يأتي الحديث استكمالًا لما قد بدأناه من قبل، الحديث عن خلفاء الرسول.
ونكملُ مراجعتنا
لكتاب: خلفاء الرسول  للكاتب: "خالد محمد خالد"
يأتي الحديث عن عثمان - رضي الله عنه - تحت عنوان (وداعًا عثمان)
ونتنقل بين صفحات الكتاب ننهل من بديع لفظه وعذب كلامه، نقتبس عدة اقتباسات ونسطرها في عقولنا و أفئدتنا.
عثمان بن عفان من رجال الصفوة في قومه إلى "أول المهاجرين إلى الله بعد نبي الله لوط" كما وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم.

ولكن كيف كانت البداية ؟
"كان محمد - صلى الله عليه وسلم - حتى قبل أن يكون رسولًا يملأ الأفئدة الزكية الصافية روعةً و تأثيرًا، و كان لعثمان فؤاداً من هذا الطراز، يحمل لـ "محمد" أروع الصور و أبهاها، حتى لقد انعكس هذا الاعجاب، بل هذا الإيمان بـ "محمد" في رؤيا رآها "عثمان" ذات يومٍ وهو قادم من الشام، حين جلس يقيل في مكانٍ ظليل من "معان والزرقاء" و غلبه النوم هو ورفاقه، فإذا به يسمع في حلمه مناديًا ينادي النائمين أن هبوا أيقاظًا فإن " أحمد" قد خرج بمكة.. 
 
كان وجدانه إذن مهيأً لانتظار المنقذ، أفينكص عثمان على عقبيه وقد جاءته البشرى بظهور النبي و المنقذ، إن الحياء ليزوده عن التردد، وإن السماحة لتزوده عن الإرجاء.
 وفي حياء عثمان يحدثنا الرسول "أشد أمتي حياءً، عثمان."

ويأتي ذلك واضحًا جليًا في مشهدٍ لا يخفى على الكثير
وتروي لنا ذلك المشهد أم المؤمنين " عائشة -رضي الله عنها -" فتخبرنا أن أبا بكرٍ استأذن على النبي يومًا وكان النبي مضطجعًا وقد انحسر جلبابه عن احدى ساقيه ، فأذن النبي لأبي بكر فدخل وأجرى حديثه مع النبي وانصرف .
وبعد قليل ، جاء عمر ، فاستأذن له ، ومكث مع الرسول بعض الوقت وانصرف .
وصادف أن جاء عثمان بعدها ، و إذا الرسول يتهيأ لمقدمه ، فيجلس بعد أن كان مضطجعًا ويسبل جلبابه فوق ساقه المكشوفة ، ويقضي عثمان معه بعض الوقت ثم ينصرف ، وبعد انصرافه تسأل عائشة الرسول " يا رسول الله ، لم أرك تتهيأ لأبي بكرٍ وعمر كما تهيأت لعثمان ؟ "
فيجيبها الرسول " إن عثمان رجلٌ حيي ، ولو أذنت له و أنا مضطجع لاستحيا أن يدخل ولرجع دون أن أقضي الحاجة التي جاء من أجلها "
يا عائشة " ألا أستحي من رجلٍ تستحي منه الملائكة ! "

وعن هؤلاء الثلاثة يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( أرحم أمتي أبو بكر ، وأشدها في دين الله عمر ،  وأشدها حياء عثمان )
" لكل نبيٍ في الجنة رفيق ، و رفيقي في الجنة هو عثمان "





( عثمان بن عفان )

شاء له القدر أن يكون أول رجلٍ يجئ إثر خليفتين ليس لهما نظير ، وخاصةً بعد عشر سنوات " عمرية " ، فرض فيها الفاروق على المسلمين منهجه الصارم، وحمل ولاته وعماله على مثل ما حمل عليه نفسه من زهدٍ وتقشفٍ وعناء.
بينما الاثنان متفقان على أن الثراء المتفاقم يشكل خطرًا على المسلمين إلا أن موقف عثمان ظل مختلفًا في التقدير وفي النتائج عن موقف سلفه .
نجد موقفيهما - نهجيهما - في مقاومة هذا الخطر يختلف..

