حبُ العرب للسفر والرحلات والكتابة عنها متواجد منذ القدم. سواء في سبيل الرزق، أو التجارة، أو الثقافة والمعرفة، أو حتى لمجرد المتعة والسياحة.


وكان يتفاخر العرب بقدومهم من أسفارهم وعودتهم إلى مواطنهم، فكان الراجع منهم إلى وطنه يجلس ويحفُّ الناّس من حوله، ويبدأ بذكر البلاد التي سافر إليها، ووصف مناخها، وسرد أشكال سكّانها، وذكر حال شعوبها وقبائلها، والإحاطة والإلمام بجميع تفاصيل عاداتهم وتقاليدهم، حتى وصلت الدقة فيهم إلى تسجيل وكتابة أخبار سفراتهم ورحلاتهم في بلدان العالم، وما وصلوا إليه وعلموه، وماسمعوه، وما رأوه.

وذكر المؤرخون من هذه الوفود وفدٌ أرسله الخليفة "الواثق بالله" سنة  227 هجري  إلى سدِّ يأجوج ومأجوج. وكذالك وفدٌ أُرسِل إلى الصين أيام المحادثاتِ بين السّامانييّن وملكِ الصين، ومنها أيضا وفودٌ رسمية لبعثاتٍ جاسوسيةٍ من الرجال والنساء كانت لاستطلاع الأخبار. ووفود لتعر يف البلدان والدول بالإسلام والثقافة الإسلامية، ومنها وفد الخليفة المقتدر باللل لهّ بقيادة أحمد بن فضلان إلى صقالبة الروس، أو ما يسمّون بالفايكينغ.


من هم الفايكينغ الروسين ؟




يطلق عليهم اسم نورسمان أو نورثمان. وهم اسكندافيون داهموا مناطق شاسعة وأقطار عديدة من أوربا، وقد قاموا بالتأثير العميق -المظلم- على التاريخ الأوربي. وقد كانوا يتقدّمون في رئاسة الأراضي والعشائر وخدمهم، وحصلوا بدايةً على إسم فايكنغر vikinger وهي تعني باللغات الاسكندافية القديمة القراصنة. 

أختلف المؤرخون في محل بداية عصر الفايكينغ. فحسب السجلات الانجلوسكسونية أن عصرهم بدأ في جزيرة بورتلاند في دروست، وبالرغم من ذلك يرد في نفس السجلات أن بداية عصرهم نشأت في الجزر البر يطانية. ويذكر أنهم عبروا روسيا أثناء حروبهم وتجاراتهم، واستوطنوا فيها.

ماقبل رحلة ابن فضلان:-

كانت بغداد في ذلك الوقت، أي قبل رحلة ابن فضلان بأربع سنوات، مدينة مزدهرة وغنية، ويذكر أن الفقراء فيها كانوا كانو كأعنياء أوروبا في العصور الوسطى وأن الجاه واللكرم والثراء يملآنها، حتى كادت تفيضُ وتزدانُ بالذّهب والفضّة لشدّة ترفها، وكانت كذلك مدينة اللكتب، والثقافة والمعرفة، واشتهر صيتها في جميع أصقاع العالم بما فيها من عزّة وترف ودعة وعلم.

وبما أن ازدهار بغداد وسمعتها وصلا للخارح بعظمة وجبروت، بدأ ملوك العالم يتهافتون لإقامة الصّلات والمعارف
والمحالفات مع بغداد. ومن بين من أراد توثيق المعارف وتوليد المحالفات هم صقالبة الروس.

فقد طلب ملك الصقالبة "ألمش بن يلطوار" من أمير المؤمنين "المقتدر بالله" أن يبعث لهم بوفد يعلمهم ملامح الإسلام و يعطيهم من الثقافة التي تزخر بها بغداد آنذاك. فوافق الخليفة البالغ من العمر آنذاك سبع عشر عاما على إرسال وفد إلى ملك الصقالبة، ويُذكر أن الوفد كان من أربعة أشخاص هم سوسن الرس، تكين التركي، بارس الصقلاوي وأحمد بن فضل ومعهم دليل وهو رسول الصقالبة.  ومع عددٍ غفير من الفقهاء والتجّار، ويذكر أنّ الوفد حمل فيما حمل اللكثير من الأدو ية .التي طلبها ملك الصقالبة، مما يدل على زخر الممللكة العباسية وغناها وتطور حضارتها وأطبائها وعلمائها، ووفرة أدو ية لم تكن متواجدة عند بلاد البلغار وقتذاك.


