مقال ضيف بقلم الدكتور هيثم طلعت


المُلحدُ يُواجهُ إشكالات كُبرى مثل:

أ- كيف ظهر الوجودُ من اللازمان واللامكان؟ 

نحن نعلمُ كما علّمتنا الفيزياء أنّ الكون ظهر من اللازمان واللامكان، وهذا الأمرُ له إلزامات دينية كُبرى. 
هذا الأمر يجعلنا نقطع بالخالقِ لو تدبّرنا هذه البديهة البسيطة: كونٌ مُصَمَّمٌ بإتقان ظهر فجأةً من اللازمان واللامكان! 

ب- كيف انتقلت اللاحياة إلى حياة؟ 

كيف انتقلت المادّةُ الميّةُ إلى خلايا حية؟ سؤالٌ آخرٌ عسيرٌ يُواجه الإلحاد...

نحن اليوم في قمّةِ ثقافتنا وجامِعاتنا العملاقة لا نستطيع أن نُنشئ أبسط صورِ الحياة، فكيف ننسِبُ ظُهور الحياة إلى المادّة الميتةِ العمياء؟ 

ألم يكنِ الأولى اليوم أن نُنتج حياةً تفوقُ الحياة التي أظهرتها المادة الميتةُ العمياءُ بملايين المرّات؟ نحن اليوم لا نستطيع أن نُنشئ باكتيريا بسيطة فكيف أنشأت الصدفةُ العشوائيةُ الباكتيريا والإنسان؟ 

ج- كيف يستطيعُ الملحدُ من خلالِ إلحادهِ أن يدافعَ عن إبادةِ أهلِ الأرضِ جميعًا؟

ماهو المستندُ العقليُّ أو الماديُّ أو العلميُّ الذي يُقدّمُهُ بحيثُ يؤكد أن إبادةَ أهلِ الأرض جميعًا خطأ؟ فالعالمُ الماديُّ الذي يعتقد الملحدُ أنه نشأ منه هذا العالم المادي لا يعرف الخطأ ولا الصواب! 

إذن؛ تستوي إبادة أهل الأرض جميعًا بإحياءهم إلحاديًّا. 

د- يفترضُ الإلحادُ أن البشر مُجرّدُ حيوانات جاءت في سلسلةِ تطَوُّرٍ من كائناتٍ أدنى، لكن ماذا لو ظهر كائنٌ أرقى؟ 

هل يحق له إدخالُ البشر أقفاص الحيوانات وأن يستخدمهم في تجارُبِهِ الدوائية؟ 
الإجابة الصريحة من واقع المادة والداروينيّة هي؛ نعم. 

وهذا يقضي على أيّ أملٍ في حماية الإنسان أو توفيرِ معنى أو غاية لوجوده داخل الإلحاد، فالإلحاد هنا يعجز عن تفسير مفهوم الإنسانية أو الدفاع عنه! 

هـ- ماذا لو أُبت التطوُّرُ أنّ عرقًا بشريًّا أرقى من عرقٍ آخر، هل يحقُّ للأرقى تحويل الأدنى إلى مادة مُستعملة، كما نتعامل مع الحشرات والحيوانات الأدنى تطوُّريًّأ؟ 
إجابة الداروينية المادية هي؛ نعم

وهذا يضمن إنهيار الإلحاد داخل العقول السوية والأنفس المفطورة على أن التمايز بين البشر هو بالتقوى لا بلون الجلد ولا بكفاءة العضلات. 

و- يفترض الملحد أن الأخلاق نسبيّة ـــ أي تحتمل أكثر من وجه؛ الأمانةُ قد تكونُ أفضل من الخيانة وقد تكون الخيانة أفضل من الأمانة ـــ. 

لكن العجيب والمدهش أن نفس المُلحد حين يطرح شُبُهات حول الإسلام مثلًا فإنه ينطلق من مقدمة الأخلاق المُطلقة وإلا فلو كانت الأخلاق نسبيّة فكيف إستوعب الشبهة؟! 
لن تكونَ للشبهة معنى! 
ولن يستطيع أن يُقرّر أن هناك مخالفة لمعيار أخلاقي. 
وهذا يعني ببساطة أن المُلحد يجوز ديانتين متناقضتين في نفس الوقت. 

بالمناسبة؛ المُلحدُ مضظرٌّ للقولِ بأن الأخلاق نسبيّة لأنها لو كانت مطلقة لانتهى إلحاده لأن هذا يعني أن الأخلاق تحميل غائية وجودية كبرى ـــ إرادة الله والتكليفُ الإلهيُّ ـــ. 

ز- كيف ظهرت الثوابتُ الفيزيائية المُدهشة التي بدأ الكونُ بها؟ 

الثوابِتُ الفيزيائية هي فرقٌ في قياسات الطاقة في المادة التي ظهر منها الكون، وهذا الفرق دقيقٌ للغاية ولو اختل ما ظهر الكون. 
مثالٌ على ذلك؛ الثابت الكوني Cosmological constant الذي لو اختلفت قيمته بأقل من جزءٍ من صفرٍ يليه 123 صفر ثم 1 من الواحد لانهار الكونُ بأكمله. 

هذا ثابتٌ فيزيائيٌ يُؤكدُ وجود ضبط ودقة وعظيم صنعٍ؛ والثوابت الفيزيائية كثيرة وكلها دقيقة ومدهشة. 

ح- كيف ظهر نظام التشفير داخل خلايا الكائنات الحية ـــ الجينوم ـــ؟

والتشفيرُ يوجَدُ في كلِّ خليّة من خلايا الكائنِ الحيِّ فكلُّ عضوٌ من أعضاء جسدك توجَدُ شفرتهُ في نواة الخليّة وحين يتم فكُّ الشفرة فإنّ العضو يظهرُ وتظهرُ وظائفه، مُعجزةُ التشفير من أكبر المُعجزات التي تُوجِّه أكبر الإشكالات للإلحاد. 
فمن المعلوم أن التشفير لا بُدّ له من مشفر، وهذا أمرٌ لا يقومُ به إلا صانعٌ قادرٌ حكيمٌ، فالمعلومة هي معلومة. 

ط- كيف تُبرّرُ وجود الأخلاق والمعنى والقيمة من خلال الإلحاد؟ 

فالإلحاد يعتبر العالم مُجرّد ذرّات مُتلاطمة لا معنى ولا غاية، وهذا أكبرُ دافعٍ لتسميم الأخلاق وتدمير معنى الأخلاق. 

فإذا كانت الأخلاق موجودة فالإلحادُ غيرُ صحيح. 

الخاتمة: 

بما أن هناك ضوءٌ إذن بالادراك العقليّ المباشر هناك مصدرٌ للضوء. 
بما أنّ هناك ظلٌّ إذن هناك جسم. 
بما أن هناك موجوداتٌ متقنة مصممة من أدنى جُسيمات الذرة إلى المجرة إذن هناك موجد. 

هذا هو الإستدلالُ القرآنيُّ وهو أيسر الاستدلالات وأقلها في الخطوات. 
ولذلك قال الله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذينَ يُجادِلونَ في آيَاتِ الله أنَّى يُصرفون، الذين كذَّبوابالكتَابِ وبِمَا أرسلْنا به رُسلنا} سورة غافر. 

أنّى تُصرفون؟ 
وإلى أي دليلٍ مقابلٍ تلجئون؟ 
فليس أمام المُلحدِ إلا الإيمان بالمُحاولات. 
نسأل الله أن يهديهم وأن يوفقهم للخير وأن يُصلح قلوبهم.