أما أمير المؤمنين "عمر" يعمل على قمع هذا الاستمتاع المشروع بهذا الثراء، ويقاوم الاستسلام لطلبات الحياة الدنيا، وهو يبدأ هذا القمع و هذه المقاومة مع أهل بيته وعشيرته ثم مع ولاته وعماله .
بينما عثمان ، كان يرى أن المال إنما خلق لجعل الحياة موطأة الأكتاف، ومادام الثراء حلالًا والاستمتاع مشروعًا، فليكن للناس حظوظهم من طيبات الحياة ونعيمها.
لم يقع في حسابه ما وضعه عمر من قبل في حسابه "أن للمال ضراوة كضراوة الخمر، وأن للحلال فتنة و خطرًا كفتنة الحرام وخطره، وأن النفس البشرية طامعة إلى المزيد، وإذا لم يفرض عليها الفطام عن كثيرٍ من للطيبات، سهل إباقها و انفلاتها نحو المتاع المحظور".

نعود إلى الحديث عن النفس البشرية لعثمان المحملة بعظيم الصفات...

يغضب على خادم له يومًا فيعرك أذنه حتى يوجعه، ثم سرعان ما يقض ضمير العابد مضجعه فيدعو خادمه ويأمره أن يقتص منه فيعرك أذنه، ويأبى الخادم ويولي مدبرًا، لكن عثمان يأمره في حزمٍ فيطيع (اشدد يا غلام، فإن قصاص الدنيا أرحم من قصاص الآخرة)

في أثناء ولايته تمردت الكوفة وتوالت الأنصار من بعدها، تناولوا ما يقوله بالكذب، يفترون عليه بكذب الحديث
وامتد التمرد واشتد بهم حتى حاصروه في منزله ومنعوا عنه الماء، غضب عمار وصاح فيهم (أتمنعون الماء عمن اشترى بئر رومة ، و وهبها للمسلمين)
ولكن عثمان حرص على ألا ينشب بين المسلمين قتال، يكون هو سببًا له، أو طرفًا فيه.
يشير المغيرة بن شعبة على عثمان بقتل المتمردين ، فقال "لا والله لا أكون أول من يخلف الرسول في أمته بسفك الدماء"

كان عثمان ذا بصيرة ، قرأ الأحداث من حوله فخطب بهم فقال "إن الناس قد أسرعوا إلى الفتنة وطال بهم عمري، أما و الله لئن فارقتهم ليتمنون لو أن عمري طال فيهم كل يومٍ بسنة، و ذلك مما يرون من الدماء المسفوكة"

ويشتد الحصار وعثمان لا يبرح عن موقفه يتذكر وصية الرسول له "يا عثمان، إذا الله كساك يومًا سربالًا، و أرادك المنافقون على خلعه، فلا تخلعه لظالم"

ويشتد الحصار عليه وعلى قلوبنا ولكن ما يهون من ذلك الأمسية السابقة لاستشهاده.. 
 
في الأمسية السابقة قد تلقى دعوة إلى الجنة وهو اليوم في شغلٍ بها عن كل شئٍ عدلها
في الأمسية السالفة، وبعد أن صلى من الليل ما صلى ، وقرأ من القرآن ما قرأ، وألقى نفسه بين يدي ربه ضارعًا مبتهلًا، آوى إلى فراشه ونام.
في منامه رآي الرسول يقول له "أفطر عندنا غدًا يا عثمان"
لم يعبأ بما حوله فهو في شغلٍ شاغل مع تلك الدعوة التي وجهت إليه بالأمس، يتشوقُ إليها، وقد كان فقد صعدت روحه إلى بارئها في الأصيل وهو صائم..
" أفطر عندنا غدًا يا عثمان "