بداية رحلة ابن فضلان:-


وقد كتب أحمد بن فضلان عن رحلته هذه مخطوطاتٍ كثيرةٍ وعديدة، حوت أدقّ التفاصيلِ عن الصعاب التي واجهها أثناء الرحلة، فذكر أنه تنكر في القافلة، قبيل نيسابور، خوفا على نفسه. وذكر الشتاء القارص في منطقة الجرجانية على نهر جيجون، فقال: فكأنّ بابا من الزمهرير قد فتح، والريح تعصف عصفاً
شديدا وتطيرّ كل شيء بطر يقها، وتقتلع الشجيرات، فإذا خرج من الحمام إلى البيت جمدتْ لحيته، فأصبحت قطعة واحدة من الثلج، وإذا كان بغرفةِ أحد البيوت، يتدثر بالأكسية والفراء والمعاطف، ومع ذلك يلتصق خده على المخدة من شدة البرد.

وذكُِر في رسالة ابن فضلان أنه حين دخل بلاد الترك لقي الضرب والبرد، ولقيه قطاع الطرق وأوقفوا القافلة بأسرها، وهي نحو ثلاثة آلاف دابة، وخمسة آلاف رجل. فنجا منهم بالهداية والحسنى. وعانى كثيرا حتى وصل مكانه المنشود. وعلى الرغم من كل هذا فقد كان شديد الإيمان والتضرع إلى الله.

وقال أيضا الدكّتور المحقق سامي الدّهان بأنه ذكُِر في الرسالة:

أنه كان يتقزز من القذراة والأوساخ التي يلقاها في المدن والمناطق والقرى، ويهوله أن يرى النساء إلى جانب الرجال في مناظر مخلةّ، و يفزعه أن يراهنّ في عريٍ دائم. ويخجل منهنّ ويدعوهنّ إلى التسترّ، وإذا شاهدهنَّ بغير ثيابهنَّ طار صوابه، ونعى على القوم أنهم لا يستنجون من غائطٍ أو بول، ولا يغتسلون من جنابة، وكان يرتجفُ لسماعِ اسئلةٍ ملؤها اللكفر، فيستغفر الله لسائله حين يقول له "ألربنا إمرأة؟"

وذكر أنَّ الرجال هناك ينتفون لحاهم ويرسلون سبالهم فشبههم بالتيوس. وكان يتمسك بتقاليد الإسلام فيأمر الملك برد السلام على أمير المؤمنين، ويمنعه من تسمية نفسه بالملك؛ لأن الله هو الملك وإنمّا يسمّي نفسه بالخليفة أو بعبد الله.

وذكر في مخطوطاته أن رجلا أسلم على يديه وكان إسمه "طالوت" فأسماه "عبد الله" وأسلمت إمرأته وأولاده فسُمُّوا كلهم بمحمد.  وعلمّ الرجل سور القرآن القصار، وكان فرحه بذلك أكبر من فرحه إذا صار له ملك الصقالبة ومقاليدها.

وقد كان يغضب غضبا شديدا لانتهاك حرماتِ المسلمين في تلك البلاد، وغضب أشدّ الغضبِ حين ذكُِر أن ملك الخرز اليهودي يغصبُ روسية مسلمة على الزواج منه.

وذكر في رسالته وصف لحال شعوبهم، فذكر أنهم يلبسون القلانس، ويرفعونها عن رؤوسهم حالما يمر بهم ملك و يضعونها تحت إبطهم، كأن هذه تحيتهم له.
وذكر أنّهم يستحمون في النّهر عراة، رجالا ونساء .ً وقانونهم بالزنى شديد، فهم يقطعون الزاني بالفأس من رأسه إلى فخذيه!

