أخبرني، بعدما علمتَ بفراري، هل تكرهني؟! أنت من قلت أن عاقبة الحب الشديد هي الكراهية. هل تكرهني إذن؟!
أنا آسفة، ولا أعرف لماذا أشعر بالأسف وهو ينهش أضلُعي هكذا!
لقد أخبرتك، أنا لا أجيد البقاء، أنا لا أقطع وعوداً وعهوداً. وأنت وافقت! إذن لماذا ستكرهني؟!
إن قرأت هذه الرسالة؛ فهذا يعني أني مازلت حية للآن. ويهمني أن تدرك أعذاري، وتسامحني على تركك هكذا. وإن لم تصلك... فقد متُّ إذن، ووقتها ستسامحني حتى دون أن أفعل شيئاً أو أن تقرأ شيئاً. أليس الجميع يسامح الموتى؟!
كان لابد من هجرتي، فاضت البلدُ أخيراً يا محمّد. فاضت كما فاضت بقيّة الدول. قلت لك، على هذا أن يحصل. قلت لك، لا أحد يحتمل الطغيان كل هذه المدّة الطويلة.
لقد تراكم الظلم على أكتافنا الهزيلة، لقد تشرّبنا الذل كالإسفنج، وشبعنا منه. ما عاد هنالك متسعٌ للمزيد. لقد حان الوقت لننتفض، ولننفض هذا الاستبداد عنّا، عن هذا البلد. لقد كنّا بحاجة إلى شرارة البداية فقط لنتقد، وها قد اتقدنا.
كم هي رائعة تلك الهتافات المجلجلة! كيف أنها تُسري في جسدي قشعريرة لذيذة فور سماعها. كم هي تمدّني بالشجاعة، أنا الخائفة دوماً، لقد شعرت للمرة الأولى بالشجاعة.
أريد منك أن تعرف أنت الخامد، ضدّ أي ثورة وأي انفجار، أنت الخائف مثلي، أريدك أن تعرف أني تمنّيت أن أبقى. أن أثور كما ثاروا. ولكن تلك القائمة السوداء، اللعينة، حوت اسمي، كما حوت اسم والدي من قبل.
هكذا هي الحياة، تضعك في دائرة خيارات غريبة، لا تحبّذ أي منها، ولكنك مجبر على الاختيار.
سأثور. أعدك، ولكن ليس هنا، سأثور خارجاً.
هل ستقول عنّي خائنة وجبانة؟ أنت من تقول أن كل أولئك المهرولون خارج البلد جبناء وخونة، أنهم أشعلوا فتيل الحرب وفرّوا؟
الحرب؟ نعم. فخامدٌ مثلك لا يعترف بالانفجار!
لقد كانوا خائفين يا محمد، وأولئك الباقون للآن خائفين كذلك، حتى الذين يدّعون عدم الخوف، تنخفض أصواتهم عندما يتكلمون. يخافون أن تنقل الجدران كلامهم. الجميع هنا خائف.
أنا مثلهم. يأكلني الخوف، وينهش روحي، رويداً رويداً، وأشيخ بسببه!
لقد شهدتَّ خوفي قبل هذه الثورة حتّى. هل تذكر عندما قابلتني للمرة الأولى؟ في الشارع الرئيسي غير المسفلت جيداً؟
وقتذاك كانت سيارات الشرطة والإسعاف تعجُّ بالشّارع الذي تركد عليه سيّارة سوداء مهشّمة، والكثير من جموع الناس الفضولييون ملتفّون حول الحادثة.
وكنت خائفة. الفزع يكتسي وجهي الصغير. يداي متعرقتان. الوهن يقضم ركبتي ويضعفهما.
لم أكن خائفة من مشهد السيارة المهشمة، ولا من زحام الناس المتواجد. ولا من الدماء التي تسيل بغزارة من الشاب المصاب. لقد كنت خائفة منهم، من ضباط الشرطة، من سياراتهم المخيفة، ووجوههم الفظة، وأيديهم الثقيلة، وتعابيرهم النجسة، ككلاب البوليس المسعورة!
