مِن هُنا تعرَّفتُ المقدسيةَ داخلي

مصدر الصورة


كثيرةٌ هي الأحداثُ التّي مررنا بها في حياتِنا .. لكن نادرةٌ هي التّي مرت بِنا و انغرست داخِلنا و ربت معنا.. كونَها تُعتبرُ الأصدق و الأثمن!
من المستحيلِ أن أنسى ترديدي لأبيات نزار و أنا ذاتُ السادسةِ في حفلِنا المدرسي المتواضِع نهايةَ السنة التي يشي فيها عن حرقة محبوبته و هو يقول:

" يا قدس يا مدينة تفوح أنبياء ، 
يا أقصر الدروب بين الأرض و السماء ..
 يا قدس يا منارة الشرائع، 
يا طفلة جميلة محروقة الأصابع ! "

و كيفَ أن الكُلَّ بكى معي و أنا ألقيها رُفقةَ دموعِيَ البريئة، 
و كأنّني شاهِدةٌ صغيرةٌ تذكِّرُ بقضيةٍ عظيمةٍ تغافل عنها الكبار!

و أنا أتصفحُ هذه المشاهد في ذاكِرَتي لا يتكررُ بدواخلي عدا شعورٍ واحد، و هو تذكري لفيديو استشهاد محمّد الدرة الذي جعلني أجهشُ بالبكاء يومها كما لا يزال يدفعُني إلى ذلك في كلّ مرة! 
كانت تلك الوحشيةُ أوّل ما عرّفني على الشيطان " إسرائيل " الذي اغتصب المعشوقة فلسطين، و أوّل ما أثارَ فضولي لأفهم ما يجري على هذه الأرضِ المباركة كما تدعوها والدتي..

كنتُ أتعلّقُ بكلّ ما له علاقةٌ بها ،كأن أردد أناشيد المقاومة، وأنا أتمعنُ في المشاهد المصحوبة معها على شاشة التلفاز الصغيرة التي لم يكن لينتهي أحدها إلّا و انقهرت!
صُوَرٌ متفاوتةُ الوجع و طفولةٌ مفطومةٌ على الدم.. قذائِفُ تتطايرُ هنا وهناك تشعِلُ الساحاتِ دماراً، ووجوهٌ قد أنهكها الفزع.. بالإضافة إلى طائرات زنانةٍ مرعبة، و جنائِز مهيبة تُشيِّعُ شهدائها بالتكبير!

كان إدراكي بالقضية ساعتَها يتّسِع.. و كانت مشاعر الكراهية و الحقد و الغضب تتسِعُ أضعافه، لكنّي رغمَ ذلك لم أرغب في تصديق أنّ هذا الغاصب لا يمكنُ قهره و هزيمته، كوني أكرَهُ اللاجدوى التّي يوَّرِثُها هذا الشعور في مقاومةِ عدوٍ صغيرٍ صنعَ رُبوبِيَّتَه من عجزِنا و تخاذُلِنا!

أتذكرُ مرّةً في طفولتي، قد أقيمَ نشاطٌ تعريفِيٌّ بالقضية الفلسطينية بالمركز الثقافي لبلديتنا، لم أكن قد قرأتُ إعلاناً له و لم يدعُنِي إليه أحد ، لكنَّ الطفلة الصغيرة تلك .. صاحبة الهمّ الكبير قد انتبهت للعلمِ الفلسطيني المعلّق على واجِهَته في طريقها لشراء قائمة حاجياتٍ صغيرة للبيت!
سارعت إلى دخول المركز لأفهم أكثر فشدّتني اللوحات الفنية المعروضة بمدخله، انشغلتُ قليلا بتلك الرسمات ثم دلفت النشاط، كانت فاتِحةُ النشاط عبارةً عن فيديو عرضٍ قصير للرئيس الراحل هواري بومدين و هو يردد:
( نحن مع فلسطين ظالمةً أو مظلومة )، ليُصفِقّ الجميع لحرارةِ تلك العبارة و من بينهم أنا.. أعجبني كثيراً أن نَناصِرَ القضيةَ كيفما ضربَت، ظَلَمت أم ظُلِمت، فخروج الاحتلال لا يحدثُ إلّا بالثورة والقوة وأنا ابنةُ بلد المليون ونصف المليون شهيد لم يكن صعبا عليَّ أن أفهم جملة الرئيس عميقا!

