أنس في حجر النّبيّ تربّى ..و النبيّ لأنس دعى...

مرحبا بكم يا روّاد مجلّة يقضة ..يسرّني أن أتعرّف و إيّاكم على مناقب أحد الصّحابة العظام الذّين تربّوا على يدي الرّسول  ..سنتناول بالدّرس اليوم بإذن اللّه قصّة "أنس بن مالك" رضي اللّه عنه .
دعونا قبل أن نبدأ نجهّز بطاقة هويّة للصّحابيّ الكريم :

الإسم الكامل :أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي النجاري من بني عدي بن النجار،
الأمّ : أم سليم بنت ملحان رضي الله عنها (خالة النّبيّ بالرّضاعة )
السنّ: كان سنّه رضي اللّه عنه عندما هاجرالنّبيّ إلى المدينة 10سنوات و أمدّ اللّه  في عمره إلى أن جاوز التّسعين.

و الآن لنذهب إلى مشهد تقشعرّ  له الأبدان… فالنّاس عن لعاعة دنيا سائلة و أنس له دعوة واحدة..الشّفاعة يا رسول اللّه[1] !  فهنّئه البشير و طمّن قلبه أنّ النّبيّ و لا شكّ لأنس شافعا..   لكن يا حبيب اللّه أين تراني لك واجدا و سيكون يومئذ مزاحمة ..قال الحبيب و قد أشفق لحال أنس المؤرق: لدى الصّراط تلقني..قال أنس و الرجاء يملأ قلبه و إن لم أجدك..قال الحبيب تلقني عند الميزان واقفا  قال و إن لم تلقني فعند حوضي فإنّني بإذن اللّه لا أخطأ من هذه منزلا..

قال أنس بعد وفاة الحبيب بأمد..أنّ النّبي دعى له ثلاثة من الأدعية [2]..عمرا و ذرّيّة و مغفرة ..أمّا إثنين ..في الدّنيا كنت لهما ناظرا و عليهما شاهدا و أمّا الثّالثة..فإنّي أرجوها من الرّحمان يوم القيامة نوالها ..و إنّي لأرجو أن أرى الحبيب يومها فأقول يا رسول اللّه خويدمك أنسا[3]..

و اللّه إنّ القلب ليتفطّر شوقا و أملا من هذا الحديث ..الذّي له في القلب خطى حثيث.. فكيف كان أنس و كيف تربّى على يدي النّبي الشريف ..

قدم النّبي المدينة فأضاء بها كلّ بيت و غدا الخير فيها مقيما...و قدم الأنصار و قد ناصروا الحبيب من كلّ خير و أجر مستزيدين..فوضعوا بين يدي الحبيب هدايا من ديار و أراض و كلّ ما كان له قيمة ..أمّا أمّ أنس فقد غدت حزينة. فلم يكن لديها ما تعطه و ما كانت تملك سوى صبيّي يتيم..وهبته للنبيّ   و قالت : ما وجدت ما أعطيك و قد كان أهل المدينة بالخير سبّاقين[4]..إقبل هذا الوليد منّي و إجعله لك خادما وليكن لك لزيما..و أدع له فإنّ اللّه قد إستجاب لدعاء النّبيئين..وخدم أنس النبيّ ,عشر سنين..وعلّم النبيّ أنسا , الدّين ..خدمه فلم يكن يوما مسكينا.. و نال الخادم  شرفا و جاها بخدمته الأمين.. و كان أنس من  الصحابة عن النبي  أكثر الرّاوين..

هل رأيتم خادما لا ينسى سيّده و خدمته له بين يديه كنز ثمين ؟
و قد كان النبيّ على أنس حنونا !
و قبل مرافقة أنس في بضع مواقف..استوجب أن تكون لنا وقفة قصيرة !
أخبروني بربّكم ؟عن أمّ أنس أسألكم ؟ ألم تكن أمّا؟ ألم تحمل به؟ ألم تحلم بمستقبله؟ أم أنّ الحنيّة عندها كانت قليلة ؟
أجيبكم و قد سألتكم أنّ  أمّ أنس قد كانت فهيمة و علمت أيّ طريق يصنع لإبنها شأنا عظيما..و دعى له النبيّ دعوة فكان أنس آخر الصّحابة المتوفّين..

