شروط النهضة عند الإمام الغزالي -ج3-



نُكمِل ما بدأناه من تلخيصٍ لكتاب "الطريق من هنا" للإمام الغزالي رحمه الله، وبعد الجزء الثاني نبدأ على بركة الله في الجزء الثالث والذي نُلخص فيه الفصل الثاني من الكتاب.


الفصل الثاني
لِماذَا جَفَّت يَنابيعُ هذا العِلم؟ 



هذه طرفةٌ جديرةٌ بالتسجيلِ والتأمُّل نُقدمها بين يدي بحثنا.

في جامعة تونس أستاذٌ فرنسيٌ كان يُدرِّس علم الضوء، وكان الأستاذُ مُعجبًا كل الإعجاب بقانون "الهازان" الذي اكتشفهُ أحدُ عُلماءِ العُصورِ الوُسطى.

وسأله الطلاب: لكن من "الهازان" هذا؟ فقال: أظنه من كِبار العُلماء الإسبان.

وذهب الطُلاب إلى الدكتور بشير التُركي - وعنه نقلنا هذه الطرفة - فأجاب الرجل وهو دهش: "الهازان" هذا هو الحسن بن الهيثم العالم العربي المسلم الشهير، وهو راسخٌ في علمِ البصريات، ولا تقل مكانته عن آنشتين وأمثاله، لأن العلم مازال ينهل عن كشوفه وأحكامه، وقد يبقى العالم مُعتمدًا عليه ألف سنةٍ أخرى، وهو أوّل الأساتذة الذين درّسوا في الجامعِ الأزهر.. قال الدكتور بشير: وأما قانونا الضوء المنسوبان إلى ديكارت فحسن بن الهيثم هو صاحبهما، وواضعهما قبل ديكارت بستة قرون.

وذهب الطلاب إلى الأستاذ الفرنسيّ بهذه الإجابة فلم ينطق بكملة، وكلُّ ما حدث أنه أضرب إضرابًا تاماً عن الإشارة من قريبٍ أو بعيدٍ إلى قانون "الهازان" هذا.

وظاهرٌ أن الأستاذ قد بوغِت بعظمةِ عالمٍ مسلمٍ وهو يمقَتُ الإسلام من الأعماق، فلاذ بالصمت، وطوى القصة كلها.

على أنني عدت إلى نفسي وإلى قومي أوجه اللوم بعد اللوم، فما مكانة الحسن بن الهيثم في تاريخنا؟ إننا قبل أعدائنا كنا أسرع إلى إهالة التُّراب عليهم، ربما ظهر بالشهرة أبو نوَّاس قديما وعبد الحليم حافظ حديثاً، أما الرّاسخون في العلم فهم ينسحبون من الحياة كما حاءوها على استحياء.

* * *

ولنترك الآن أنواع العُلومِ التي انشغل المسلمون بها، والتي ظنوها للأسف هي العلم الجديرُ بالتحصيلِ والتفرُّغ، ولننظر ماذا كسبنا من قلة الدراية بالعلوم المادية والرياضية والكونية والصناعية وغيرها؟

ذكرتُ في مكانٍ آخر خبر رحلتي إلى عاصمةِ موريطانيا الإسلامية، وكيف أن بعثة صينية شيوعية هي التي اكتشفت المياه الجوفية التي تغذيها الآن! ناسٌ يأتون من آخر الدنيا شرقاً إلى شاطئ الأطلسي غرباً لإروائنا فأين كنا نحن وماذا نصنع؟!

وما يُقالُ في الماء يُقال في النفط، ويُقال في كل المواد المدفونة تحت الثرى أو المهملة فوقه.

أليست هذه كلها مما يدخل في نطاق التوجيه القرآني : {أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ} الآية 185 من سورة الأعراف.

