قصة التتار من البداية إلى عين جالوت ج3




تلخيص الجزء الثالث من كتاب قصة التتار من البداية إلى عين جالوت.



بعد اجتياح كل تلك المدن واصل التتار الاجتياح..
فاجتاحوا إقليم خراسان «مدينة بلخ» وما حولها، ولما وصل التتار الى المدينة طلب أهل مدينة بلخ الأمان من التتار، واستجاب التتار ودخلوا المدينة، وعلى غير العادة لم ينقض التتار العهد، ولكن بعد عدة أيام طلب التتار من أهل مدينة بلخ أن يساعدوهم في اقتحام المدينة المجاورة!!! ولشدة الأسف والذل والهوان، وافق أهل مدينة بلخ!

وبعد ذلك تم اجتياح مدينة الطالقان ومن ثم مدينة مرو ومن ثم مدينة نيسابور، ومدينة هوراة التي هي من أحصن بلاد المسلمين وبسقوطها يكون قد سقط إقليم خراسان بأكمله بأيدي التتار، وتم كل هذا في عام واحد فقط وهو عام 617 هجري! ومن دون أن يتدخل اي حاكم من حكام المسلمين أو أن يمد يد العون للمسلمين ضد التتار.


وتم بعد ذلك وفي نفس العام اجتياح خوارزم، وهي مركز عائلة خوارزم شاه، وتمثل هذه المدينة قيمة اقتصادية وسياسية واستراتيجية كبيرة لدى المسلمين، وكل هذه المدن تم قتل رجالها وسبي نسائها واحراقها بأكملها حتى خوت على عروشها.


توجه التتار بعد ذلك الى مدينة غزنة لِاقتحامها، وكان جلال الدين ابن خوارزم شاه هو الرئيس لها، بعد أن سمع بما حصل للمدن من حوله عظمت مسؤوليته، فبدأ يعد العدة لقتال التتار، فجمع عددًا كبيرًا من جيشه، وانضم إليه أحد ملوك الأتراك، وهو سيف الدين بغراق، وكان شجاعًا مقدامًا صاحب رأي ومكيدة، وكان معه 30 ألف مقاتل، وانضم إليه 60 ألف من جنود الخوارزم الذين فروا بعد سقوط المدن بِأيدي التتار، وبذلك بلغ جيش جلال الدين عددًا كبيرًا وهائلًا، ثم سار بجيشه إلى منطقة بلق قرب مدينة غزنة..

وجاء جيش التتار ودارت بينهما معركة ضارية من أشرس المواقع، وقاتل المسلمون قتالًا مستميتًا، وقد ساعد جيش الفرقة التركية بقيادة سيف الدين بغراق على ثباتها أمام جحافل التتار..
واستمرت الموقعة ثلاثة أيام، ثم أنزل الله تعالى نصره على المسلمين، وانهزم التتار للمرة الأولى في بلاد المسلمين!

ثم تشجع جلال الدين وأرسل طلب لجينكز خان يدعوه الى قتال آخر، وشعر جينكز خان بالقلق للمرة الأولى، ودارت معركة بين الجيشين في كابول، وانتصر المسلمون، بل وقتلوا العدد الغفير من التتار، وانقذوا مئات الالف من المسلمين الاسارى، بل وقد أخذوا غنائم نفيسة وغالية وكثيرة...

وسبحان الله، بدل ان تكون هذه الغنائم نعمة صارت نقمة، وهلكى محققة.

لقد وقع المسلمون في الفتنة!!

اختلف المسلمون على تقسيم الغنيمة، نعم، ارتفعت السيوف ليتقاتل المسلمون على تقسيم الغنائم، وجيوش التتار تملأ معظم المدن المسلمة، وقتل فيمن قتل أخ لسيف الدين بغراق!
فغضب سيف الدين وقرر الإنسحاب بجيشه الثلاثون ألف مقاتل، وبهذا انكسر المسلمون انكسارًا شديدًا، معنويًا وماديًا.


وجاء هذه المرة التتار وعلى رأسهم جينكز خان، فخاف المسلمون، وهرب جلال الدين منه، وأعاد كرة أبيه حتى قُتل،
وهكذا وقف جينكز خان على أبواب الخلافة العباسية يفكر في غزو مدينة «أربيل» شمالي العراق متجها الى « موصل» غرب «أربيل»، وخشي الخليفة العباسي على خلافته، فأعلن حالة استنفار عام، وبدأ جيش الخلافة يتجهز.

ترى.. كم رجل استطاع أن يجمع؟

لقد جمع الخليفة العباسي أو شبح الخليفة العباسي 800 مقاتل فقط !!

والتقى الجيشان.. فماذا فعل التتار ؟!

سبحان الله! لقد انسحب التتار، لأنهم ظنوا أن هذه خدعة!
فلا يمكن أن يكون جيش الخلافة العباسي مكونًا من 800 جندي فقط!!

ومن ثم تم اجتياح مدينتي همندا واورديل «وهما مدينتان إيرانيتان» ثم بلقان وكيجة، ومن ثم داغستان والشيشان والجنوب الغربي من روسيا.