منذ تلك اللحظة، التي داهموا فيها شقتنا بعد منتصف ليل حزيران. وجرجروا والدي معهم، وأنا أخاف منهم.
وقتها لم أدافع عنه، ولم أصرخ بوجه أي ضابطٍ كما يحصل في الأفلام، أو في حكايات الواقع البطولية التي نسمعها من بعيد.
لقد اختبئت خلف الباب في الزاوية. وأنا أبكي بخفوت كي لا يسمعونني. لقد كنت خائفة جداً منهم، من دخولهم المرعب.
صرخ والدي وهو يحاول أن يتفلّت من بين أيديهم الثقيلة "نجلاء اتصلي بعمّتكِ رضوى لتأتي، أخبريها ماذا حصل".
لقد كان خائفاً عليّ، أنا التي اختبأتُ وتخلّيتُ عنه!
مرّت الآن خمسة عشر سنة، ولا أعرفُ شيئاً عن والدي. ذهب إليهم خالي فؤاد عدّة مرات وسأل عنه، قالوا وهم يتثاءبون بضجر "لا يوجد لدينا شخصٌ بهذا الاسم".
قال خالي أنهم لم يبحثوا في أي سجّل، أو ينظروا في أيّة ورقة!
وحدهم معتقلوا الرأي لا تسمع لهم خبراً. ينفون من هذا العالم إلى عالمٍ آخر، أشدّ ظلمة.
وها أنا الآن أصاب بالهلع في كل مرة ألمحُ فيها سيارة شرطة، أو أسمع دوي صوتها في الشوارع.
أذكر يومها أنك خرجت من دائرة الجموع الفضولي واقتربت نحوي مستغرباً. سألتني ما بي. وهل أنا بخير؟
لاحظتَ خوفي المبالغ، ظننتَ أني أخافُ الدّماء، وأصررتَ على أن توصلني إلى المنزل.
لقد تصرّفتَ بلباقةٍ شديدة، واحتِرامٍ مزيّف. كنتَ تتفوه بـ"آنستي" كثيراً، وتكرر "تفضلي" في كل جملك، و"من بعدك"، و"لا مؤاخذة"!
عرفتُ لاحقاً أنك فجّ. وأن لباقتك هذه هي مجرد قشور. عرفت أنك متطفّلٌ وفضوليّ، وأنَّ حياة أي شخص بالنسبة لك كحادث السيّارة وقتها. تتدخّل فيه، وتحشر نفسك مهما كان المكان ضيقاً. تشبع غريزة الفضولِ لديك وتنصرف.
ولكنك الآن علقتْ، بعد استمرارك في دخول حياتي، علقتْ.
تأتي لشقتي بعد منتصف الليل، تجلس على الكنبة الجلدية ذات اللون البني القاتم. لا تقول شيئاً، ولا تفعل شيئاً كذلك.
تضع قدماً على الأخرى. وتنظر إليَّ بتركيزٍ عميق، كمن يعاين مسرح جريمة، وتدخّن. تدخّن طويلاً وتبتلع دخان سيجارتك، مخرجاً نتفاً صغيرةً من بين شفتيك.
وبينما أنهمك في الكتابة لا أشعر بأي ارتباك إثر نظراتك المبحلقة. ولساعاتٍ يستمر هذا الوضع.
هذا المشهد المكرر يومياً بعد منتصف الليل كان يشعرني بشيءٍ من الألفة، يبدد مخاوفي الجمّة. ويريحني.
ثم تغادر وحدك بعد ساعتين ونصف. تطلب مني أن أحكم إغلاق الباب، وكأنك مثلي، خائفٌ مما أكتبه!
لطالما أردتُ أن أسألك.. لماذا تأتي وتجلس كل تلك الساعات؟ دون أن تغيّر وضعيّتك حتّى؟!