أليست هذه شيئًا يُنظر فيه؟ وتُلتمس الحكمة من وجوده؟ وتُدرك عظمة الله من خلقه؟ لماذا يكونُ بصرُ الآخرينَ حديدًا وبصرُنا بليدًا؟

إن الله جعل معرفته مربوطة بدراسة الكون والتمكين فيه، فإذا كنَّا ذُيولًا لغيرنا فهل نحن عارفون بالله، قادرون على صيانة حُرُماته؟

فأي تناقضٍ مُذهلٍ هذا إذا مشى الكافرون بين مخلوقات الله وهم يسبرون أغوارها ويعرفون أسرارها ومشى المؤمنون بينها لا يكادون يفقهون حديثًا؟

وقد رمقتُ بأسى سَدَنة الإلحاد وسدنة الشرك، ولمحتُ نشاطهم الذهيَّ والبدنيَّ في غزوِ الفضاء... أين هذه العُلوم بيننا ومالذي أبعدها عنا؟

قد يقول البعض: الدينُ تعريفٌ باللهِ وتبصيرٌ بحقوقه، فلماذا تذهبُ بنا بعيدًا؟ والجوابُ السّريع: أن القرآن لمَّا عرّفنا باللهِ عرضَ علينا ملكوته، ولفتنا إلى أرضه وسمائه، والواقع أن أحسن تعريفٍ بعظمةِ الله أن نعرف العالم الذي أقامنا اللهُ فيه، وجعل رسالتنا في نطاقه.

قرأتُ أنَّ المُخَّ البشريَّ يزن كيلوجرام وربعًا، وأن به عشرة مليارات من الخلايا، لكل خليةٍ غذاؤها وبقاؤها وأجزاؤها ونماؤها أو فناؤها، قلت: وفي الأرض خمسةُ ملياراتٍ من البشر، مَنْ القائمُ على إيجادِ وإمدادِ كلِّ خليّةٍ من هذه الخلايا، وتوجيهها لتؤدي وظيفتها الدقيقة، من؟ وهتفت:

{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، الذِي خَلَقَ فَسَوَّى، والذِي قَدَّرَ فَهَدى} الآيات 1 و2 و3 من سورة الأعلى.

* * *

المسلمونَ الأوائل عرفوا ثلاثة مناهج، أجداها وأدناها إلى المنطق القرآني قد ذهب، وبقي اثنان خيرهما قليل وعناؤهما ثقيل.

ذهب المنهجُ الذي سَلَكهُ ابن الهيثم في البصريات والخوارزمي في الرياضيات، وغيرهما من الروادِ أصحاب الفِطرِ السَّليمة، وبقي منهجٌ احتضنه أهلُ عُلماء الكلام، وآخرٌ احتضنه عُلماءُ التصوف.

إنَّ العقل الإسلاميّ لو التزم الخط القرآني المشغول بالملاحظة والتجارب، المهتم بالتنقيب والحقائق، لكان له شأنٌ آخر.

ونظرةٌ سريعةٌ إلى المنهجِ العاطفي الصوفي الذي أيده الغزالي بحرارة ومشت فيه جماهير المسلمين بإخلاص، بيد أني - قبل إلقاء هذه النظرة - أريد توكيد حقيقة جليلة: إن العلم بالله من أشرف ألوان العُلوم، وإن المعارف الأخرى إن لم تكن وسلية إليه فلا خير فيها.

إنَّ المرء يفقد قيمته الأدبية والمادية يوم يكونُ نابغة في فنٍّ ما أو في الفنون كلها ثم هو بالله جاهلٌ وعليه جريء.

وبعد توكيدِ هذه الحقيقة أعود إلى المنهج الصوفيّ القائم على التأمل الباطني، والاستغراق الذاتي، وتحويل العلاقة بالله إلى ذكر لأسمائه الحسنى يُحصى بالأُلوف المؤلفة، فإذا سكت اللسان تلفَّت القلبُ، وأشرقت البصيرة.

ليس هذا النهج ما أفدناه من كتاب الله وسنة الرسول، بل أجزم بأن العزلة الفكرية عن الكون انحرافٌ عن الخط الإسلامي، وفرارٌ من تكاليف اليقظة الذهنية التي فرضها القرآن علينا، بل قد تكون طريق العجز عن مقاومة الباطل ومؤازرة الحق.

