معاملات مالية: مسألة خلاف على دَيْن

  صديقي شاب يعمل متفانيا و مخلصا في عمله، و يجيد تدبير  معاملاته المالية ودخله، يسر الله له رزقه،  وأغدق عليه من المال ما يجلب الأصدقاء و الأعداء، وما يشبههم، و بالتالي كانت من الصداقات ما هي مادية و مبنية على المصلحة، فقد إقترض منه ذات يوم صديق له مبلغا وافرا، وزاد عليه أن عمل لأجله مقابل أن يسدد لاحقا، حتى الآن فلا مشكل، فقد شهد الواقعة شهود ، ووعد الصديق بالوفاء بدينه.
مرت الأشهر، فأراد صديقي الإطمئنان على دينه، ومن باب الذكرى سأل صديقه " هل إقترب أجل تسدد حينه ما بيننا، أم لازلت ياصديقي في عسر من أمرك؟" إستبشر صديقي بالرد فما لم يكن في الحسبان أن ماله و عمله سيسدد في اليوم الموالي.
إلتقى الصديقان وٱستضاف بعضهما البعض، وفتحت المحافظ، لكن الأصوات علت و امتعض صديقي وأحبطه ما جاء من صديقه. فما إتفقا عليه من مبلغ عند المداينة، لم يتفقا عليه عند السداد. إلتحق بهما أصدقاء آخرون وشهود ممن حضروا قبلا. ورغم إصرار الشهود على صحة ما يقول صديقي فالرجل المدين أصر أن المبلغ الذي بينهما ليس إلا النصف. أخذ صديقي النصف في نهاية المطاف و الخصام، وترك صداقة ذلك الشخص. هكذا إنتهت الواقعة بنهاية العلاقة بسبب المعاملات المالية.

        هل تنتقل الأموال بين محافظ الأشخاص وتنتهب بهذه السهولة؟ أليس هنالك ما يرشد و يحفظ سلامة المعاملات المالية بين المسلمين؟ بلى! فعبر مر العصور كان دائما هناك قانون، و نحن المسلمون نتحاكم بالشريعة الإسلامية، فماذا قالت لضمان حق الدائنين؟

توثيق الدين في نظر الشريعة الإسلامية

يقول الله عز وجل في محكم التنزيل في آية المداينة من سورة البقرة:
"يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه"
 ومن هنا نأخذ أولى الضمانات، ضمان لما يروج من مال ومن علاقات إنسانية سليمة، و ذلك بتوثيق أطراف الدين وقدره، وقد أعطي الحق للطرف الأقل قوة لإملاء الدين، وهو الشخص المدين.
وليكتب بينكم كاتب بالعدل
 و الكاتب بالدل شخص ثالث غير أطراف الدين، وهكذا حتى لا يفضل أحد عن آخر.
     واستشهدوا شهيدين من رجالكم
ومن ضرورات التوثيق و العقود، حضور شاهدين رجلين أو رجل وأمرأتان، ممن لم يثبت عليهما مخالفات في شهادات سابقة.
ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله
يشير الجزء من الآية إلى حث المسلمين على عدم التراخي و التهاون لضمان الحقوق، و لتحقيق الحق و العدل بين الناس.
وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة
 و في هذه الحالة التي وردت فالآية الموالية، سنستفيض في الشرح:


الرهن

      يأتي الرهن في اللغة بمعنى حبس الشئ، ثباته، و الإلزام به، وما هو متعارف كذلك، فالرهن يعتبر وسيلة لضمان الإلتزام بالوفاء بدين، بين الراهن (المدين) والمرتهن صاحب الدين.
وفي الشرع الإسلامي يقصد بالرهن جعل عين لها قيمة مالية وثيقة بدين، بحيث يمكن أخذ ذلك الدين أو أخذ بعضه من تلك العين. ويسمى مالك العين راهنا، و الشخص الذي يأخذ العين مرتهنا، و العين نفسها تسمى رهنا.
وقد أتى الرهن في الآية الكريمة مرتبطا بالسفر، لكن البعض من علماء الأمة، جعلوه مشروعا في الحضر كذلك، استنادا إلى فعل الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك، وهو مقيم بالمدينة، فيما روي عن البخاري عن أم المؤمنين عائشة أن الرسول صلى الله عليه وسلم، ٱشترى من يهودي طعاما ورهنه درعه.
ويشترط لجواز الرهن، أن يكونا أطرافه عقلاء بالغين، و أن تكون العين المرهونة موجودة وقت العقد وأن يقبضها المرتهن أو وكيله.
     إشتهر بين العلماء أن من حق المرتهن أن يمسك الرهن حتى يؤدي الراهن إلتزامه، ( و يدخل في الإلتزام بسداد القرض والغصب و المتلف من الأشياء وجنايات الأموال، و جراح العمد ، حسب مذهب مالك)، فإن لم يلتزم الراهن عند الأجل، حق رفع الرهن إلى السلطان، فيبيعها فينصفه، إن لم يتراضيا قبله على البيع.
بالمقابل، لا يجوز للمرتهن استثمار الرهن والربح منه، هذا في حال لم يكن دابة أو بهيمة، فله أن ينتفع من ركوبها ولبنها، إذا أنفق عليه، غير أن هذا الأمر لقي إختلافا بين العلماء فرآه الإمام أحمد جائزا، وغيره غير ذلك. فمالك ميز في ما ينتج عن الرهن بين ماهو من فصيلة خلقة الرهن وصورته فيدخل، وما ليس من خلقته فلا يدخل. فيما رأي الشافعي أن لا شئ من ذلك يدخل في الرهن.
 هذا بشكل مختصر ما ورد في شأن الرهن نقلا عن بعض الكتب: فقه السنة للسيد سابق؛ بداية المجتهد ونهاية المقتصد للإمام أبي الوليد.
ويبقى الأصل في المعاملات المالية بين المسلمين التوثيق والوفاء، و حفظ الأمانة و التعاون على البر و التقوى، لإنهاض الأمة.