المُجاهد عباسي مدني رحمه الله (مصدر الصورة)


إبّان الإستعمار الفرنسيِّ في الجزائر وقُبيل ثورة التحرير الكبرى، تقول الإحصائيات ويقول المؤرّخون أن عدد الجزائريين في الجزائر لم يكن يتجاوز العشرة ملايين نسمة، من بينهم ثمانون ألفا فقط يؤمنون بضرورة خروج فرنسا أمّا الباقي كانوا قد صاروا جزءًا منها.

وتقول الإحصائيات أيضا ويُجمِع المُؤرّخون أن نسبة الذين آمنوا بضرورة الكِفاح المُسلّح ضد فرنسا لم يكن يتجاوز الثمانية آلاف... المُجاهد عباسي مدني كان واحدًا منهم.

إلتحق برفقاء السلاح وصعد الجبال وهو لم يبلغ العشرين عالِمًا بأن المجد لا يُصنع بغير الرشاش، فإختار رنّة الزِّنادِ وَزْنًا لقصيدةٍ روحُ الجهادِ أجَّجَت نارها فكانت لهيبًا غشّى فرنسا أيّام الإستعمار ثم غشّى أبناءها بعده، فماذا تعرفُ عن هذا المجاهِدِ البطل؟

هو عباسي مدني العُقبي الجزائري، من مواليد 28 فبراير 1931، يُعتبر من أوائل المُجاهدين الذين صعدوا الجبال لمحاربة المُستعمر الفرنسي فهو من "مُفجّري الثورة التحريرية الكبرى".

كانت تربيته في العائلة تربية دينية، كان أبوه إمامًا مُحافظًا، درس على يديه ثم تنّقّل للدراسة على يد الشيخ نعيم النعيمي في مدينة بسكرة وهو لم يتجاوز السادسة عشر من عمُره، وكان رفيقه في طلبِ العلم الشهيد العربي بن مهيدي الذي تُوُفيّ جرّاء التعذيبِ في السُجون الفرنسية، تلك السجون التي لم ينجو منها عباسي مدني أيضا؛ فقد إعتقلته السُلطات الفرنسيّةُ المُستعمرة عام 1954 بعد أن قاد هجومًا مُسلّحًا على محطّة الإذاعة الفرنسيّة في الجزائر ليقضي بعدها سبع سنواتٍ في السجون الفرنسية ولم يخرج إلّا بعد أن نالت الجزائرُ إستقلالها.

بعد إستقلال الجزائر عام 1962 إختار المُجاهد عباسي مدني إكمال دراسته فتحصّل على ليسانس في الفلسفة ثم واصل الدراسات العُليا حتى درجة الدكتوراه ثم ما بين عام 1975 وعام 1978 درس في العاصمة البريطانية "لندن" أين حاز على دكتوراه الدولة في مادة التربية.

بعد عودته الجزائر عاد إلى العمل السياسي وعمِل باسم جبهة التحريرِ الوطنيِّ حتى عام 1982 حيث إختار النضال السياسيَّ من أجلِ قيام دولةٍ إسلاميّةٍ في الجزائر ثم أعلن في عام 1988 تأسيس حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ بعدما لجأ إليه صاحبه الشيخ علي بلحاج، الذي وُصف بإبن تيمية الجزائر من طرف الشيخ سلمان العودة فكّ الله أسره، وصاحبه الآخر المناضل هاشمي سحنوني.

الشيخ المُجاهد عباسي مدني رحمه الله مع رفيق دربه الشيخ علي بلحاج حفظه الله (مصدر الصورة)


حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ الذي ترأسه عباسي مدني - رحمه الله - تحول بسرعةٍ إلى حزب وطني بقاعدةٍ شعبيةٍ ضخمة فقد فاز في أول إنتخابات ولائية شارك فيها بنسبة ثمانون بالمئة من الأصوات!

هذا النصر الساحق أرعب فرنسا وأذنابها فتم إعتقال الشيخ عباسي مدني بأمر من الجنرال المُجرم خالد نزّار وزير الدفاع آنذاك بعدما طوّقت فرقة مظليين مرفوقة بعناصر من مجموعة التدخل السريع مقرات حزب الجبهة الاسلامية للإنقاذ ونسفت الباب وتم إعتقال الشيخ المجاهد مع بعضٍ من رُفقائه يوم الأحد 30 جوان 1991.

وعلى الرغمِ من إعتقال قائد الجبهة هو ورفيقه الشيخ علي بلحاج حقق الحزب بقيادة الشهيد عبد القادر حشّاني نصرًا ساحِقًا في الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية التي جرت في 21 ديسمبر 1991 وهو أمرٌ جعل العسكر يُعطِّلُ المسارَ الإنتخابيَّ وينْقلِبُ على إختيارِ الشعب مما أسفر عن حربٍ بين الإسلاميين والعسكر عُرِفت بالعشريّة السّوْداء.

الحقيقةُ أن ما قامت به الجبهة الإسلامية للإنقاذ ليس مُجرّد النصر في الإنتخابات الولائية والتشريعية، بل هذا الحزب أعاد الإسلام إلى الجزائر بعد أن عملت فرنسا على تغريب الجزائر وجعلها فرنسيّة، وإن ما فعله هذا الحزب جعل الشيخ عبد الحميد كشك - رحمه الله - يقول ويجزمُ أن الخلافة ستعود في الجزائر، فقد تغيرت موضة النساء من السروال الضيق إلى الحجاب وتغيرت عادات الرجال من السُّكر في الحانات إلى الاعتكاف في المساجد!

ولكن الإنقلاب العسكري مثّل ضربة موجعة لهذا الحزب وللشعب الجزائري ككل.

عُشريّةٌ إرتكب فيها العسكَرُ جرائم بشِعة في حقِّ الشعبِ الجزائريِ مما جعل هيئة الأمم المتحدة تُصدِرُ قانونًا يُحرّمُ بيع الأسلحة للجيش الجزائري.

قبل إنطلاق الحربِ بين الإسلاميين والعسكر أي قبل إنطلاق ما يُعرف بالعشرية السوداء كان قد حُكم على الشيخ عباسي مدني - رحمه الله - ورفيق دربه الشيخ علي بلحاج - حفظه الله - بإثني عشرة سنة سجنا ولكنّهُ خرج من السجن عام 1997 بعدما توَسّط له بعض المُجاهدين وأمضى السبع السنوات التي بقت من حُكمِهِ في منزل أبيهِ تحت الإقامة الجبرية حتى عام 2004.

بعد إنقضاء فترة الإقامة الجبرية توجّه إلى الدوحة للعلاج ولكنه إختار البقاء هناك في المهجر حتى توفته المنية يوم 24 أفريل 2019 عن عُمرٍ ناهز ثمانية وثمانون سنة.



عباسي مدني في خطابٍ له (مصدر الصورة)



 وهكذا كانت حياة مُجاهدٍ، عُمرٌ قضاه بين سجون الإحتلال وسجونِ العسكر، ولكن الله لا يُضيعُ أجرَ المُحسنين!