نُكمل تلخيصنَا لكتاب "الطريق من هنا" للإمام محمد الغزالي رحمه ولنبدأ على بركة الله:

الفصل الثالث
قَضِيَّةُ الأخْلَاقِ عِنْدَنَا


هل ترجِعُ هزائمُنا إلى أننا لا نملِكُ طائرات بعيدة المدى، وإلى أننا لا نصنعُ القنابل الذرية؟. 

بعضُ الناسِ يتصوّرُ أنّ عجزنا الصّناعيّ والعسكريّ من وراء تخلُّفِنا هنا وهناك، وأنّ أُمتنا لو ملكت هذه الأسلحة سادت وقادت. 

إنّ هذا فكرٌ سقيم. 

الواقع أننا مُصابون بشللٍ عضويٍّ في أجهزتنا الخُلُقية وملكاتنا النفسيّة يعوقنا عن الحَرَاك الصحيح. 

وعِلاجُ الأعطابِ الشّديدةِ أو الخفيفةِ بالكلام البليغِ أو النُصحِ المخلص لا يكفي، لا بد من إزالة أسباب الخلل، ومن إعادة الأوضاعِ إلى أسسها السليمة إلى فطرتها الأولى. 

{فِطْرَتَ اللهِ التِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيهَا لا تبْديِلَ لِخَلقِ الله} الآية 30 من سورة الروم. 

وقد راعني أن خلائق مقبوحةٍ انتشرت بين الناس دون مبالاة، أو مع إغماضٍ متعَمّدٍ فصارت جُزءًا من الحياة العامة، ومن هنا رأينا الاستهانة بقيمة الكلمة، ورأينا قلة الاكتراث بإتقانِ العمل، ورأينا إضاعة الأمانات والمسؤوليات الثقيلة، ورأينا القدرة على قلب الحقائق، وجعل الجهل علمًا والعلم جهلًا والمعروف منكرًا والمنكر معروفًا. 

إنّ قضية الأخلاق وما عراها من وهَنٍ أمرٌ جلَلٌ، إنك لا تستطيع بناء قصرٍ شاهقٍ دون دعائم وأعمدة وشبكات من حديدة، وتأمل في قول أبي تمام: 

وقد كان فَوْت الموت سهلًا فردّه
إليه الحِفاظ المُرّ والخلُقُ الوَعْر

إنّ ضمانات الخلُق الصلب في سيرة هذا البطل هي التي تعلو بها الأمم، وتنتصر الرسالات، وهي التي يستخذي أمامها العدو وتنهار الطّواغيت، وعندما ترى مُجتمعًا صارمًا في مراعات النظام، صريحًا في مواجهة الخطأ، شديد الإحساس بحق الآخرين، غيورًا على كرامة الأمة، مؤثرًا إرضاء الله على إرضاء الناس، نثق أنه يأخذ طريقه صُعُدًا إلى القمة. 

* * * 

وقد كان المسلمون الأوائل نماذج أخلاقية تجسَّد فيها الشرف والصدق والطهر والتجرُّد، ولذلك تصدِّروا القافلة البشرية عن جدارة، ولا غرْو فقد كانوا صُنْعَ الإنسان الذي وصفه الله بقوله: {وَإِنَّكَ لعَلىَ خُلُقٍ عظِيمٍ} الآية 4 من سورة القلم. 

أمّا اليوم فنحن نجري ونلهث وراء الشعوب الأخرى دون أن نصل إلى مستواها، لأن وزن الأخلاق عندنا خفيف، وارتباطنا بها ضعيف. 

في كثيرٍ من البلاد الإسلامية رأيت الوساخة في الطرق والبيوت أو في الملابس والأبدان، ورأيت الفوضى في سير الأشخاص والعربات ورأيتُ دوران الناس حول مآربهم الذاتية ونسيانهم المبادئ الجامعة والحقوق العامة، ورأيتُ انتشار اللغو والكسل وفناء الأعمار في لا شيء! 

الكذب في المواعيد، وفي رواية الأخبار، وفي وصف الآخرين أمرٌ سهل! 

