نحو فتح الأندلس من جديد.. دروس من ناصعة التاريخ



لو لم تكن البراهين ثابتة على تمام الفتح في هذه المدة القصيرة لما صدقه أحد؛ لأن شبه الجزيرة الأيبيرية أو الأندلس قطر عسير لا يسهل على أحد فتحه أو إخضاعه، ويمكن اعتبار الفتح المعجز للأندلس أحد الدلالات الكثيرة على صدق هذا الدين، وأنه من عند الله سبحانه، فنصر المسلمين في هذه المدة اليسيرة في ميزان الحروب، لابد له من مدد، ولا يكون ذلك إلا بتأييد إلهي!


الأوضاع في الأندلس قبل الفتح الإسلامي:

القوط، أو القوط الغربيون هو اسم للقبائل من النصارى التي حكمت بلاد الواندال، والتي اشتق اسم الأندلس منها فيما بعد، وظلوا يحكمون الأندلس حتى قدوم المسلمين إليها، لكن قبل ذلك بعام تقريبا حدث انقلاب عسكري في البلاد، وتم عزل الملك غيطشة، واستولى لذريق على الحكم، لكن أتباع غيطشة لم يعجبهم ذلك، فكانوا يتحينون للانقضاض إذا لاحت أمامهم فرصة؛ مما ساهم في تسهيل مهمة المسلمين إلى حد ما عند فتح الأندلس.


قال تعالى: لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًاوَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ
سورة الحشر آية 14



فكان تهيؤ البلاد للفاتحين الأوائل ناجما عن ظروف سياسية سيئة، واضطرابات، وانتشار للظلم والفساد، مما يضعف من تماسك الجبهات الداخلية للأمم المظلومة، ويجعلها تتطلع للخلاص والعدل بل وتناشد الفاتحين ، وهو ما حدث فعلا رغبة في العدالة التي كانت في الإسلام وشريعته، لكن رغم ذلك فقد كانت قوة لذريق العسكرية ضاربة بحق، وإلا لما تمكن من الاستمساك بالحكم في ظل المتربصون، ولانعدمت لديه القدرة على قتال الإفرنج، حيث كان مشغولا بقتالهم قبل أن يأتيه خبر المسلمون، لكن من ذاك الذي ينتصر بقوته وعتاده، إذا خذله الله سبحانه القوي المتين.


فكرة الفتح:

كان من الطبيعي بعد أن استتب الأمر للمسلمين في الشمال الأفريقي، أن تتوجه أنظارهم تجاه شبه الجزيرة الأيبيرية، وذلك لتأمين حدوده ونشر دعوة الحق في كل مكان، وقد يظن البعض أن فكرة فتح تلك البلاد حدث قريبا من الحملة عليها، إلا أنه في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين، وتحديدا في عام 63هـ كان القائد المسلم عقبة بن نافع رحمه الله من أوائل من فكروا في اجتياز المضيق إلى شبه الجزيرة، لكن الفكرة آتت أكلها في زمن الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، على يد القائد موسى بن نصير رحم الله الجميع.


في هذه الأثناء كان يوليان حاكم مدينة سبتة يكن حقدا دفينا على لذريق حاكم الأندلس، لِما كان من أمره مع ابنته التي أمّنه عليها وأرسلها له لتخدمه، فإذا به ينتهك عرضها، ويخون أمانته، فولد ذلك كراهية وتربص لدى يوليان، مما ساهم في جعله يعرض الحلف على المسلمين وهو ما كان؛ وذلك لإسقاط غريمه لذريق بأي ثمن، وليُمكن لأبناء غيطشة في المقابل، وقد كان أن اتفق مع المسلمين على إرجاع بعض الضياع والأملاك التي استولى عليها لذريق إليهم.


سرايا الاستطلاع:

طريف بن مالك المعافري يقود الاستطلاع 91هـ

بعد التشاور على فكرة الفتح أرسل موسى بن نصير قائده طريف بن مالك المعافري إلى ساحل الأندلس في عام 91هـ الموافق 710م؛ ليستكشف نقاط القوة ونقاط الضعف لدى النصارى، بقوة استطلاعية تعدادها 500 مقاتل، فنزل في جزيرة تسمى بالوماس عرفت بجزيرة طريف فيما بعد، وهاجم بعض المناطق المجاورة وسبى وغنم؛ مما كشف ضعفا في وسائل الدفاع لدى الأسبان.