ووصف الروس بأنهم شقر حمر، وأن كل رجل منهم لابد يحمل سكينا أو سيفا أو فأسا،ً وقال أنهم يجتمعون ويسكنون في بيت واحد، حتى ليتجاوز عددهم العشرة والعشرون، ولكل منهم سرير، وحياتهم الزوجية مكشوفة للآخرين لا حياء فيها ولا عار. وأنهم يغتسلون جميعا بإناء واحد، لا يغيرون ماءه! وأمثال هذا كثير في رسالته وفصَّل فيها كثيرا حتى ليطول بنا ذكرها.

وذكر الدكتور -المحقق في رسالة ابن فضلان- سامي الدّهان تعجبه إثر هذه الرسالة، فقال:-

"العجب أشد العجب من هذه الرسالة. يخطّها رجلٌ فقيه، فيجيدُ الوصف على أروع ما يجود فيه الأدباء والشعراء. و يصوّر ما يجول في نفسه من مشاعر الفرح والغبطة والخوف والفزع، فيقربنا من هذه المشاهد التي رأى تقريب أديبٍ أريب، لا فقيهٍ مبشرّ، ولولا أنه ذكر مهمته وشدّ عليها وألح على بيانها، لسلكناه في الأدباء والقصّاصين. وذلك لبراعة قلمه وحسن بيانه وجود عباراته.."

أهمية رحلة ابن فضلان:-

عندما وقعت رسالة ابن فضلان إلى الروس فرحوا بها أشد الفرح، وهذا لأنّها تسد ثغرةً كبيرة موجودة في تاريخهم عن ماضيهم في العصور والوسطى، ولأنّها تذكر تفاصيل دقيقة جدا عن ملابسهم، وأشكالهم، وعاداتهم، وتقاليهم، وإحراقهم للجثث، وامتهانهم للجواري والخدم، وطبيعة حياتهم. وساعدتهم هذه الرسالة على إدراج وصفٍ دقيق عن هذا الماضي.

وهذه الرسالة فريدة من نوعها، كتب بها تفاصيل لم تسبق كتابتها في أي مصدر آخر، سواء عربي أو غربي.

وقد ألهمتْ هذه الرسالة الفنان الروسي سميرادكي هنري لرسم لوحة بديعة عن الدفن، تعلَقّ بأكبر متاحف روسيا الآن. وقد رفعت اسم ابن فضلان عالياً  
واوصلته للخلود والشهرة، وقد كتب الروائي السينيمائي الأمريكي "ميخائيل كريكتون" رواية "أكلة الموتى" زاعما أنها تحوي النص الكامل للرسالة.  وفي عام 1999 أُنتجَ فيلم يحمل عنوان "المحارب الثالث عشر" مقتبسا من رسالة ابن فضلان. 

وقد عثر على هذه المخطوطات "رسالة ابن فضلان" في عام 1913 . وحازت على اللكثير من الاهتمام لدى الغرب، ورفعت اسم ابن فضلان عاليا جدا،ً وتم إنشاء دراسات كثيرة وبحوث عديدة عليها.

ورغم ذلك فرسالة ابن فضلان طبعت مرة واحدة باللغة العربية، على يد زكي "وليد طوغان"، وبذلك أصاب أحمد بن فضلان الكثير من الظلم في كثير من الأقطار والدول العربية.

نص من رسالة ابن فضلان:-

"وإذا مرض منهم واحد، ضربوا له خيمة ناحية عنهم، وطرحوه فيها، وجعلوا معه شيئا من الخخبز والماء، ولا يقربونه، ولا يكلمونه، بل لا يتعاهدونه في كل أيام مرضه، لا سيما إن كان ضعيفا أو مملوكا .ً فإن برأ قام ورجع إليهم، وإن مات احرقوه، فإن كان مملوكا تركوه على حاله، تأكله الكلاب والجوارح والطير".