هذه سلسلة نُلخّص فيها كتاب "الطريق من هنا" للإمام محمد الغزالي - رحمه الله - نُبيّن فيه شروط النهضة من وجهة نظر هذا المفكر العظيم وهذا هو الجزء الأول من هذه السلسلة نُقدّم فيه مقدمة الكِتاب مُلخّصة.

يقول الغزالي:

"تَخلُّفُ العالم الإسلامي قضيةٌ معروفةٌ وإن كانت مُخجلة، وهذا التَّخَلُّفُ أَطْمَع فيه من لا يُحسِنُ الدفاع عن نفسه فكيف لا يُطمِع فيه الأقوياء؟!

وإِنَّ هذا التَّخَلُّفَ أَلْصق بالِإسْلامِ تُهمًا كثيرةٌ هو بريئٌ منها ولستُ ألومُ أحدًا غَيْرنا مادُمنا نحن المسؤولين عن هذا البلاء؛ إن القطيع السائب لابد أن تفترسه الذئاب.

وقد نَهَضَ كَثِيرُونَ لِمعالجةِ هذا الإِنْحِدَارِ وقد لاحَظْتُ أنهم فريقين؛ فريقًا يتجهُ إلى الحكمِ ويرى أنه الطريقُ المختصرُ لتغيير الأوضاع إلى الأفضل وفريقًا يتجه إلى الشعوبِ ويرى في رشادِها الخير كله.

قلتُ في نفسي إن من يسعى للحكمِ يجبُ أن يكون من الصِّديقين والشُهداءِ والصالحين أو من الفلاسفة المحلِّقين وهؤلاء لم ينعدموا ولكنهم في الشرق عملةٌ نادرة، ومع ذلك فإن أي حكمٍ رفيعِ القدْرِ لن يبْلُغَ غايتَهُ إلا إذا ظاهَرَهُ شعبٌ نفيسُ المعدنِ عاليَ الهِمَّة.

إذنْ الشُعوب هيَ الأصْل، فعلى بُغاةِ الخيرِ إذنْ أن يخْتَلِطوا بالشعوبِ لإصْلاحها وفَكِّ قُيُودِهَا المَوْرُوثَةِ أو التي أَقْبَلَتْ مع الإستعمار الحديث لا أن يذوبوا فيها.

ولكنّ الحُكُومَات والسُّلُطات ستمنَعُهُم، وإنْ لَم تَمْنَعْهُم من أجلِ مصالحها فستَمْنَعُهم بأمرٍ من القوى الكبرى في الخارج وسُتكُمِّمُ أفواهَهُم وستَزُجُّ بالدعاةِ وأولي النُهَى في السجونِ والمعتقلات، ولكني مع هذا مازلت لا أرى هذا ذريعةً للإشتباك مع الحكام وأخذ زمام الحكم منهم بالقوة.

إنني أناشِدُ أولي العزمِ من الدعاةِ أن يُعيدوا النَّظَر في أسَالِيبِ عَرْضِ الإسْلامِ وأن يَبْذُلوا وسعهم في تغييرالشعوب والأفكار.

والإسلام اليوم يعاني من أمرين:

الأول: تصوُّرٌ مُشوَّشٌ يَخْلِطُ بين الأُصول والفُروع.
الثاني: جماعاتٌ مُتَرَبِّصَةٌ تَقِفُ دُونَ عَمَلْ، مُتَوَاكِلَةٌ تكتفي بالدعاء وتنتظر بأعداء الله الويل والثُبور وعظائم الأمور وهي في ميدان الدعوة "بِطالةٌ مُقنّعة"؛ لأن المسلم سواءَ ملك السلطة أم لا إنسانٌ ناشطٌ دؤوبٌ لا ينَقَطِعُ لَهُ عَمَلٌ سواء في الشارع أو في البيت أو في المسجد أو في الحقل أو المصنع أو الدكان أو المكتب.

ولَيْسَ العَمَلُ المطلوبُ مَضْغُ كلماتٍ فارغَة أو مُجادلاتٍ فِقْهِيّة أو خُصومَاتٍ تَارِيخِيّة... إنّ العَمَلَ المَطْلُوب أسمى من ذلك وأجدى.

إننا نحن المسلمون إنهزمنا في ميادين شتّى لا تحتاجُ إلى عَصَا السُّلطة والمَجتمعُ الذي يَعْجَزُ عن مَحْوِ تقاليد سيئة في دنيا الأسرة لن يُحقق نصرًا في دنيا السياسة.

ليس من الإسلامِ أَنْ أَضَعَ قدمًا على أُخرى وأنتظر من جِنِّ سليمان أن تضع بين يديّ مقاليد الحُكم، إن الجهاد الإسلامي كدحٌ مضنٍ.

لقد وهب الله الدولة للمسلمينَ الأوائل لأَنّهم كانوا مشغولون بالعَمَلِ له، كان لهم طرازٌ مُعيّنٌ من العقائد والعبادات والأخلاق وطرازٌ آخرٌ من التفكيرِ والتدبيرِ والسلوكِ يُشرِّفهم ويُعلي قَدْرهُم.

المُهمّ أَنْ أَبْذُلَ جُهدي ووسعي، فإنْ وصلتُ إلى هدفي أو مِتُّ دونه لقيت الله ومعي عُذري { فإمّا نَذْهبنّ بك فإنّا منهم مُنتقِمون (41) أو نُرينّك الذي وعدناهم فإنا عليهم مُقتدِرون (42) } سورة الزُخرف.

إن العقل الذي يُفكر به الدُعاة والمدْعُوون يجب تغييره، وأستطيع الجزم بأنه ليس عقلا إسلاميا.

إن مستقبلنا منوطٌ بهذه اليقظة".

الإمام مُحمّد الغزالي رحمه الله.