الإعداد لعين جالوت.. قصة التتار ج5

مصدر الصورة


الإعداد لِعَين جالوت :-

عندما بدأ التتار في اجتياح الشام والاقتراب من الديار المصرية كان وضع مصر متأزمًا بِشدة، فالمسرح السياسي الداخلي كان يموج باضرابات شتى، وكانت الفتن الناتجة عن التصارع على الكرسي في السنوات العشر الأخيرة عنيفة ومُتكررة، ولكنها عادت للاشتعال بمقتل «عز الدين أبيك»
ثم شجرة الدر ثم ولاية الطفل نور الدين علي، ثم خلعه بواسطة قطز -رحمه الله-.


وهكذا، فإن المسرح السياسي الخارجي يحمل مشكلات أكبر، فالعلاقات كانت ممزقة بين مصر وكل جيرانها بلا إستثناء، وكانت روح العداء الشديد هي السائدة بين الطرفين، ولم يكن الوضع الإقتصادي بحال أحسن من الوضع السياسي والعسكري بل كان متردياً.

وهكذا باتت البلاد على حافة هاوية سحيقة شبه مؤكدة.

قطز وخطوات التغير :-

وهكذا تسلم «سيف الدين قطز» رحمه الله هذه التركة المثقلة بالهموم والمشاكل.

فكيف تصرف قظز رحمه الله مع هذا الوضع المتأزم؟ وما هي الخطوات التي خطاها من أجل التغيير؟!

١- التوحد أمام الأزمة.
الخطوة الأولى التي حرص عليها قطز هي استقرار الوضع في مصر، وطمع الآخرين في كرسي الحكم.
فكيف تصرف رحمه الله في هذا الموقف؟
لم يقطع أطماعهم عن طريق الوعيد والتهديد، فإن هذا -على العكس تماماً- يزيد الفتن اشتعالاً.
ولم يقطعها بتزوير إرادة الشعب وإيهام الشعب أن الجميع يريده هو -كما الحال الآن- ولا بالمؤامرات والحيل والغش، إنما ارتفع قطز -رحمه الله- بأخلاق المنافسين، فقد جمع الأمراء وكبار القادة وكبار العلماء وأصحاب الرأي في مصر.. وقال: "إني ما قصدت إلا أن نجتمع على قتال التتار،ولا يأتي ذلك بغير مَلك، فإذا خرجنا وكسرنا هذا العدو فالأمر لكم وأقيموا في السلطة من شئتم!!"

فهدأ معظم الحضور ورضوا بذلك!!

ولا يستقيم أن نحلل هذا الموقف كالمحللين الغربيين ، أو بعض المسلمين الذين يعتمدون على مدارس الغرب في تحليلاتهم، فيقولون: "إنما قال قطز ليقمع المناوئين له، وليثبت نفسه في الكرسي، مستغلاً حب المسلمين للجهاد".
لأنه -والظن الحسن بالمؤمن واجبٌ شرعاً، ففقد أثبتت تصرفات قطز وأعماله وإنجازاته صدقه وصدق رغبته في الإنتصار للدين، وكما أن الله جعل النصر على يديه -كما سنرى- وليس من سنة الله أن يجعل النصر على يد منافق!
{إنَّ الْلّه لا يصلح عمل المفسدين}
كما أنه تحلى بالحزم وحسن الإدارة فعزل الوزير «ابن بنت عز» المعروف بولائه الشديد ل«شجرة الدر»، وولى وزيراً آخر يثق بولائه.

٢- العفو الحقيقي.

كانت الخطوة الثانية في منتهى الروعة والحكمة، وأبرزت الأخلاق الرفيعة جداً لِقطز.. لقد أصدر قراراً بالعفو العام -الحقيقي- عن كل المماليك البحرية.
وأقصد بالحقيقي أنه لم يكن خدعة سياسية ولم يكن -شهر عسل- مؤقت إلى أن تهدأ الأمور.

٣- الوحدة مع الشام

وكانت خطوة رائعة في غاية الروعة، فنجد أن آمن الاستقرار الداخلي حرص على تأمين الاستقرار الخارجي مع جيران مصر المسلمين، ووجد قطز أن رأس هؤلاء والمقدم عليهم «الناصر يوسف أيوبي» صاحب إمارتي دمشق وحلب، أكبر إمارتين في الشام، وعلم كرهه له، وأنه طلب من التتار مساعدتهم في غزو مصر، وعلى الرغم من ذلك أرسل له رسالة تفيض بالرقة والعذوبة، وكأنه يخاطب أقرب المقربين له!

لقد أرسل إليه يعرض عليه الوحدة، على أن يكون «ناصر الأيوبي» ملك مصر والشام!!
لقد عرض عليه أن يكون هو -قطز- تابعاً له!
ولقد قال له في رسالته أنه لا ينازعه في الملك ولا يقاومه وأنه -قطز- نائبٌ له في مصر، ومتى شاء «ناصر الأيوبي» جاء إلى مصر وجلس على الكرسي!!
وهذه أمور لا يتخيلها إنسان بموازين السياسة المادية!!
لكن على الرغم من ذلك فإن الناصر الأيوبي لم يستجب له، وآثر التفرق على الوحدة.

