كان علي أن أعرف أن عاقبة هذا الطريق هو الجنون والصلع، قبل أن أضع قدمي فيه..
كان عليّ بالأحرى أن لا أصدق سذاجة الذين ينيطون الكتابة بفنجان قهوة سوداء فحسب..
كان علي أخيراً أن أدرك أن الكتابة فعلٌ موجعٌ أكثر من هذا.. أنها تعني أن تنزع قطعةً منك.. ذكرى.. خلية..
تمضغها كثيراً في رأسك، تعيشها مرة أخرى، ثم تبصقها أخيراً على الورق، ترصفها بالكلمات، وتَصُفَّها بصلابة السرد، تُهَندمُ الوجع ليبدو أنيقاً، تُنكِّره بحلّة جديدة كي لا يشبهك، ثمَّ هاكُمُ.. اقرأوا كتابيَّ !!
لِأُنظف عقلي لم أستطع الاكتفاء بشربِ فنجان قهوة سوداء.. لأُخلّص نفسي من ترهات الأفكار، وبقايا اللحظَات المشوّهة، لأَكنسَ غبارَ الوقت عني.. كان علي تقشير اثنين كيلو بطاطس، وتقطيعها لمكعباتٍ صغيرةٍ جداً، ومتساويةٍ جداً، لتفريغي.. ولتهييئي لعالمٍ جديد أستقبل فيه شخوصَ روايتي.
وأتساءل مع كل مكعبِ بطاطس صغير يسقط.. كيف أحكم قبضتي على شخوصي؟
كيف أمنعها من الفرار؟ من التسرب من بين خلايا عقلي؟
كيف أروضها؟ وأجعلها تنبثق بخيالي، كل شخصية على حدى، دون أن أستشفّ قوالبها من شخصيات أخرى.. لكتّاب آخرين كيف أهرب من لعنة شخوص الروايات الأخرى؟
وخصوصاً أولئك.. شخوص النهايات المفتوحة، الذين يتسربون من الروايات إليّ، ويقبعون في رأسي.. يجتمعون حول نصوصهم، ويهسهسون بغضبٍ ونقمٍ على الكاتب..
يلاحقونني وينغّصون نومي. يسحبون الوسادة من تحت رأسي، ويقرصون باطن قدمي.. حتى أقترف ذلك الجرم!
جرمَ أن أتعدى على نصوصِ كاتبٍ ما، وشخوصِه، جرم أن أحدّد مصيرهم وأختار نهاياتهم بقلمي.
أنسلُّ بجسدي الهزيل وأوراقي الكثيرة صعوداً إلى العليّة..
شخوصي لا يحبون غرفتي المزدحمة بالأغراض. وخيالي يمقتُ الأماكن الواسعة ويضيق بشكلٍ عكسي فيها. وسطوع الأضواء يُخْفِتُ الأفكار الوليدة في رأسي.
أغلقُ باب العلية على عالمي، وصريره هو آخر ما أسمعه منه. وتنفتح كل أبوابِ عالمي الجديد.
أُضحّي بكرهي للأماكن المغلقة، والتي بلا نافذة، من أجل شخوصي.
 أجلسُ تحت الإضاءة الصفراء الشحيحة، وفي رطوبة الجدران ودبقها أكتب. أكتب كما لم أكتب من قبل. أكتب ببطء، وكأنّ لدي الوقت كله لأكتب..

في العليّة، فراغ معدتي يساعدُ كمّ الأفكار الهزيلة لتتضاجع في رأسي، وتتولد من هزالها أفكارٌ أخرى، أكثر امتلاءً وقيمةً.. وأكتب.
أشعر بشخوصي في أرجاء العلية، علياء تأتي أولاً، ككل مرة. تنقضُّ على النّصوص بنهمٍ وبلا حرف نداء، وبكل شغفٍ تهبني نفسها!
ألمحُ أحمد يتقوقع في الزاوية، بالشّكل نفسه الذي يتقوقع فيه بالماضي، وبينما كلّ شيء يسير إلى الأمام، باستثناء الذاكرة، أراقب أحمد..
لا شيء معه يسير إلى الأمام، فعل التقدم غير موجود مع شخص يحمل ذاكرة كذاكرته، وكذاكرتي..
تسحبه من قميصه إلى الخلف، وتجره حيث هي، وأشفق عليه، كيف ينجرف هكذا للخلف مع سيلان الذكريات؟! كيف أنه ينتظر يداً لتنتشله وتمسح عنه غبار ذاكرته المؤرقة، كأرق ذاكرتي!!

وليد الذي لا يتجاوز العاشرة لا يجلس هادئاً، يحوم دائماً بحثاً عن صديق.. في الشّوارع وتحت شمس الظهيرة القاسية الجميع يرفضه، حتى ينتهي به الفراغ لأن يجمع أعداداً هائلة من الحشرات، ويقضي وقته في البحث عنها وتسميتها.
يؤلمني كمّ الوحدة المتكدّس في عينيه، تؤلمني مشاهدته وهو يستبدل الأصدقاء بالحشرات!
أراهم كلهم يتوهجون حولي، فتضيء عتمة العليّة، وتتخفف من رطوبتها، وأكتبهم، أكتبهم جميعاً، أسحب أنفاسهم، وأمصُّ دماءهم، وأسكبهم على الأوراق.
أُحكم قبضتي عليهم مانعةً أن يتمرد أيّاً منهم ويتفلّت من عقلي.
وأراهم أمامي يَخْفتون، ينطفئون، ويبهت توهجهم رويداً رويداً.
أبْكِي على فَقْدِهم، وأستغلُّ بكائي لمصلحةِ النُّصُوص، أجْمَعُ بُكَائِي وأَشْحَذُه، أدَبِّبهُ بالْكلمَات والأحرف، وأطلقهُ كخاتمة أدبية على الورقة..
«لا تحزنوا.. إنني بهذا أُخلّدكم، وأمنعكم من السقوط في قبضة الفناء الحتميّ لشخوص الخيال، ولننجوا جميعاً من لعنة الروايات المبتورة، وغير التامّة».
أرى آخرَ شعاعٍ ينطفئ منهم، أغلقُ الدفتر وأشعر بفراغٍ فضفاضٍ يتسع داخلي..
أعرضُ روايتي على أدهم، يقول مندهشاً أنهم جميعاً يشبهونني، وإلى حدٍّ بعيد لا أتصوره!!
وأفكر.. كيف بإمكان الكاتب أن لا يَسقُطَ في نصوصه، أن ينجو من كونه قالباً لجميع شخوصه؟!