وبهذا انتهت سنة 618 هجرية.

واستمر هذا الحال إلى سنة 620 هجري.
وحدث أن هجم الجراد بكميات كبيرة على جميع أقاليم المسلمين وأهلك الكثير من الغلات والخضر في العراق والجزيرة وديار بكر والشام وفارس وغيرها.

أكان هذا مصادفة؟ 

لا والله، فقد قال تعالى «ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون»
وقال تعالى: «فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آياتٍ مفصلات فاستكبروا»

ونتبجة العوامل السابقة هي سوء التربية بموجبات الفهم الصحيح للإسلام، والتمسك بالدنيا والتشبث بها لأقصى للحدود، وعدم وضوح الرؤية لدى الناس، فلا يعرفون العدو من الصديق، وبهذا دب الرعب في قلوب المسلمين فما استطاعوا أن يحملوا سيفًا أو أن يركبوا خيلًا!

ويروي ابن الأثير في الكامل بعض الصور، فيقول:

١- كان التتري يدخل إلى قرية بها الكثير من الناس فيبدأ بقتلهم واحدًا تلو الآخر، ولا يتجاسر أحد من المسلمين على الفارس التتري بهجومٍ أو دفاع!

٢- أخذ التتري رجلًا من المسلمين ولم يكن مع التتري ما يقتله به فقال له: ضع رأسك على الأرض ولا تبرح، فوضع رأسه على الأرض ومضى التتري فأحضر سيفًا وقتله!

٢- كان كل مسلم قبل أن يقتل يستحلف التتري بالله أن لا يقتله فيقول "لا بالله لا تقتلني"، فمن كثرة ما سمعها التتار أخذوا يتغنون بكلمة "لا بالله لا بالله" عندما يقتلون الرجال ويسبون النساء.

وهذه -كما يقول ابن الأثير- طامة كبرى وداهية عظيمة فإنّا لله وإنا إليه راجعون!

وماذا فعل شورماجان «قائد جيش التتار» بعد موت جلال الدين؟

لقد ضم «شورماجان» شمال إقليم فارس - وهو شمال إيران حاليًا- إلى الإمبراطورية التترية، ثم زحف بعد ذلك إلى «إقليم أذربيجان» فضمه إلى أملاكه كذلك، وذلك سنة 629 هجرية.

وهكذا اكتمل سقوط إقليم فارس كله بأيدي التتار، باستثناء الشريط الغربي الضعيف الذي تسيطر عليه طائفة إسماعيلية شيعية.

وبهذا ظل «شورماجان» يرسخ حكمه التتري في هذه المناطق من سنة 629 إلى سنة 634 هجريًا.
ولم تخرج عليه أثناء هذه السنوات ولا ثورة مسلمة واحدة ولم يتحرك لقتاله أي جيش مسلم أبدًا!!

منذ تولي «منكوخان» زعامة دولة التتار وهو يفكر بإسقاط الخلافة العباسية، واجتياح العراق ثم الشام ثم مصر، وكان قائدًا قويًا حازِمًا، ساعده بصورة أكبر إخوته، وهم «أربق بوقا» الذي ظل معه في عاصمة دولة التتار «قراقورم» ليدبر معه الإمبراطورية.

أما الثاني فهو «قبيلاي» وقد أدار الأقاليم الشرقية «الصين، كوريا، وماحولها»

والأخ الثالث «هولاكو» فكان مسؤولًا عن إقليم فارس وما حوله مما يجعله في مواجهة الخلافة العباسية.

هولاكو هو الزعيم التتري الذي لا يملك أي نزعة إنسانية ولا يرتوي إلا بدماء البشر، تمامًا كسلفه «جينكز خان» لعنهما الله.
ولم يكن حقده كافيًا لتدمير ما في الأرض جميعًا، بل تزوج بإمرأة تزيده حقدًا وبطشًا وظلمًا، وهي الأميرة المغولية «طقز خاتون» وفوق ذلك انتقلت إلى النصرانية، وكانت شديدة الكره للإسلام.

فماذا فعل هولاكو ليسقط الخلافة العباسية؟!

لقد بدأ هولاكو بِعد العدة لغزو الخلافة، بحمية شديدة، ومع ذلك فقد تحلى بالصبر والاناة والاتقان في كل خطواته، وظل يعد في صبر لمدة خمس سنوات.. أي من سنة 649 إلى سنة 654 هجري.

وتعالوا نتابع -كما كان المسلمون آنذاك يتابعون- خطوات هولاكو المتقنة في إعداده، وقد اعتمد على أربع محاور رئيسية، وهذا الإعداد كان يتم علنًا، وعلى مرأى من المسلمين وغيرهم -والتاريخ يتكرر-.

وكان المحور الأول: الإهتمام بالبنية التحتية، وتجهيز مسرح العمليات، وضمان استمرارية وسيولة الإمداد والتموين :-
١- بدأ هولاكو في إصلاح جميع الطرقات المتجهة من الصين إلى العراق وهي مسافات رهيبة، وعمل على تهيئاتها لاستعاب الإعداد الهائلة من الجيوش التترية.