ثم تحوُّلُ الآداب إلى قشورٍ يطلُّ من وراءها الرياء، بل إن الرياء - وهو في الإسلام شرك - يكاد يكون المسيطر على العلاقات الاجتماعية والباعث الأول على البذخ في الأحفال والولائم والأفراح والأحزان. 

العجزُ الإداري قد يرجع إلى أسباب خلقية وعلمية، بيد أنّ الأسباب الخلقية عندنا أسبق. 
الفشل العسكري قد يرجع إلى أسباب نفسية وفنية وصناعية، بيد أنّ الأسباب النفسية عند العرب أظهر وأقوى. 

ويجزِمُ أولو الألباب بأن الساسة العرب والقادة العرب وراء كلِّ نصرٍ أحرزه اليهود خلال أربعين سنة. 

بل إن قادة اليهود صرّحوا بأن المكاسب التي أحرزوها تجاوزت الأحلام وسبقت الخيال! إنهم ما خططوا لها ولا احتالوا لبلوغها! إنها هديةٌ من الانحلال العربي ومن ضعف الأخلاق، إنها غنيمةٌ باردةٌ لخصومٍ يُحسنون انتهاز الفرص!.

وأيُّ فرصةٍ أغلى من أن يكون القائد العربي صريع مخدِّراتٍ ومسكرات، وأن يكون الزعيم العربي قد وصل إلى منصبه فوق تلٍّ من جماجم خصومه، ورُفات بني جنسه المدحورين أمامه. 

إنَّ هذه أعظمُ فرصةٍ لقيام دولة إسرائيل، لقد قامت في الفراغ المتخلِّف من ضياع الأخلاق لدينا، وتحوُّل المسلمين إلى أمم مقطعة، خَرِبة الأفئدة، مُخلدةٍ إلى الأرض، جيّاشة الأهواء، باردة الأنفاس. 

* * * 

إنني طُفت في أقطارٍ إسلامية كثيرة، فرأيت سطوة العُرف أقوى من سطوة الشرع، واتباع الهوى أهم من اتباع العقل! 

وللناس قدرةٌ عجيبةٌ في إلباس شهواتهم ثوب الدين. 

وأذكر أني كنُت في شبابي الباكر أغشى بيت تاجرٍ أرمني كي أُدرِّس اللغة العربية لأحد أولاده، وخلال سنة لاحظت أن هذه الأم لا ترتدي إلا ثوبين أو ثلاثة من نوعٍ رخيص ولكنه نظيفٌ وأنيق، وكثيرًا ما كانت تُعين الزوج في دكانه وهي على هذه الحال من قلة التكلف وتواضع الملابس، على حين كنت أرى الأسر الإسلامية في دنيا أخرى، ما تكتفي المرأة إلا بالعشرات من الثياب الغالية! 

ورأيتُ عرس يهودي يبني بزوجته - قبل قيام دولة إسرائيل - فلم أرَ ما ثيريُ الانتباه، وتذكّرت وصف حافظ إبراهيم لعرسٍ عربي: 

سال فيه النُّضار حتى حسبنا
أنّ ذاك الفناء يجري نضارا

قلتُ: ماذا تفعل أمتنا بنفسها؟ وإلى أين تسير؟ وما تلك الأخلاقُ والتقاليدُ التي تحكُمُها؟. 

اتصلت بي فتاةٌ عن طريق الهاتف وقالت: أرجوك أن تنصح الآباء ألا يَعضُلوا بناتهم، إن أبي ردَّ ثلاثة من الخُطّاب أتوا يطلبونني، والسنُّ تتأخر بي!.

قلت: لعل في دينهم أو مروءتهم ما يصرف النظر عنهم؟ 
قالت الفتاة في يأس: إن الإيمان والأخلاق آخر شيءِ يُنظر إليه! المهم المال والجاه! والحسبُ والنسب!.

ودرستُ أوضاع الزواج في أغلب البلاد الإسلامية، فوجدت النفاق الإجتماعي يُهيمن على السلوك: كم سيدفع لشراء الحلي والملابس، كم سيدفع لإقامة الأحفال والولائم؟

ثم هذا العريس المتقدم من أي القبائل؟ إذا لم يكن من الحزب النازي فلن يصلح لفتاتنا، ولو كان مخترع الأقمار الصناعية. 