أنس يكتم سرّ النبيّ :
أنظروا يا إخواني حيّاكم اللّه  و تعلّموا كيف ربّى النبيّ أنسا و ماذا زرع في نفسه من الثّقة و هوّ صبيّ يهوى اللّعب..فقد أودع الحبيب الصبيّ سرّا و قال له كن لسرّي من الحافظين..و إستبطأته أمّه و قد ذهب قالت : ما أخّرك يا أنس ؟..قال يا أمّاه سرّ بيني و بين النبيّ ولم أكن لسرّ النبيّ من الفاشين..شدّت على يده أمّه الحكيمة و قالت :أحسنت يا ولدي إنّ اللّه لا يحبّ الخائنين !

أنس يصف خدمته للنّبي :
يقول من جعله اللّه من المحظوظين و كان بقرب النبيّ من المستأنسين : خدمته عشرا من السّنينا, فما ضربني يوما و لم أكن عنده مهينا..و حاشاه و المولى إصطفاه أن يكون لسوء القول من النّاطقين..  و لم يكن النبيّ يوما لأنس على شيء من اللّائمين..و لم ألمس حريرا و لاديباج كان أكثر من كفّ المصطفى لينا..

أنس يلعب و النبيّ لا يعتب !
و أرسله الحبيب ذات يوم ليقضي له شأنا من الشؤون..إلّا أنّ أنس طفل و الأطفال للّعب هاوين..     و إستغرق أنس في اللّعب و قد إستوقفه صبية  طريقه معترضين..و بينما أنس يلعب أحسّ  من ورائه يدين بثيابه آخذين..فإلتفت فوجد من جعلني اللّه فداء بسمته وصورته المنيرة..و قال الحبيب و هوّ يضحك للطّفل..أذهبت أين طلبت يا أنس ؟ قال : أذهب الآن .و ما كان النبيّ لأنس من المعاتبين.

صلا النبيّ بأنس في بيته :
وقف أنس ذات مرّة خلف النبيّ يصليّ ,فأخذه الحبيب بيده و جعله يمينا..و كان أنس للصّلاة على يدي النبيّ من المتعلّمين..

نبيّ علّم طفلا..و الطّفل كبر..و ما زادت أنس خدمته النبيّ سوى قدرا..و خدمته بإسم أنس مرتبطة ..و أنس بذلك طار غبطة..صلّوا و سلّموا على معلّم الأمّة..و خذوا من أنس العبر.
 





[1]  حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : خُوَيْدِمُكَ أَنَسٌ ، اشْفَعْ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، قَالَ : " أَنَا فَاعِلٌ " ، قَالَ : فَأَيْنَ أَطْلُبُكَ ؟ قَالَ : " اطْلُبْنِي أَوَّلَ مَا تَطْلُبُنِي عِنْدَ الصِّرَاطِ ، فَإِنْ وَجَدْتَنِي وَإِلا فَأَنَا عِنْدَ الْمِيزَانِ ، فَإِنْ وَجَدْتَنِي وَإِلا فَأَنَا عِنْدَ حَوْضِي ، لا أُخَطَّى هَذِهِ الثَّلاثَةَ الْمَوَاضِعَ .
[2] عَنْ أَنَسٍ، قَالَ : سَمِعَتْ أُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ كَلامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنَسٌ ادْعُ اللَّهَ لَهُ ، قَالَ أَنَسٌ : فَدَعَا لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثَلاثَ دَعَوَاتٍ ، قَدْ رَأَيْتُ اثْنَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا ، وَأَرْجُو أَنْ أَرَى الثَّالِثَةَ فِي الآخِرَةِ 
[3] عنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : إِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، خُوَيْدِمُكَ 
[4]




https://www.dar-elrahma.com/showthread.php?p=47294