسبوا ونهبوا، وأرسلوهم إلى سمرقند حيث «جينكز خان».
ونهبوا مدينة الري، والمدن المجاورة لها، وهم بهذا العدد القليل، وقتلوا منها ما يزيد عن 40 ألف مسلم. ولا حول ولا قوة إلا بالله!!


اطّلع هنا

إقرأ مراجعة الكتاب من هنا

حمّل الكتاب من هنا 




التدقيق اللغوي:- حسين عادل.

إرسال تعليق

0 تعليقات