طارق بن زياد قائد الحملة العسكرية 92هـ

عمل موسى بن نصير على إكمال جهود من سبقه من الجند الدعاة ـ قادة وجيشاً ـ في ترسيخ قدم الإسلام في الشمال الإفريقي، فقد عمل على تثبيت الإسلام في قلوب الناس ونشط في تعليمهم وتربيتهم على مبادئ الدين الحنيف، وآتت جهوده الدعوية ثمارها الزكية فقد أصبح البربر في تلك الديار من أخلص الناس للإسلام والدعوة إليه والجهاد في سبيل نشر تعاليمه، ولقد كانت أكثرية جيش طارق إلى الجزيرة الأيبيرية من المسلمين البربر، الذين تحمسوا لدعوة الإسلام، حباً لها وتضحية من أجلها، لا طمعاً في مغنم أو حرصاً على جاه، فهذا هو هدف جميع الفتوحات الإسلامية التي يكفي الاطَّلاع عليها ومعرفة طبيعتها لرفض الإدعاءات وإسقاط المفتريات المزوّرة، التي تشير ـ تلميحاً أو تصريحاً ـ إلى اعتبار الغنائم سبب هذا الفتح، وهو أمر عاري من الحجج والبراهين والأدلة، وإنما هي أوهام لا تحمل أي رائحة من الطابع العلمي أو السند التاريخي.


وكان طارق عسكريًا ناجحًا وقائدًا ممتازًا، مخلصًا للإسلام، متحمسًا لنشره في بقاع الأرض؛ لذا بدأ طارق بالتجهز للعبور؛ فقام ببناء عدد كبير من السفن؛ ليتمكن من عبور المضيق الفاصل بين أفريقية وأوروبا، هذا غير السفن التي كان يوليان قد عاون المسلمين في استئجارها لمعرفته بها كما تذكر المصادر.


المسلمون يعبرون المضيق:

لما رأى موسى بن نصير ما حققته حملة طريف، وصحّ عنده ما نقل إليه من أحوال الأندلس، بعث طارق بن زياد في سبعة آلاف من المسلمين، أكثرهم من البربر والموالي وأقلهم من العرب، ولما احتاج طارق إلى أعداد في فترة تالية، أمدّه موسى بخمسة آلاف فتمّ جيش طارق من السفن لنقل الجنود إلى بر الأندلس، وقد حرص القائمون على الحملة لاستكمال عملية نزول الجند أن يُعموُا أخبار الحملة على الناس، لذلك أحضر يوليان السفن إلى سبتة ليلاً وأخذت تنقل الجنود تباعاً.


 ويبدو أن عملية إبحار الجند اقتضت أكثر من ليلة، فقيل أن الجند الذين نزلوا بر الأندلس كانوا يكمنون في النهار حتى لا يشعر بهم أحد، وكانت السفن تختلف بين سبتة والأندلس وأهل الأندلس لا يظنون إلا أنها تختلف بمثل ما كانت السفن تختلف به من المنافع والمتاجر، ولما علم أهل الأندلس بالحملة كانت عملية الإبحار قد تمت بسلام في رجب من عام اثنين وتسعين للهجرة.



 ونزل طارق بالجند عند جبل كالبي، وهو الجبل الذي أخذ اسمه وصار يعرف بجبل طارق، وسار طارق بالجيش نحو الجزيرة الخضراء ففتحها، وكان لذريق في شمال الأندلس مشغولاً في محاربة البشكنس، وقيل في محاربة الفرنسيين، فأرسل خليفته تدمير يُعْلِمُه بالهجوم الإسلامي، فعاد لذريق مسرعاً لصده، وفي طريقه لقتال المسلمين عرّج على العاصمة طليطلة دون أن يدخلها وصالح أسرة غيطشة ودعاهم والقوط المخالفين له إلى الانضمام إليه في حرب العدو المشترك فساروا معه، وقيل أن لذريق عهد بقيادة ميمنة جيشه وميسرته إلى ابني غيطشة.


 وعلم طارق بالحشود التي حشدها لذريق لمجابهته فكتب إلى موسى ينبئه بضخامتها ويطلب منه مدداً، فأمدّه موسى بخمسة آلاف مقاتل، ويصف المقري، نقلاً عن بعض المؤرخين جند طارق لقد أقبلوا وعليهم (الزرد) وفوق رؤوسهم (العمائم البيض) وبأيديهم (القسي العربية) وقد تقلدوا السيوف وحملوا الرماح فلما رآهم لذريق دخله منهم الرعب، وذكر ابن الأثير: أن طارقاً لما ركب البحر غلبته عينه فرأى النبي صلى الله عليه وسلم ـ في نومه ـ ومعه المهاجرون والأنصار قد تقلّدوا السيوف وتنكّبوا القسّي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا طارق تقدم لشأنك، وأمره بالرفق بالمسلمين، والوفاء بالعهد، فنظر طارق فرأى النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه قد دخلوا الأندلس أمامه، فاستيقظ من نومه مستبشراً وبشر أصحابه وقويت نفسه ولم يشك في الظفر.


