نُكمل ما بدأناه من تلخيصٍ لكتاب "الطريق من هنا" للإمام محمد الغزالي - رحمه الله - وبعد المقدمة التي كانت الجزء الأول من هذه السلسلة نأتي إلى تلخيص أول فصلٍ من الكتاب.



الفصل الأول
دعواتٌ تائهة في أمَّةٍ مُهدَّدةٍ بالضياع



راقبت الأوضاع في أقطار إفريقية الناطقة بالفرنسية والناطقة بالإنجليزية، فعرفتُ كيف مكّن الإستعمار لبقاءه حتى بعد أن جلت جنودهُ عن الأرض.

نعم قد تَخْلُو الأرض منه، ولكن سكانها امتلأت نفوسهم به، وارتبطوا ماديًّا وأدبيًّا بمواريثه، فهم راكنون إليه معتمدون عليه.

ماذا صنع الإستعمارُ لتحقيقِ هذه الغاية؟

لقد فرض أولًا لُغته وجعلها لغة المُكاتبات والدواوين، ولغة الدِّراسة في جميع المراحِل التعليمية، ولغة التخاطُبِ المُحترم في البيوت والشوارع، ومع هذا هو يُعلن مقته للغة العربية بكل صراحة ويُؤخِّرُ رجالها عن عمد ومن هنا كانت الفرنسية لغة السنغال والإنجليزيةُ لغة نيجيريا، أما لغة القرآن فهي منبوذة مُهملة!

وقد نشأ عن ذلك أن المسلم في هذه الأقطار محجوبٌ عن التراث الإسلاميِّ لأنه مدوَّنٌ باللغةِ العربيّة، وإذا قرأ شيئًا عن الإسلام فيقرأه عن طريق الإفكِ الذي سطّره المُستشرقون والمُبشّرون بإحدى اللغتين الفرنسية أو الإنجليزية ويا ضيعة الأجيالِ الجديدة!

ومع حركة الإفناء المرسومِ للغة القرآن الكريم قامت حركة إقتصادية بارعة جعلت الإنتاج في أيدي الأجانب أو في أيدي العناصر المُوالية له، فهم مُلّاك الحقول ومُلُوك الصناعات التحويلية أو التجميعية وهم مُديرو المصارف والشركات.

قديمًا قال شوقي : يا مال الدنيا أنت والناس حيث كنت.

وقد فقه المُستعمرون هذه الحقيقة، فدسّوا أصابعهم في منابع الثروة ومصارفها وأشعروا أهل البلاد أن البعد عن المُستعمر طريق الضياع.

فإذا جلت الجيوش عن الأرض لأمرٍ ما فلا تمرّد هناك ولا تحرر، فأيدي المُواطنين هي السُفلى في ارتقاب العطاءِ الذي لا بد منه، وسادة الأمس بالقهر العسكري هم سادة اليوم بالتفوق الإقتصادي والحضاري، ولا معنى لاستعمال العصا إذا كانت الإيماءة بالعين أو الشفتين تكفي للخضوع.

فالأمر لا يحتاج القوة لأن الشعوب المغلوبة تتبع غالبيها وتمشي وراءهم مسحورة وتترك تقاليدها لتقاليدهم وأفكارها لأفكارهم.

ومع أن الإسلام هو الدين الأول في إفريقيا فإن الظروف التعيسة التي مرّت بأُمته في القُرونِ الأخيرة أمكنت من خناقه وأنزلت به هزائم موجعة.

وهكذا مشى التبشيرُ الصليبي في ركاب الاستعمار المكتسح يريد أن يضرب الإسلام الضربة المميتة!

* * *

وأحسَّ أهل الغَيْرةِ بخطورةِ المعركة، ورأوا بعد سُبات طويل أن يتحركوا، فهل أحسنوا صنعًا؟

الثقافة الإسلامية في اضمحلال، ولمَ لا إذا كانت الإنجليزية أو الفرنسية اللغة الأولى للدولة والشعب وربما كانت الأولى والاخيرة!

الجماهير تعاني من الجهل والفقر وهي تقبل العون من كل عارضٍ له ولو كان مقرونًا بالكُفر والفُسوق.