فماذا كانت النتيجة؟!
مرت الايام وسقطت حلب، وهددت دمشق، وفر الناصر الأيوبي إلى فلسطين، وعند فلسطين تخلى عنه جيشه، وذهب لجيش مصر، يسانده ويساعده، ذهب للجهاد في سبيل الله، لا في سبيل الكرسي.

إذن هكذا كان؛

1- الوضع الداخلي مستقر في مصر
2- وضوح الهدف وهو هزيمة التتار
3- العفو عن المماليك الذي أشاع جواً من الطمأنينة لدى الشعب المصري
4- انضمام الكثير من الجنود الشاميين إلى جيش قطز، وانضمام أمير حماه إليه.

قطز في المواجهة:-
في ما كان قطز متحمساً وسريعاً بإعداده لقتال التتر جاءته رسالة من هولاكو ببن يدي اربعة رسل.. تنص على أن اللقاء سيكون أسرع من المتوقع، وأن الحرب وشيكة بين عشية وضحاها. على الرغم من أن قطز كان في حاجة لعدة شهور ليجهز لهذا القتال وإذ برسالة من التتار تقطر سماً، وتفيض تهديداً ووعيداً، لا يقوى على قراءتها إلا من ثبته الله "ولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً'
وبفضل الله ثبت قطز وقرأ الرسالة برباطة جأش عجيبة، وكذلك المؤمن الصادق إذا خوفه الظالمون استحضر هيبة الله.
عقد قطز مجلساً استشارياً أعلى،  جمع كبار القادة والوزراء والأمراء وبدأ مناقشة القضية الخطرة!
كانت الرؤية في منتهى الوضوح لدى قطز، فلا محال للتسليم بل للجهاد. ولكن الأمراء لم يكونوا على هذه الدرجة من الفهم والفقه، نعم لديهم حمية دينية، ونعم يحبون السلام، ونعم على درجة راقية من الفروسية والمهارات القتالية، ولكن الإختبار صعب جداً.
لقد كانت الفجوة هائلة بين امكانيات التتار كدولة من كةريا شرقاً لبولندا غرباً، وامكانيات مصر التي مهما ازدادت تبقى محدودة.. وهكذا ظهر التردد والهلع والضعف والخوف لدى الأمراء..
كيف تصرف القائد الحكيم مع مثل هذا الموقف؟
كيف ينزع الخوف والرهبة من قلوب الأمراء؟
كيف يقنع قادة جيشه بأمر يعتقدونه مستحيلاً؟
تعالوا نتعلم من قطز.

١- أنا ألقي التتار بنفسي:-

لقد سلك قطز طريقين من أعظم طرق التربية، ومن أبلغ وسائل التحميس والتحفيز. أما الطريق الأول فهو "التربية بالقدوة"
لقد قال لهم قطز رحمه الله بشجاعة وعزم "أنا ألقي التتار بنفسي"
قطز الذي يجلس على عرش دولة عظيمة سيخرج للقاء التتار بنفسه؟
قطز الذي لم يستمتع بعد أو يستفيد من عرشه سيخرج للجهاد؟!
قطز الشاب الذي ما زالت الحياة أمامه سيخرج للموت في سبيل الله؟

لقد فقه قطز عملياً ما أدركه المسلمون نظرياً "لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها و أجلها"

ماذا كان رد فعل الأمراء لما شاهدوه بهذه الحمية؟ لقد تحمسوا لا شك وازدادت الحمية في قلوبهم. وهذه هي القدوة أيها المؤمنون.


٢-من للإسلام إن لم نكن نحن:-


أما الطريق الثاني:-
فهو التذكير بعظم الهدف الذي من أجله خلق الإنسان وهو نصرة الدين، فإذا عظم كل واحد منا أمر الإسلام في قلبه فإنه سيستصغر أي تضحية في سبيله.
لم يحفزهم قطز بدنياً، ولم يحفزهم بقومية مصرية أو قومية عربية أو بحب البقاء على الحياة، بل حفزهم بالحرص على الموت.
وشتان بين من يجاهد وهو حريص على أن لا يموت ومن يجاهد وهو حريص على أن يموت!!

وخطب بهم قطز خطبة طويلة، وقال كلام في منتهى الدقة والروعة:- "القضية بوضوح هي قضية إيمان"
ثم تحركت مشاعره أكثر حتى وقف وبكى وقال:- "ءا أمراء المسلمين من للإسلام إن لم نكن نحن؟"
كلمة رائعة، كلمة هائلة، كلمة تصلح أن تكون منهجاً للحياة.
وقعت الكلمة في قلوب الأمراء فضجوا جميعاً بالبكاء...
لقد خشعت القلوب، ومن خشع قلبه فيُرجى منه كل خير.
وهكذا نجح قطز في خطوة من أصعب خطوات حياته، وأعظمها!!

إرسال تعليق

2 تعليقات