في سبيلِ الحرية



في كلِّ يومٍ وأثناءَ كل معركة، كُنتُ أراهم يختصِمون فيما بيْنهم، يتكلّمون عن الحريةِ وعن العدالة، يتكلّمون عن كسرِ أغلالِ الذُلِّ والمسكنة، وكنتُ دائمًا أتساءلُ؛ لِمن سيُقدّمون أرواحهم؟

جوارِحي أبد الدهرِ ساكنةٌ في موضعها، لا تتحرك إلَّا إذا لمحتُ فريسة.

كُنتُ فوق الشجرِ أطّلِعُ على ساحاتِ الوغى، ذلك الجيشُ الذي كان يُرعبُ كلَّ من في الأرضِ إذا ما تحرّك، كنتُ أراهُ يكتسِحُ كلَّ من في طريقه، كُنتُ أعلمُ في قرارةِ نفسي أنَّهُ سيحينُ موعِدُ المواجهةِ بيني وبينهم، إلَّا أني جهِلتُ دافع الحربِ أو ميعادها.

في ذلك اليوم، وفي تلك اللحظةِ التي قرّرتُ فيها النُزولُ من أعلى شجرةِ الصّنوْبر والتقدُّم نحو هؤلاءِ الثُّوارِ المساكين، علِمتُ يقينًا أنّهُ قد آن الأوان، في أيّامٍ كهذهِ أكونُ سعيدًا فرِحًا ومسرورًا، ولكن في هذا اليوم كنت غاضبًا بشدة، كنتُ غاضبًا لأني رأيتُ الثُّوار يتكلمونَ عن الحرية بلا توقُّف ومع ذلك هم يجهلون كنهها، ومع هذا هم مُستعِدُّون للموت في سبيلِها.. آه لو استطعتُ على نفسيِ كبح جِماحِها، آه لو استطعتُ العودة إلى شجرةِ الصّنوْبرِ تلك، لكن الأوان كان قد فات عندما وجدتُ نفسي فوقَ الخيلِ مُتقدِّمًا في ساحةِ الوغى مواجهًا جيشَ الرُّعبِ وحدي!

تحتَ المطرِ كُنتُ أمُرُّ مُقتحِمًا الأسوار الليّنة التي شيدتها سنابِلُ الحقُولِ الصفراءِ بنفسِها، كُنتُ إذا ما نظرتُ خلفي رأيت الثُوَّار ببذلاتهم الزرقاء ينظُرُون إليَّ متعجبين، كُنتُ قادرًا على سماعِ هُتافِ بعضهم، كُنتُ أشعرُ بتشجيعاتهم، حتى تلك التي لم تخرُج هُتافًا ولكنها ظلّت في قُلوبِ أصحابِها راكِنة.. راكنةٌ تبغي الخروج!

ومن أماميِ جيشُ الرُّعبِ الأحمَرِ يرميني بالمدافع، لن أسقُط وإن سقط الحصان، أولئك الجُبناء.. إنَّ من يُرسِلُ قذائِفَ الحديدِ لتنُوب عنه ويتوارى عن نِزالِ السيفِ لن يُحسب في الرِّجال وإن بدا منهم، ولكن هل يفقهُ هؤلاءِ القومُ من هذا شيئًا؟

تلك قذائِفُ الحديدِ مرَّت مُلتهِبة، قطَعَت قدميّ الحصانِ فسقط ببدنِه على الأرضِ مُتدحْرِجًا، بوُصولِ القذائفِ الأخرى كنتُ أختبئُ خلف الصُّخورِ والسَّنابِلُ صارِخات؛ إليكَ عنَّا يا هذا فأنتَ تُفسِدُ سلامَ هذه الحرب! إليك عنَّا يا هذا فقد اقتلعت من بيننا قومًا وأحرقتَ من بيننا قومًا آخرين!

صُراخُ السَّنابِلِ امتزج بهُتاف الثُّوار، وهُتافُ الثوّارِ امتزج بصوت صهيلِ خيولِ جيشِ الرُّعبِ الأحمرِ التي كانت مُتقدمةً نحوي.. إنها فرصتي، سآكلهم.

أخرجتُ سيفي من غمده وتقدمتُ ماشيًا نحو تلك الفوضى، كُنتُ أمرُّ على أجزاءٍ وأطرافٍ وأعضاءٍ من أجسامٍ الحربُ أهلكتها، مشيتُ قليلاً نحوهم ثم نزعتُ عن وجهيِ حجابهُ فهو ظاهرٌ بِرُموزِ النّورِ الموشومةِ فيه، أظهرتُ وجهي إلى الملأِ ووقفتُ بسيفي مواجهًا، كنتُ أسمع صوت السِّهامِ من السماء نازلة، وكنتُ أسمع صوت أمواجِ البِحارِ المُزلزِلة، كُنتُ أعلمُ أنّ البِحار قد ابتلعت سُفُنَهم بعدما كشفتُ عن تلك الرُّموزِ في وجهي، كُنتُ أعلمُ أنّ الأمواج قد فهِمت إشارتي فأخذت جحافِلَ العدُوِّ نحو أعماقِ الموتِ الطّامي!

ضجيجُ الثوّارِ كان يقترِبُ من خلفي، لقد تذوّقوا من طعم الشّجاعةِ كؤوسًا بعد رؤيتي، فهم قد اعتادوا الصَّومَ عن مذاقِ الفضائِلِ كُلَّمَا غبتُ عنهم، كان الثّائرُ قادمٌ من خلفي، وكان الباغي قادمًا من أمامي، وكنتُ حامِلًا سيفي بينهم أنتظِرُ لحطة الصِّدام، وعندما صِرنا قابَ قوسين منها.. سمعتُ ذلك الصّوت مرةً أخرى، ورأيت تلك الرؤيا مرةً أخرى، وفي هذه اللحظةِ بالذّات.. عُدتُ من العدمِ إلى الوجود!

هذه قصة نشرتها سابقًا في منصة رقيم، يسرني أن تتابع حسابي هناك!

إرسال تعليق

2 تعليقات

  1. رائع ماكتبته..رأيت حسابك في موقع الأسك

    ردحذف
    الردود
    1. شكرا على كلامك الجميل والمشجع أخي، جزاك الله خيرا على اطلاعك

      حذف