فهل اشتبك الدُّعاةُ الإسلاميّون مع مصادر الدّاء؟

إتصلتُ ببعضهم لأسمع منه ماذا يصنع ورأيت الاكتفاء بالسماع وعدم الخوض في أي جدال.

قال داعية من رجال الجهاد الإسلاميّ: إن تعطيل الأحكام الشرعية سبب ما نزل بالأمة من بلاء، ولا بد من محاربة هذه الجاهلية وإزالة الطواغيت التي تُساند هذا الكفر.

وقال داعية من رجال السّلفيّة: إن تأويل الآيات جعل القُلوبَ تزيغ، ثم انضم إلى ذلك التقليد المذهبيّ وهجر السُّنة المُطهرة تمشيًا مع آراء الرّجال ولا تصلح الأمة ما بقي هذا الإنحراف.

إستمعت إلى كلامِ هذا وذاك وأحسست أن القوم لن يكيدوا عدوّا ولن يكسبوا معركة، إنهم لم يدرسوا الميدان الذي توجهوا إليه، إنهم كالطبيب الذي جاءءه مُصابٌ في رأسه فصنع له جَبيرة على قدمه!

وأطرقت أُفكّرُ في عواقبِ الجهاد الطائش، وقال لي صديق: ما ترى؟

قلت: لن يمضي عامٌ على تحرُّكِ هؤلاء حتى تشيع الحزازات في البُيوتِ والمساجد، وتدخل طوائف الشباب السجون، ويزداد الاستعمار والتبشيرُ ضراوةً ورُضوخًا.

وصدق حدسي وليته ما صدق، ووجدتُني مُحاطًا بقضايا ومشاكل تُثيرُ الغثيان.

أصحيحٌ أن الأكل على المائدة حرام؟ ويجب أن نأكل على الأرض إقامةً للسُّنّة؟ قلت: إن الله أنزل مائدة على أصحاب عيسى، وما أظنه حظر على أصحاب محمد أن يأكلوا على مثلها - وكنت أضحك بمرارة - ثم قلت: تُرى هل تشتري المائدة من لندن أو باريس؟ أم الصناعة المحليّة ارتقت عندكم؟

وجاء آخرٌ يسأل: هل في ارتداء البدلة الفرنجية تشبُّهٌ بالكفار يُلحقنا بهم؟

قلت: التشبه المنكور يكون في العقائد والخلال لا في الملابس والنّعال.

وحدث أن خطيبًا على منبره قال لرجل دخل ليُصلّي الجمعة: قم فصلِّ تحية المسجد، فقال الرجل: نحن مالكية تبطل عندنا هذه الصلاة، فقال الخطيب المفوّه: أتترك محمدًا وتتبعُ مالكًا؟ وكانت فتنة مائجة قرّت لها عين الاستعمار!

وتدخّلت لأؤكد أن أئمة الفقه لا يُقدمون بين يدي الله ورسوله وأن الاختلاف يكون في تفسير ما ورد أو في قيمة ثبوته وما يفكر أحدهم في محالفة الرسول عليه الصلاة والسلام.

* * *

وإذا كان المُسلِمون قد تراجعوا وسقطت دولتهم بسبب معاصٍ اقترفوها وتوارثوها، فإن الدُعاة الجُدد لم يُكلِّفوا أنفسهم دراسة خطأ ولا تصحيح مفهوم.، ولهذا كَثُرَ صياحهم وقلّت جدواه!

والواقع أن الاستعمار الصليبيّ جلا من تلقاء نفسه من عدة أقطار دون قتالٍ ولا تضحيات، لأنه كان شديد الوثوق من أن هذه الأقطار ستظل ذُيولًا له، تستمدُّ منه وتعتمدُ عليه.

إن الأبصار الكليلة لا تُدرك الأوضاع التي تفرض التبعية وتجعل أمة تحت أمة.

إن الأبصار الكليلة لا تُدرك الدعائم التي تقوم بها الرسالات وتستقر بها السياسات ولا تعرف قيمة الاستبحار الثقافي أو الازدهار الحضاري والصناعي في نُصرة الحق وإعزاز أهله وفرض أخلاقه وأهدافه.