ثم إنّي أرتابُ في أنَّ تِرداد الألفاظ المفردة أو الكلمات المُركَّبة يورِثُ علمًا عظيمًا.

إن أولي العلم هم الخُبراء بالله، الشائمون لأنوار وجوده، المُراقبون لقيامه على خلقه.

وأبو حامد الغزالي له سهمٌ كبيرٌ في الدراسات الطبيعية والماديّة، وقد وصف عجائب الخلق وصف رجلٍ مُطّلع، بل إن وصفه للعين البشرية يقترب من العلم الحديث، ولعل ذلك هو الذي أعانه في خلوته أو آنسه في عُزلته.

وعلى أيةِ حال فنهج القرآن لا يتقدمه نهج أحد، ويستحيل أن يحمي المسلمون دينهم، وأن ينضُج إيمانهم بربهم إلا إذا تفقهوا في آيات الله العيانية والبيانية جميعا، وازدهرت لهم حضارة مدنية وعسكرية تغلِب ولا تُغلب وتقودُ ولا تُقاد.

* * *

هل لنا نصيبٌ من العلم نقطع به هذا المشوار الطويل؟

تلفَّتُّ حولي فأطريقتُ واجما! إن النصيب الذي لدينا هو ما يرميه خصومنا إلينا، فنحن على فضولهم العلمية نعيش.

لقد استعدنا سيناء على النحو الذي عرف الناس، فما استطعنا إلى الآن أن نبني قرية مثل "ياميت" نستنبتُ البُقول والورود في الهواء ونُصدر نتاجها إلى أوروبا.

ألا يضحك الشيطان طويلا عندما يرى جهازا علميّا ضخما عند الملاحدة وجهازًا آخر عند المشركين، فإذا جاء أرض الإسلام لم يرَ إلا علمًا مستوردًا من هنا ومن هناك؟

وقد حرص الأوربيون والأمريكيون على أن يظل العلم منقولًا لا معقولًا ومجلوبًا لا أصيلًا.

وقد احتكر الغربيُّ لنفسه في العصور الأخيرة كل الصناعات التي تقومُ على الطاقة، وقد أحكم قبضته عليها واحتفظ بأصولها لديه، إنه يبيعُ المحرك ولا يبيع كيفية صُنعه.

وكذلك في الميدان العسكري، قد نقاتل في دبابة أنتجها هو أو طائرة من صنعه، لكن قدرتنا على القتال مرهونة بتعهده أن يُمدنا!

* * *

أين الصحوة الإسلامية في مظاهر هذا العوز؟ أين العلم الذي يُسعفنا ويقيم لنا صناعة مستقلة؟ أين العلم الذي يصون عقائدنا وآدابنا ويجعل يدنا العُليا؟

ويشاءُ الله أن أشعر بالقهر وأنا أخط هذه السطور، لأن الإذاعات العالمية والمحلية تنقل إليَّ ما يقع الآن في تونس، إن الذي وقع لم يخطر على بال وكان صداه لاذعًا موجعًا.

لقد استطاع اليهود الجاثمون على صدر فلسطين أن يرسلوا من مكان احتلالهم ثُلّة من الطائرات المقاتلة، قطعت آلاف الأميال في الجو، وأُمِدّت بالوقود وهي سابحة في السماء، حتى إذا بلغت تونس تعرَّفت على مقر منظمة التحرير الفلسطينية وسط آلاف البيوت، ثم شرعت ترجمه وما حوله بالقذائف حتى أحالته أنقاضًا، وبعد أن قامت بما تشاء على خير وجه عادت أدراجها إلى فلسطين.