بعدها شرع أستاذٌ محاضر في إلقاء محاضرته، لم أكترث له كثيرا، و بينما كنت أنوي الخروج شدتني طاولة على يمين القاعة تحوي حصالات كثيرة خُطَّ عليها ( من أجلِ فلسطين )..
كانت تلك العبارة كافيةً من أجل أن أضع كلّ المال الذي كان بحوزتي ، حتّى أنّي استصغرتُ المبلغ و تمنيتُه لو كان أكثر من ذلك، لكنتُ وضعته كلّه و ما اهتممت!
و رغم عقابِ والدتي لي يومها التي ظنت بسبب كذبتي بأني قد أنفقتُ المال كله على الحلوى، هذا لأني اعتقدتُ أنّي إن وشيت بالصدقة فلن تُتَقبّل مني، إلى أنّي لم أكن أكثر سعادةً من ذلك اليوم!

" مع فلسطين ظالمةً أو مظلومة ".
من المستحيل أن تجد جزائرياً لا يحفظ هذه العبارة، إنّها التعريف الآخر لجنسيتنا الجزائسطينية!
الجزائسطينية التي توارثناها فطرة أنشأت فينا قُدُساً لا يسلُبُها منّا أحد.. و عقيدةً لا يكذبها أحد، و إيماناً بالنصر لا نتوانى عن تصديقه أبدا!
إنّ المقدسية التي اكتشفتها داخلي لم تتنزل علّي كهبة من السماء، و إنّما هي نِتاجُ أقداسٍ صميميةٍ معششةٍ في صدورنا تأبى الذل والمهانة و لا ترتضي غير العزّ تعريفاً لها..
أقداسٌ ليست مقتصرة على تعاريف الكتب والتاريخ والجغرافيا والمحاضرات والدورات والنشاطات والأناشيد والدين والقومية والأرض..
بل إنّها أحاسيسُ داخلية وراثية مقرُّها القلب ومُستودَعُها الروح ، تنتقِل من الواحد فينا للآخر دون حتّى أن يدري، كونَها أخذت مِنا مأخذ الأنفاس.
إنّها غرسٌ صالح لفرط اهتمامنا بالقضية.. قضيةُ فلسطين بكلّ ما تحمله من همٍ ومعنى.. القضية التي لا تموت وإن تكالب عليها الغزاة، لأنها تولد من جديد مع كلّ شهيد!

من هُنا تعرّفتُ المقدسية داخلي، تلكَ التي تحملُ فلسطيناً من نوعٍ آخر.

مقدسيةٌ متشبعةٌ برفض المساومة و صدر مدركٍ بأنّ المشاعرَ لا تكفي إن لم تقترن بالمقاومة!
لأنّ الذي لا يملك تخطيطا دقيقا لمشروعٍ تحريري لن يجيد شيئاً عدا البكاء، و نحن الذي ما عدنا في حاجةٍ إلى الدموع!
إنّ حملنا لمسؤولية القضية فرضٌ علينا لا مناص لنا منه، فمن باعها أو خانها أو خذلها بالقنوطِ فليس منا.
هذا لأنّهُ حتّى التقليل من شأنِها يعتبر تآمراً عليها ونفخاً للعدو الصهيوني، لهذا فلنحذر أشد الحذر من أن نقع في الشَّرك فلا يُلغِيَنَّ الواحدُ منا دورَهُ لأنّها القاصمة!

إرسال تعليق

0 تعليقات