ولنتدبر هذا المثال لما يقع بعيدًا عن أرضنا ومُجتمعنا.

من بضع سنين أُعلنت حالة الطوارئ في الولايات المتحدة الأمريكية، وسيطر الانتباه على أعصاب الناس وأفكارهم! مالذي حدث؟ هجوم ذري؟ إعصار مُدمّرٌ آخر؟ لا هذا ولا ذاك، الذي حدث أن أولي الأمر إكتشفوا بغتةً أن الاتحاد السوفيتي قد سبقهم، وخلّفهم وراءه في ميادين علمية كثيرة!

وصدر الأمر بإمعان النظر في برامج التعليم كلها ومراجعة كل شيء، وانشغلت الحكومة و الشعب بهذه الكارثة وضرورة السعي للالتحاق واسترجاع الصدارة.

ولم يمكث القوم طويلا حتى حققوا ما أرادوا وهم الآن في إتمام تجاربهم لما يسمى بحرب الكواكب.

سيقول الناس: عبقريةٌ مثيرة للإعجاب وهذا صحيح ولكن المثير للإعجاب أكثر في نظري هو الشُّعور بحدة المنافسة ووجوب السبق.

وهاهم أولاء يسيرون نحو أهدافهم بالتفوق العلمي في البر والبحر والجو، فبماذا نسير نحن إلى أهدافنا؟ وإذا أعلنَّا حالة الطوارئ لاستدراك ما فاتنا فماهو التغيير الذي نُحدِثُهُ حتى يتغير ما بنا مصداق قوله تعالى: {إِنَّ الله لا يُغَيِّرُ مابِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} الآية 11 من سورة الرعد.

إن طُلّاب العلم في مدارسنا وجامعاتنا لا يدرسون إلا للإمتحان وهناك رجالٌ رُزِقوا لذّة المعرفة وبرزوا في ميادين شتّى ولكنه لمُحزِنٌ أنهم إلتحقوا بالغرب الذي قدّرهم ماديّا وأدبيّا.

وهذا بلاءٌ عظيمٌ وخسارٌ فادح، وودت لو عالجنا هذا المسلك بِرُشدٍ وتؤدة، فإن ضياع ثروتنا البشرية أهم من ضياع الثروات الأخرى.

* * *

إن الطُفولة العقلية السائدة بين متحدثين إسلاميين يُخشى منها على أمتنا.

إن العمل الصالح ذُكر في القرآن الكريم ضميمة لا بد منها مع الإيمان كي يُفلح المرء في دنياه وآخرته، فماهذا العمال الذي تكرر ذكره في القرآن أكثر من سبعين مرة؟

بعض الناس يتصور أن العمل المنشود هو العبادات المرسومة المأنوسة لا يعدوها إلى غيرها.

وهناك من توسع  في الدلالة وشمل شؤون الدنيا في دائرة الصالحات إذا صحبتها النية الحسنة.

وأحسب الأمر يحتاج إلى إيضاحٍ وتدقيق فإن كلمة الصالحات تتسم بالشمول الذي يتناول كل شيء، ويستوي فيه ما حدّد الشارع كيفيته وهيئته، وما تركه لاختلاف الأزمنة والأمكنة.

تلوتُ سورة القصص، وربطت آخرها بأولها، فرأيت أن الله سبحانه شرح أحوال الاستبداد السياسي والطغيان الاقتصادي في قصتي فرعون وقارون، ثم ساق هذ القانون الحضاري الصارم: {تِلْكَ الدَّارُ الآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِين لَا يُريدُون عُلُوًّا فِي الأَرْضِ ولَا فَسَادًا وَالعَاقِبَةُ للمُتَّقِينَ} الآية 83 من سورة القصص.

إنه بعد عشر صفحات من السرد التاريخي الحافل قرر هذه الخلاصة: أن الإستعلاء والفساد يستحيل أن يأتيا بخير.