إن عجزنا لا يحتاج عزاء، وقدرة خصمنا لا يغض منها تهوين، واحتقار مجلس الامن العالمي لقضايانا لا ينجح فيه تستُّر,

ضراوة العدو بنا صارت كضراوة الصائد الذي يُطلق بندقيته على أسراب الطير والأنعام لينال منها ما يشتهي,

أما نحن فقد جعلنا الجهل نماذج للعجز، نُظلم فلا نقتصّ ونُضام فنستكين.

ولا يُقيمُ على ضَيْم يُرادُ به 
إلا الأذلّان عَيْر الحيّ والوتدُ
هذا على الخسف مربوط برمته
وذا يُشَقُّ فلا يرثي له أحدُ

* * *

هل نعودُ إلى بُنياننا الحضاري لنعيد إليه رسوخه وشموخه بالعلم الحق والدراسة الناضرة؟

إن لُغتنا العربية تكادُ تكونُ خاليةً من عُلومِ الطبِّ والصيدلة والأحياء، وأغلب فروع الهندسة والكيمياء وعُلوم الفضاء، والآليات والإليكترونيات وفنون القتال في البر والبحر والجو.

أفبهذا الفراغ نحمي دُنيانا، ونحرُسُ إيماننا، ونرد أعداءنا ونصون حِمانا؟

* * *

عندما يفقدُ المرءُ حاسّة الشمّ تستوي لديه الروائح الكدرة والروائح العطرة، وربما أماته غازٌ خانقٌ يتنفسه وهو لا يدري حتى يقضي عليه.

والمسلمون من بضعة قُرون تنتشر بينهم ثقافات مغشوشة أحدثت تغيرات جوهرية في صورتهم الباطنة، وقطعتهم في الأرض أُممًا منهم الصالحون ومنهم دون ذلك.

والتخلّفُ النفسي والذهني لا تُصاب به الأمم بغتة، وإنما يجيء بعد أمراضٍ تطول ولا تجدُ من يُحسن مداواتها.

والذي يعنيني هو تبرئة الإسلام من هذه التبعة، إن الإسلام يهب الأمم الكسيحة أقدامًا تسعى بها، بل يُعطيها أجنحة تقدر بها على التحليق.

وإنني لأرفض وصف العقل الإسلامي الأول بأنه يكره الخُرافة والخُمول، إن هذا الوصف يحط من قيمته، إنهُ عقلٌ يبحثُ عن الحكمة، ويحضُّ على الإنطلاق، ويمضي بأتباعه إلى الصدارة.

وإذا كان هناك تبلّدٌ أو تواكلٌ أو استرخاء فمصدرُ ذلك أوضاعٌ حاربها الإسلام، فاجترّها إليه جهلةٌ أغرارٌ غشّوا عُلومه وزوّروا شعائره، ومازالوا به حتى جعلوا أمته دون غيرها من الأمم.

أُريد أن أقول للذاهلين عن عُلومِ الحياة إنكم تُفقدون الإسلام الحياة بهذا الفكر السقيم، وتُعجزونه عن مقاومة أعداءٍ يبغون له الويل.

والإنسانُ المسلمُ مفتوحُ البصرِ والبصيرة كما علّمه كتابه، يمشي على الأرضِ مكينًا لا مهينًا، سيدًا بين فجاجها لا عبدًا، مخدومًا لا خادمًا، ولست أدري ما عرانا حتى صرنا نأكل من غراس غيرنا، ونلبس من نسيجه، ونستورد ما يُبدع!

ثم نقعُدُ لنحوّل مجالس العلم لمجالس جدل، ولنمضغ قضايا تضر أكثر مما تنفع، فإذا أُغير علينا صرخنا نطلب السلاح، وهيهات أن يجيء لأنه من مصانع المُغيرين، أو ممن يمتُّ إليهم بأوثقِ الصلات!


إرسال تعليق

4 تعليقات

  1. بارك الله فيك غالي
    حقا هناك من يفقد الإسلام الحياة بأفكاره السقيمة

    ردحذف
  2. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  3. مقال مفيد، بارك الله فيك وأعاد لامتنا عزتها
    ننتظر الجزء القادم

    ردحذف