لقد كنتَ تغضبُ من كتاباتي. تمتعضُ منها. تقول أنه ليس عليّ أن أتدخل في السياسة. ترمي الأوراق بسخرية، وتعلّق بفوقيّة "كيف لامرأة أن تطمح بتغيرٍ في هذا البلد؟"
تكمل بذات الفوقية الساخرة " أتصدّقين نفسك؟ نحنُ مجرد ذبابٍ لهذا النظام."
إذن، أنت تعلق بفوقية ساخرة حتى على نفسك!
سأسألك سؤالا.. لو كان والدك سجين رأي، يتخبّطُ في السجون، ويتعفن بين الجدران، ألن تحاول تغير هذا الاستبدادِ المظلم؟ الظالم؟
لا تهمّني إجابتك الآن، قررتُ أن أكتب لك طوال هذين اليومين، وقبل أن أغادر، فأنا لا أريد أن أراك..
ولا أعني بهذا رؤية وجهك، بل حقيقتك.
ألا يقولون أن لحظات الوداع تظهر نقاء النفوس وحقيقتها؟! .. وأنا لا أريد أن أرى حقيقتك.
لقد لملمتُ أوراقي الجمّة، ووضعتها في حقيبة الظهر الصغيرة. هذا ما يسمح فقط بحمله على القارب.
المتاع والحقائب الأخرى غير مسموح بها.
إنها توازي وزن شخصٍ بكامله. وهل الحقائب أفضل من شخص؟!
سأنشرُ أوراقي فور وصولي! سأنتقم منهم، وأفضحهم على الملأ. هم المفضوحين أصلاً.
لقد تركتُ لك مفتاح الشقّة تحت أصيص الريحان أمام الباب. بإمكانك ممارسة عادتك في الجلوس على الكنبة الجلدية بعد منتصف الليل".

* * * * *

طرقتُ على الباب طويلاً، ولم يأتِ أي رد. هذه الليلة الثانية التي أقف فيها هكذا أمام باب شقتها، في كنف برد كانون الأول. أطرق ولا تفتح.
بدأ القلق يساورني. أيعقل أن خوفها من منتصف الليل تحقق؟!
قرأتُ سابقاً، وخلسةً، إحدى أوراقها. كتبَتْ فيها..
"أخاف منتصف الليل، تفزعني كل تلك الساعات بعده. أخاف أن يداهموا شقتي. زاوية الباب لم تعد تتّسع لتخفي جسمي بأكمله. الفزع يشلّني ويمنعني من النوم. الخوف يهجمُ على عقلي وينهشه، هجومَ جيشٍ عرمرم، ويصيبني بحالة هستيرية.
أتخيل أبي، المحامي المرموق، صاحب الأخلاق الرفيعة، يبكي ويركع أمام ضابطٍ قذر، يقبّلُ حذاءه النّجس! وأخاف كثيراً، وأبكي.."
هل داهموا الشقة وأخذوها؟!
استبدّ بي القلق، طرقتُ على الباب المجاور.. خرج بعد عدّة طرقات رجلٌ مسن. سألتُه إن كان يعرف أين هي..
قال بامتعاض والنوم مازال يكتسح عينيه.
-هربَت على السويد، الأمن طلبها.
أخبرني كذلك أنها تركت مفتاح الشقّة تحت الأصيص.
وقعت هجرتها عليّ كالصّاعقة.
فررتِ إذن يا نجلاء!
فررتِ كما الجميع، دون أن تعزّيني حتى ببقائي وحيداً هنا، وسطَ هذا الخراب الشّامل!
لم يمنحني الوقت أي فرصة لمحاولة إيجاد طريقة للتواصل معها. باغتني الشّريط الأحمر على القناة الإخبارية...
«غرق قارب هجرة يتّجه إلى السّويد، مخلّفاَ 150 غريق». 


إقرأ لي أيضاً..