إن الجماهير تغض الطرف عمدًا عن مسالك للشباب قبل الزواج، تذبح في أعراض، وتبيد فضائل، إلى أن يتيسر الزواج وفق المواصفات التي وضعها الشيطان.

وعندما تكون الرذيلة جزءًا لا بد منه في الحياة الاجتماعية فعفاءٌ على الدين، إنه سيكون عنوانًا لا مفهوم له، أو اسمًا لا حقيقة له، ولا معنى للمسجد بجوار ماخور.

إنني أتأذّى عندما تُزوّر الانتخابات في بلدٍ ما، لا لأن نفرًا من الشُطّار سوف يسرقون مناصب لا يستحقونها - وهذا وحده جريمة - بل مصدر الأذى مرور الكذب في هدوء، واستقرار شهادة الزور دون اكتراث، ويألف الكبار والصغار أن تُطمس الحقيقة دون نكير!

وأمةٌ تحيا بهذه الخلائق جديرةٌ بالموت.

* * * 

ما عرفته من تعاليم الإسلام ومن سيرته رجاله أن الدين والخُلق قرناء جميعًا، وأنه إذا صح الإيمان والعبادات التي فُرضت معه، ازدهرت الفضائل وتعامل الناس بنُبل وشرف.

لقد ورثنا ثورة كبيرة من الآداب النفسية والاجتماعية، يتدبرها المرء فيتساءل: إلى أي أفقٍ من الكمال والسناء ترفعنا هذه النصوص لو أننا اعتصمنا بها وحوّلناها إلى مسالك حية؟!

خذ هذه النماذج السريعة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الفحش والتفحّش ليسا من الإسلام في شيء، وإن أحسن الناس إسلامًا أحسنهم خلقا".

وقال: "إن الله عزّ وجلّ ليُعطي على الرفق ما لا يُعطي على الخرق، وإذا أحبّ الله عبدًا أعطاه الرفق، ما من أهل بيتٍ يُحرمون الرفق إلى حُرموا الخير".

وقال: "والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا".

وعن النعمان بن بشير: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخفق رجل - نعس - وهو على راحلته، فأخذ رجل سهمًا من كنانته، فانتبه الرجل فزعًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يحل لمسلمٍ أن يُروّع مسلمًا.

إن السلبية لا تزكّي فردًا ولا جماعة، والأمة التي تدور حول مآربها وحسب لا تزيد عن أعدادها من الدواب في الحقول، أو الوحوش في الغابات.

وهناك رذائل تتجاوز مقترفيها ويمتد أذاها إلى آمادٍ بعيدة، فالغش في الامتحانات أو السّلع أو المباني أو رصف الطرق، أو غير ذلك من شؤون الناس خاصة أو عامة، رذيلة مدمرة النتائج، وقد نفى النبي عليه الصلاة والسلام صاحبها من جماعة المسلمين "من غشّنا فليس منّا".

والواقع أن فُشوَّ الغش في مجتمعنا، وقلّته في مجتمعاتٍ أخرى هدَّ ركننا، وأضعف قوانا، وزعزع الثقة فينا.

وبعض الجامعات الكبرى ترفُض الإجازات العلمية الممنوحة من بعض معاهدنا لأنها لا تطمئن إلى قيمتها، كما أن بعض المستهلكين يرفض السلع التي نصنعها لأنه لا يطمئن إلى جودتها، أفيشرِّفنا هذا الوضع؟!.

وكما نفى النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يكون الغشاشون من الأمة نفى أن يكون الهابطون بأقدار الكبار، الجاحدون لمكانة العُلماء من الأمة "ليس منا من لم يوقِّر كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه".

والحقُّ أن فواجع رهيبة أصابت المسلمين بسبب غمط الأذكياء وتقديم الأغبياء، والعرب يرجِّحون عصبية الوطن والنسب على الكفاءة العلمية والإدارية، والمستبدون من الحكام يقدمون مشاعر الزُّلفى والمَلَق على القدرة الرائعة والخبرة الواسعة.

وقد كنتُ أُوازنُ بين قادة الشيوعية والصليبية من ناحية وقادة المسلمين من ناحيةٍ أخرى فأشعر بغضَّة، القومُ يقدمون أعظم من لديهم ونحن نقدم ما تيسَّر!!.

