المعاملات المالية في الإسلام: القرض

 
  
 المسلمون أولياء بعضهم البعض يتعاونون على تأصيل البر و دحض السوء والإثم، وكما جعل الله الأرزاق في الدنيا متفاوتة أباح لمن وهبه منهم سعة المال، أن يفيض من سعته على غيره ممن ضاقت عليه، غير مكلف إياه أو محقر أو مستغل. والقرض إحدى المعاملات التي أحلها الله بين عباده لتحقيق التكافل الإجتماعي.

  • معنى القرض:

   في اللغة: بمعنى القطع، فالمقرض يقطع من ماله قدراً ليعطيه للمقترض. كما ورد في المعاجم العربية، بمعنى ما سلفت من إحسان أو إساءة، وماتعطيه لغيرك من مال بشرط أن يعيده لك بعد أجل معلوم.
وشرعاً: هو المال الذي يعطيه المقرض للمقترض، شرط أن يرده له عند قدرته على ذلك.
 والقرض كما ينتفع به المقترض لسداد حاجاته، و الإستعاضة به عن ما حرم الله من معاملات كالربا والسرقة والغش، ويبتغي به معونة الله وبركته، فالله عز وجل يقول "من أدان أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، و من أخذها يريد إتلافها أتلفه الله " رواه البخاري..
 فكما ينتفع به المقترض فإن المقرض يتقرب به إلى الله ويجسد به أواصر التكافل والتراحم بين المسلمين، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: 


 "من نفس على مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا و الآخرة، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه"

  • حكم القرض:

     القرض جائز بالسنة والإجماع، ففي السنة روى أبو رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف من رجل بكرا، فقدمت على النبي صلى الله عليه وسلم إبل الصدقة , فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره , فرجع إليه أبو رافع فقال: يا رسول الله , لم أجد فيها إلا خيارا رباعيا. فقال: أعطه , فإن خير الناس أحسنهم قضاء. 

  • عقد القرض:

    هو عقد تمليك، فلا يتم إلا ممن يجوز له التصرف، ولا يتحقق إلا بالإيجاب و القبول بين الطرفين، وينعقد بلفظ القرض و السلف و كل لفظ يؤدي إلى ذلك. وقد ذهب جمهور السلف أنه لا يجوز إشتراط الأجل فيه، إلا أن المالكية رأوا بجوازه، وبإمكانية تأجيل الأجل، لقول الله عز وجل"إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى"
ويُشترط لصحة القرض أن يكون المقرض ممن يصح تبرعه، فلا يصح أن يتصرف المقرض في غير ماله أو أملاكه، ويُشترط كذلك معرفة قدر المال المدفوع في القرض، ومعرفة صفته او سنه إن كان حيواناً، ليتمكن من ردّ بدله إلى صاحبه.
والقرض الجائز في الإسلام هو الذي لا تشترط فيه زيادة عند ردّه، و إلا اعتبر ربا، ففيما جاء في الأثر: "كلّ قرضٍ جرَّ نفعًا فهو ربا".

  • أقسام القرض:


أ_ القرض الحقيقي و الحكمي عند الشافعية

القرض الحقيقي هو عقد يرد , على دفع مال مثلي لآخر، لينتفع به الآخذ , ثم يرد مثله. وهذا النوع من القرض قال به صراحة جمهور الفقهاء.
والقرض الحكمي هو دفع المال لقضاء حاجة الغير بنية القرض.


ب_ قرض المثليات و القيميات:

المثليات: هي الأموال التي لا تتفاوت آحادها تفاوتا تختلف به قيمتها , كالنقود وسائر المقدرات بالوحدات القياسية العرفية، من موزونات ومكيلات ومذروعات وعدديات متقاربة.
أما القيميات: فهي التي تتفاوت آحادها تفاوتا تختلف به قيمتها , كالحيوان والعقار ونحو ذلك فلا يصح إقراضها.
ويجوز باتفاق الفقهاء إقراض المثليات فيما أختلفوا في جواز قرض غيرها.

 فقد أجاز الحنفية إقراض المثليات دون القيميات و رأوا أن القيميات التي تتفاوت آحادها تفاوتا تختلف به قيمتها، لا يصح إقراضها.
أما المذاهب المالكي و الشافعي و الحنفي، فقالوا بجواز إقراض كل ما يضبط بالصفات،  سواء أكان من المثليات أو من القيميات القابلة للانضباط بالصفات. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استقرض بكرا (الثنى من الإبل) فقيس عليه غيره.
   وقد أفاض الإسلام في تقنين القرض، وفصل فيه تفصيلا، فإلى جانب ما ورد في السنة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن آية المداينة، و التي تعتبر من أطول الآيات في القرآن، جاءت بما جد عما كان قبل الإسلام وبما يحكم بين الناس، فيتجنب فيه الخلاف و النزاع، فنص وحي الله على الضبط بالكتابة والإستشهاد، و يقول الله عز وجل في سورة البقرة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ  وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [282].
المصادر: كتاب الحلال والحرام في الإسلام؛ فقه السنة، المعاملات.

إرسال تعليق

0 تعليقات