إنَّ عناصر العدل السياسي والاجتماعي من صميم الاعمال الصالحة، ولن ينزل الوحي ليُعلم المدير كيف يدير او المُدرّس كيف يُعلم، أو السائق كيف يحترم الطريق، فذلك كله تهتدي إليه الفطرةُ المؤمنة وتندفع إليه بالذكاء الطبيعي ومن ثَمَّ اقترن الإيمان والعمل الصالح.

هذا العمل الصالح تنداح دائرته وحرية الحركة فيه مُطلقة ما تُستثنى منه إلا المأثورات التي جمّد الشارع قالبها عندما قال {صلّوا كما رأيتموني أُصلّي}.

وهذه المأثورات قليلة ووقتها مُحدد أما بقية الأعمال فهي الحياة كلها وحسب المُسلم أن يتدبر الآية الكريمة {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمحْيَايَ وَمَمَاتِي لله ربِّ العَالمين} الآية 162 من سورة الأنعام.

* * *

وهناك ما قد يُطيح بثمرة العِبادات وهو إن تحولت إلى عادات بدنيّة تؤدّى خلال غيبوبة عقلية، ولا خير في قراءة بلا وعي ولا رُكوع بلا خُشوع.

لا يجب أن تهبط الصلاة عن درجة مناجاة الله إلى أقوال وأفعال ميتة.

* * *

وأدهى من ذلك أن يتشبث المسلم ببعض الاعمال ويُهمل البعض الآخر.

إنه لو قضى عمره قائمًا إلى جوارِ الكعبة، ذاهلًا عمّا يتطلبه مستقبل الإسلام من جهادٍ علمي واقتصادي وعسكري، ما أغناه ذلك شيئًا عند الله.

إنّ بناء المصانع يُعادل بناء المساجد، فحراسة الحق كتعليمه.

المُسلمُ مُكلفٌ بإصلاح كل عمل أو عمل كل صالح وهذا الانشطار المُعيب في السلوك البشري مرضٌ طرأ على أمتنا من إنحراف القرون لا من تعاليم الإسلام {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طيِّبَةً وَلَنَجَزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْملُونَ} الآية 97 من سورة النحل.

وأولُ ما أصاب النفس الانسانية من عطب توهمها أن الصالحات لا تعدو رسوم العبادات المروية، فإذا أحرز نصيبًا منها  وأراد المزيد كرر الصلاة وكرر القراءة، لأنه لا يعرف صالحاتٍ غير ذلك.

إن الشلل الذي أصاب أيدي المؤمنين في ساحات الإنتاج، وحجب عيونهم عن الملاحظة الذكية وجعلهم يُجار عليهم ولا يُجيرون، ويُؤخذُ منهم ولا يعطون ويتقدم غيرهم ويتأخرون.. إن هذا كله حطّ من قدْرهم وقدْرِ الذين معهم.

وقد رأينا الولايات المتحدة تُعلن حالة الطوارئ لأنها توهمت الروس سبقوها في بعض آفاق المعرفة فهل أعلنّا أي حالةٍ من حالات الإستنفار والتفزيع بعدما تدحرجنا إلى العالم الثالث، واقعًا مُرًّا لا خيالًا طائفًا؟

والغريبُ أن الذين استيقظوا أو زعموا ذلك لم يقطعوا القُيود التي جمدت المواهب ولم يُشخِّصوا العِلل التي أعجزت الأمة بل سلكوا طرائق هازلة، فمنهم من تخصص في محاربة الفقه المذهبي في الوضوء والصلاة ومنهم من جدد الحرب على الجهمية والأشاعرة ومنهم من ذهل عن أصول الحكم وقواعد السياسة الراشدة وتخصص في طلب بعض الأحكام الفرعية ومنهم من عاد إلى التصوُّفِ غارقًا في وحدة الوجود، ومنهم ومنهم...!

والأمر يحتاجُ إلى فهمٍ صافٍ صادق لما يتطلبه الإسلامُ في الميادين التي انهزم فيها المسلمون حضارّيا وروحيّا.

ولنبدأ بميدان العلم بعد هذا التمهيد الطّويل فإن أنكى ما أصابنا جاءنا من الجهلِ الكثيف بشؤون الدنيا والدين، أو بحقائق الأرض والسماء.