* * *

والأخلاق ليست شيئًا يُكتسب بالقراءة والكتابة، إنها درجةٌ تُكتسب بالمعاناة الشديدة، كيف تنتقل من أدنى إلى أعلى؟ كيف تنتقل من الطراوة إلى الصلابة؟ والمرء في هذا الميدان يصنع نفسه، وهو أدرى بما يُشينه من كسلٍ أو بخلٍ أو خوف.. الخ، فيرسم طريق الشفاء ومراحل الخلاص منه.

على أن للجماعة الإنسانية دخلًا كبيرًا في إدراك هذا النجاح، وقد علمنا أن هناك بيئات تُنبت الذل وأخرى تُنبت العز.

وكان في الإمكان أن تتألف جماعات أو مدارس أو طرق لهذه التزكية المنشودة، بيد أن رجال الطرق ليدنا اعتمدوا على أوراد وبدع لا خير فيها، وفقدوا المقدرة العلمية والعملية على التسامي بأنفسهم وبالأجيال.

وكم كنت أود لو وُجد الأستاذ المخلص الذي يتعهد بالناشئة ويبصر ميولهم ومسالكهم، فيقوّم ما أعوج بأناة، ويصلح الأخطاء بمحبة، ويحل العقد النفسية، ويُنشِّط الملكات الذكية، وعصرنا لا يسمح بوجود هذا الأستاذ، لأنه أوقد جذوة التنافس بين الناس وبغَّض لكل امرئ وضعه، فهو لا يبقى إلا ريثما يتحول عنه إلى منصبٍ أعلى.

ويغلب أن ينتقل هذا الأستاذ من منصبه العلمي إلى منصب إداري أحظى لدى الناس، فلا يبقى في ميدان التربية الحقيقية إلا من فاتته القافلة وأكرهته الأيام على البقاء.

* * *

والأخلاق لغة عالمية تتفاهم بها الشعوب على اختلافها، وربما اختلفت تقاليدٌ وأحكام، لكن الأخلاق تظل مرتكزة إلى ما أودع الله في الفِطر من تحسين الحسن وتقبيح القبيح.

ونحن نعلم من ديننا أن من أركان النفاق الكذب في الحديث، والخُلْف في المواعيد، والخيانة في الأمانات، والغدر في العهود، والفجور في الخصومات.

والناس في المشارق والمغارب ما ينكرون شيئًا من هذا، وما يحترمون كاذبًا ولا غادرًا.. إلا أننا نُلفت الأنظار إلى حقيقةٍ لها خطرها، إن الأخلاق في أرضنا تتصل اتصالًا وثيقًا بالإيمان، فإذا اهتزت العقيدة ظهر النقص، ونجم الإثم، واضطربت الأمة كلها.

وقد أصابنا الاستعمار العالمي في صميمنا عندما أوهَى الإسلام واستبعد إيحاءه في الحياة العامة، لقد تبع ذلك انهيارٌ خلقيٌّ محزن، وميوعةٌ لا تستقر فيها على شيء.

ربما كانت للقوميات الأخرى فلسفات تتمساك بها، أما في دار الإسلام فإنه مع استبعاد الإيمان ومواثيقه وشعائره انحلت الأفراد والجماعات على نحوٍ لم تعرفه بلادٌ أخرى، وتبجحت الخيانة، وفجر الأقوياء، ولصق الضعاف بالحضيض، وصار طلب الخبز النداء الأول، وارتضى الكثيرون أن يفوزوا من الغنيمة بالإياب.

ولكي يعود سلطان الأخلاق إلى عرشه يجب أن يعود اليقين إلى الأفئدة، وأن تألف الجماهير الصلاة، وأن تنتصر الفضائل على الشهوات، وألا يُحترم كذوبٌ أو يتقدم مفرّط.

وأرى أن يتم تصنيف الأخلاق وفق مقتضيات العصر، فهناك أخلاق تُشرح بدقة في التعامل بين الحكام والجماهير، وأخرى بين الجنسين في شتى الميادين، وأخرى بين العمال وأصحاب العمل، أو بينهم وبين العمل نفسه.. وفي الإسلام مددٌ لا يغيض لهذه الغايات كلها.