معركة وادي لكة:

لم يعد بين طارق وخصمه لذريق سوى عاملي الزمن، والأرض وأصبح من الواضح أن طارقاً أكثر حرية من خصمة بعد سقوط ولاية (الجزيرة الخضراء) بيده، وهزيمة قائد القوط (بنج) وهلاك فرقته بكاملها على يدي جيش طارق، وأصبح قادراً على اختيار المكان المناسب للقتال، فقد كان اختيار ميدان القتال من قبله من أهم عناصر نجاحه في هذه المعركة، إذ كان قد أسند ميمنة جيشه إلى بحيرة خاندا شرقاً، الممتدة عدة كيلومترات والتي يصب فيها نهر البرباط الذي بمر بوادي البرباط وأسند ميسرته إلى الوادي المذكور غرباً، كما اسند مؤخرة هذا الجيش إلى جبال (رتينا) العالية جنوباً، منتظراً أن يأتيه العدو من الشمال بعد أن وضعه في موضع الاضطرار لا الاختيار.


 وما أن استكمل لذريق عدة الجيش حتى تحرك جنوباً لمواجهة طارق وجيشه في المكان الذي اختاره هذا الأخير، فوصله في الأيام الأخيرة من شهر رمضان عام 92هـ، وعسكر بجيشه على الجهة الشمالية للوادي، والتقى الجيشان على نهر لكة من أعمال شذونة لليلتين بقيتا من رمضان سنة 92هـ، واتصلت الحرب بين الجانبين ثمانية أيام استشهد فيها ثلاثة آلاف من المسلمين ولكن الهزيمة دارت على لذريق وجيشه، وقيل أن لذريق غرق وقتل كثير من جيشه، ومما يروي عن أبناء غيطشة أنهم خذلوا لذريق وتركوهم وأنصارهم مواقفهم أمام المسلمين ظناً منهم أن المسلمين إذا امتلأت أيديهم من الغنائم عادوا إلى بلادهم فبقي الملك لهم، ولعل خذلان آل غيطشة وأنصارهم لذريق كان بدافع الانتقام منه، ولا شك أن هذا الفتح مثل غيره يعود إلى قوة المسلمين بتمكن العقيدة وتغلغل معانيها في نفوسهم وحرصهم على الشهادة في سبيلها.


وبعد هذا النصر العظيم تعقب طارق فلول الجيش القوطي التي لاذت بالفرار، وسار الجيش الإسلامي فاتحاً لبقية مناطق الجزيرة الأيبيرية.



بعض الدروس والعبر:

كان المسلمون صادقين ووفوا بعهودهم تجاه يليان وأبناء غيطشة؛ فأعادوا لهؤلاء ضياع أبيهم واحترموا تعهداتهم ليليان وأنصاره، وكانت نتيجة ذلك أن أعتنقت سلالة كل من يليان وأبناء غيطشة الإسلام، فكان فيها من حسن إسلامه مثل أيوب ( توفي سنة226 هـ) وسليمان( توفي سنة 379 هـ) وأحمد( توفي سنة 388 هـ) من سلالة يليان، ومثل أبي بكر محمد بن عمر المعروف بابن القوطية صاحب كتاب تاريخ افتتاح الأندلس وهو من سلالة سارة بنت المنذر بن غيطشة آخر ملوك القوط.


إن المسلمين أتموا فتح بلاد الأندلس ولم يتجاوز عددهم الثلاثين ألفًا، وكان المسلمون يقومون بهذا الفتح ويعرفون أن أعدادهم أقل بكثير من عدوهم، لكنهم كانوا يتفوقون على ذلك بالإيمان القوي المتدفق، وكانوا مستعدين لكل تضحية مهما عزت لنصرة الإسلام، ومن الأمور المهمة التي يجب الإشارة إليها أيضًا أن مهمة الفتح الإسلامي لا تنتهي أو تتوقف عند النصر الحربي، بل بعده تبدأ؛ وذلك ببيان الإسلام والدعوة إليه، وهي مهمة ما بعد الفتح على لسان الفاتحين وفي سلوكهم وتصرفهم، فهل آن لنا أن نعود إلى مصدر عزنا وسؤددنا أم نتنكب الصراط فنُستبدل؟!

قال تعالى: وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم
سورة محمد آية 38



المصادر:


إرسال تعليق

0 تعليقات