٢- أقام هولاكو الجسور الكثيرة والكبيرة على الأنهار التي تعترض طريق الجيوش، وبهذا ضمن استمرار عملية التموين وفي ذات الوقت تفتح هذه الجسور الطريق لخط رجعة الجيوش في حال الهزيمة.

٣- جهز هولاكو محموعة ضخمة من الناقلات العملاقة التي صنعت خصيصًا لحمل أدوات الحصار من الصين إلى بغداد، وبذلك لا يأخذ وقتًا طويلًا في نقل المعدات.

٤- بدأ هولاكو بشيء عجيب فيه ذكاء شديد، وهو إخلاء كل الطرق من الصين لبغداد من قطعان الماشية، وهذا ليبقي على الحشائش والأعشاب، فتأكل منه خيول جيش التتار، وبذلك لا يحتاج أن يحمل معه طعامًا للحيوانات!

وأما المحور الثاني: الإستعداد السياسي والدبلوماسي :-

١- أرسل هولاكو إلى أمراء الممالك الصليبية في الشام، وكان لهم اكثر من مملكة في انطاكيا وطرابلس وصيدا وحيفا وعكا ليتحالف معهم، فينشغل المسلمون في الشام، فلا يدافعون عن الخلافة العباسية  ولتشجيع هؤلاء الأمراء على القبول بالتحالف وعدهم أن يعطيهم البيت المقدس «هدية» -وكان قد حُرر للمرة الثانية على يد الملك صلاح الدين الأيوبي- وكأن بيت المقدس له وله الحق في اهدائه!!

والتاريخ يتكرر بحذافيره!! ولم يوافق الأمراء إلا «يوهمند» أمير انطاكياّ

لماذا لم يستحسن بقية الأمراء الموافقة ؟!

١- يعلمون أن التتار لا عهد لهم.
٢- لأنهم في قلب البلاد المسلمة، وخطورة المسلمين كخطورة التتار.، فتعاملوا مع التتار بالطريقة السياسية الثقافية المعروفة، مع شيء من الإبتسامة وكلمات التبجيل، واختاروا الوقوف بشكل حيادي إلى أن ترجح إحدى الكفتين، وهنا سيسارعون إلى الفئة المنتصرة ويهنئون ويباركون، ويعتذرون أنه لولا «الظروف القاسية» لكان عليهم كل شيء في سبيل راحة المنتصر، وهذا ما يسميه البعض بالسياسة.
٣- عقد معاهدات مع مملكة الكرج

المحور الثالث: الحرف النفسية على المسلمين :-

١- القيام بالحملات الإرهابية في المناطق المحيطة بالعىاق لبث الرعب فيهم.

٢- كتابة الرسائل التهديدية الخطرة لأمراء وملوك المسلمين، وكان من حماقة الأمراء انهم يكشفون هذه الرسائل للناس، فيدب الرعب في قلوبهم، وكان من ذكاء التتار أنهم يستعينون بشعراء المسلمين المنافقين ليكتبوا لهم بطريقة يفهمها المسلمون.

مثلُ رسالة «نحنُ جنود الله
بنا ينتقم ممن عتا وتجبر، وطغى وتكبر، وبأمر الله ما ائتمر
نحن قد اهلكنا البلاد، وأبدنا العباد، وقتلنا النساء والأولاد
فيا أيها الباقون، انتم بمن مضى لاحقون
 ويا أيها الغافلون، انتم إليهم تساقون...» وتطول الرسالة

٣- إعلان جميع المحالفات على الملأ -باستثناء السرية منها- ليخاف المسلمون.

وهكذا.. ما بقي على سقوط الخلافة العباسية شيء.

أين كان المسلمون من كل هذا؟!

لقد كانوا على عهدهم من الشقاق والخلاف، بل وتجدتزوج في كتاب ابن كثير أنه يصف الحياة في العراق والشام ومصر في هذه السنوات العشر كحياة طبيعية!

فالخليفة يعالج بعض المشاكل الإقتصادية، ويتصدق على بعض الفقراء، وقد يحدث وباء فيُعالج، أو غلاء فيشق ذلك على الناس لحين منح الخليفة إياهم بعضًا من المال!
وهذا يفتح مدرسة وهذا دار للطب وهذا دار للضيافة!!

لكن أين العلماء الذين يخطبون على المنابر في حلقات العلم ويشعرون الناس بخطر التتار ومصيبة المسلمين في البلاد المنكوبة؟!
وأين الحكام الذين يجهزون شعوبهم ليومٍ آت لا محالة!!

وهكذا كل ما ازداد خنوع المسلمين، ازداد طمع التتار، وكلما فرك المسلمون في شيء طمع أعداء الأمة بالذي يليه.

وهذه سنة أهل الباطل.. وراجعوا التاريخ والواقع!

إرسال تعليق

1 تعليقات