كيف لدول تدّعي الديمقراطية أن تخضع لحكم حزب واحد وقد يحكمها لعُقود؟

الدول العربية مثلا، لا يمكن أن يخرج الحاكم فيها بصندوق الإقتراع حتى صارت الشعوب في قرارة نفسها توقن أنه عليها إما أن تخضع للذل الذي يأتي مع هذا الحاكم الفاسد وإما عليها أن تتحمل عواقب الدمار!

وقد خضعت هذه الشُعوب لهذا الذل حتى إعتادت عليه.

في عصر حقوق الإنسان والديمقراطية والحريات نجد الكثير من الأنظمة الشمولية خاصة في العالم العربي، كيف لها أن توجد في عصر كهذا؟ عصر تحمي فيه أمريكا الضعيف وتدفع فيه الظالم (بزعمها)؟

الإجابة سهلة.

شرعية الدبابة تقف فوق كل شرعية، هذا أولا.

تقوم هذه الأنظمة بتفكيك الأحزاب المعارضة أو إنشاء أحزاب معارضة مزيفة تُمثل وجهين لعملة واحدة أو تقوم بالأمرين معا، هذا ثانيا.

ثم يأتي ثالثا تفكيك الشعوب وتفسيقها حتى إذا نظرت إلى حضارتها ورأتها تسقط لن تبالي.

تقوم هذه الأنظمة بزرع مخاوف في صدور الشعوب يظنوا بها أن ركن الحاكم هو الركن الوحيد الآمن فتركن إليه، وهذا إما بترديد الجملة الشهيرة؛ العدو يتربص بنا وأنا أحميكم، أو بإستعمال الجملة الأكثر شهرة في الوطن العربي؛ أنا أو الفوضى، وهذه الرابعة.

هذه إجابة مقنعة... لكنها ليست كاملة، من يقولها محق... لكن ليس محقا بما يكفي، ببساطة لأنها تُهمل أهم عنُصر؛ إختيار الشعب.

نحن نعُلن أن الأنظمة الحاكمة هي أنظمة دكتاتورية ثم نقول "إختيار الشعب"، سيرتفع صوت و يقول كيف هذا؟ ونحن نجيب ببساطة؛ إن الحاكم لو لم يختره الشعب في أول مرة ترشح فيها لما وصل إلى منصبه، وإذا راجعت التاريخ ستجد أن كل دكتاتور حصل على نسبة عالية من أصوات الشعب، وهنا تكمن واحدة من أهم مشاكل الديمقراطية... مشكلة إنتبه لها الفيلسوف سقراط وبها حاجّ مساعده أديمانتوس فدار بينهما هذا الحوار:

سقراط: أديمانتوس، إن كنت متوجها في رحلة بحرية، هل ستختار شخصا عاديا عاميا يقرر من سيكون ربُّان السفينة أما ستختار رجلا خبيرا بقواعد الملِاحة البحرية يقرر من سيكون الربان؟

أديمانتوس: سأختار الأخير طبعا!

سقراط: لماذا نظن إذا أن أي شخص يمكنه أن يقُرر من سيكون حاكما للبلاد؟

ما أراد سقراط قوله ببساطة هو لماذا نواصل الظن أن أي شخص يمكنه أن يصُوّت! لأن في نظره التصويت هو مهارة تتُعلم وتكُتسب لأن العامة يمكن أن يخدعها سياسي فاسد إن كان يجيد التلاعب والخداع ويتُقن فن الخطابة! ألا ترى أن الكثير من الحكُّام الذين مروا على الدول العربية كانوا ساسة فاسدين وقادة فاشلين ولكن مع هذا كانت لهم خُطب عنترية خدعوا بها العامة بل وحتى الخاصة في مرات؟!

سقراط قال أن المتُرشح يمكن أن يلعب على وتر شهوات الإنسان والملذات التي يسعى إليها ويستعملها كطعم لخداعه وبهذا ضرب مثالا لمساعده أديمانتوس برجلين ترشحا لحكم دولة ما؛ أحدهما طبيب والآخر بائع أطعمة و مقبلات، فيقول البائع: أنا أصنع لكم الكعك وأقدم لكم ألذ الأطعمة بينما هذا الطبيب لا يمكنه أن يقدم ما أقدمه لكم وفوق كل هذا يمنعكم من التلذذ بالعيش وأكل الطعام والمقبلات الشهية!

ومن هنا طلب منا سقراط أن نتسائل؛ هل سيتمكن الطبيب من إقناع الشعب أنه يمنعهم من أكل بعض المأكولات او الإكثار منها لأنها تضر بصحتهم؟

إن كانت إجابتك بنعم، فأنظر إلى واقع التنافس السياسي في الدول العربية المسلمة.

يقول المرُشّح العالماني للشعب: أنا أوفر لكم الخمر ومجالس الميسر بينما هذا الإسلامي يمنعكم من التمتع بعيشكم والتلذذ بالحياة!

الواقع يقول أن العالماني صحيح أن محاولاته باءت بالفشل في العديد من الأقطار العربية المسلمة ولكنها فازت في بعضٍ منها... فازت والشعوب التي إختارته يفُترض أنها مسلمة!

بعيدا عن التنافس بين العالماني والإسلامي لنفرض أن هناك "بائع مقبلات" ترشح، هل سيفوز بالإنتخابات؟ الواقع كما أسلفنا الذكر أن العديد منهم فازوا وبعدما فازوا حولوا الحكم إلى حكم شمولي يثبت فيه حزب واحد وتمُحى البقية.

كيف فاز؟ الاجابة سهلة؛ التصويت كما قال سُقراط "مهارة تكُتسب"، وإن كانت الأمة جاهلة أو نسبة كبيرة من أفرادها أمية فسيفوز بائع المقبلات في كل مرة.

إذن يمكن القول أن النقطة التي لفت سقراط أنظارنا إليها حول الديمقراطية قد أخذت الشعوب العربية إلى طريق نهايته سد وعلى جانبيه بيداء تبيد كل عابر في سبيلها.