سقوط بغداد.. من كتاب قصة التتار ج٤



سقوط بغداد..


اجتمع هولاكو مع كبار مُستشاريه في مجلس حرب أقيم في "همدان" الفارسية {في ايران حالياً} وقد أخذوا قراراً جازماً في إسقاط بغداد وغزوها، وقرر هولاكو أن يقسم جيشه لثلاثة أقسام، وهي :-

الجيش الأول:

وهو القلب والقسم الرئيسي من الجيش، وسيقوده هولاكو بنفسه، وستلحق به الإمدادات التي سيرسلها "باتو" زعيم القبيلة التترية، وكذلك ستلحق به الفرق المساعدة من مملكتي أرمينيا والكرج، وستكون مهمته حصار بغداد من الجهة الشرقية.

الجيش الثاني:

هو الجناح الأيسر لجيش التتار، وسيقوده "كبتغا" أفضل قواد هولاكو، وسيتحرك الجيش في اتجاه بغداد أيضاً ولكن من جهة الجنوب.

أما الجيش الثالث:

فكان هو الجيش التتري الرابض على أطراف الأناضول {شمال تركيا الآن} وكان قائده الزعيم الكبير "بيجو"، وكان على هذا الجيش أن يأتي هذه المناطق الشمالية في اتجاه الجنوب حتى يصل بغداد من جنوبها، ثم يلتف ليحاصرها من الغرب.

وبذلك تنحصر بغداد بين هولاكو شرقاً، وكبتغا من الجنوب الشرقي وبيجو من الغرب.


ولكن كان هناك مشكلتين كبيرتين أمام هذا الجيش الثالث:-

الأولىٰ:

أن عليه أن يضبط توقيته، فلا يصل قبل هولاكو، ولا بعده، وإن أخذنا بالاعتبار أن هذه التحركات تدور في زمن ليس فيه وسائل انتقال معلومة السرعة والدّقة، وليس فيه وسائل اتصال إلا عن طريق الخيول، ومع ذلك فقد وصل بيجو في التوقيت المناسب إلى بغداد، وهذه دلالة على دقته ومهاراته في الجيش الكبير.

المشكلة الثانية:

من المفترض أنها أكبر بكثير من المشكلة الأولى، وهي أن هذا الجيش -ليصل الى بغداد- عليه أن يخترق مسافة ٥٠٠ كم من الأراضي التركية، ثم ٥٠٠ كم أخرى في الأراضي العراقية، أي أن عليه أن يسير مسافة ١٠٠٠٠كم في أعماق العالم الإسلامي، وليس هنالك من يضمن لهم الحركة في أمان، وأقل المخاطر التي يمكن أن تواجههم هي أن يكتشف أمره فيفقد على الأقل -عنصر المباغتة- ويستعد له الجيش العباسي قبل وصوله.

أما المخاطر الكبرى فهي أن يجد مقاومة شرسة في طريقه المليئ بالتجمعات السكنية والعائلية، وكلها إسلامية فتوضع له الشراك، وتنصب له الفخاخ.


ولكن سبحان الله، كل هذا لم يحدث، لقد قطع "بيجو" بِجيشه ٩٥٪‏ من الطريق -حوالي ٩٥٠ كم- دون أن تدري الخلافة العباسية عنه شيئاً !!!

لقد باغت "بيجو" الخلافة العباسية على بعد ٥٠ كم فقط، وأكتشف العباسيون جيش "بيجو" تماماً كما اكتشفوا جيش هولاكو، عندما كان كلا الجيشين على مسيرة يوم واحد من بغداد!

إن تبرير اختراق «بيجو» الأراضي الإسلامية يحمل معه مصيبتين عظيمتين:-

الأولى:

غياب المخابرات الإسلامية عن الساحة تماماً.!

أما الثانية والأعظم:

فهي أن هناك خيانة كبرى من أمراء الأناضول والموصل المسلمين، حيث لم يحدث أي نوع من المقاومة لِجيش التتار، وسار الجيش التتري بهدوء وكأنه في نزهة.

خيانة عظمى من كيكاوس الثاني وقلج أرسلان الرابع أمراء الأناضول..
وخيانة عظيمة من "بدر الدين لؤلؤ" أمير الموصل، فهو لم يكتف بالسماح لهم بالعبور بل أرسل لهم فرقة مساعدة تساعدهم على "تحرير العراق" من الخلافة العباسية!!!


كيف كان الوضع في بغداد؟!

لقد كانت بغداد أشد المدن حصانة في ذاك الوقت، وقد دفع لتحصينها أموال طائلة، وكانت كل الحصون تحتاج إلى رجال، ولكن ندر الرجال في ذلك الزمن.


من كان على رأس الخلافة العباسية آنذاك؟!

كان اسمه كبير "المعتصم بالله" ولقبه كبير أيضاً "خليفة المسلمين"، ولكن أين مقومات الخلافة فيه؟!

عندما تقرأ عن وصفه في كتب السير مثل كتاب تاريخ الخلفاء للسيوطي، أو البداية والنهاية لابن كثير او غيرها من الكتب، تجدهم يصفونه بالعدل والطيبة.

يقول ابن كثير مثلاً "كان حسن الصورة، جيد السريرة، صحيح العقيدة، يحقق العدل ويكثر الصدقات ويكرم العلماء والعباد، وكان سنياً على مذهب السلف"

ولا أدري حقيقةً ماذا يقصد بانه كان على مذهب السلف!!
ألم يكن في مذهب السلف جهاد؟

ألم يكن في مذهب السلف إعداد وقتال؟

ألم يكن في مذهب السلف حمية ونخوة لدماء المسلمين التي سالت في فارس وأذربيجان؟

لقد افتقر الخليفة الى أمور لا يصح أن يفتقر إليها حاكم المسلمين، مثلاً:-

١- القيادة وعلو الهمة والأمل في سيادة الارض والانتصار على الإعداء ونشر دين الله.

٢- افتقر الى محاربة الفساد، فعم الفساد وطغى، وكثرت الاختلاسات من أموال الدولة وكثرت الرشاوي والوساطة وانتشرت أماكن اللهو في الفساد والاباحية والمجون بل وأعلن عنها صراحة، والراقصات الخليعات ما كن يختفين من هذا البلد الإسلامي بل يعلن عن أنفسهن صراحة!!


ماذا عن الشعب في بغداد؟!

لا تتوقعوا انه شعب ظلم بخليفة ضعيف، فالحاكم إفراز طبيعي جداً جداً للشعوب، «كما تكونوا يولى عليكم».

الشعب في بغداد كان ضخما يبلغ ٣ ملايين نسمة على الأقل، وقد كانت أكثر المدن ازدحاماً في ذلك الوقت، ولكنهم كانوا شعباً مترفاً، ألفَ حياة الدّعة والهدوء والراحة.. الملتزم فيهم اكتفى بتحصيل العلم النظري والصلاة في المساجد وقراءة القران.. ونسي ذروة سنام الإسلام ألا وهي الجهاد...
والتهوا في الدنيا وتنافسوا فيها ومنهم من شرب الخمر ومنهم من سرق المال وظلم العباد..

وفوق ذلك ظلوا ٤٠ سنة يسمعون عن للمذابح البشعة التي تتم لإخوانهم المسلمين في أفغانستان وأوزباكستان وباقي الدول المجاورة..

سمعوا عن سبي النساء المسلمات، وسمعوا عن خطف الأطفال المسلمين واغتصاب بنات المسلمين وحرق المساجد والمكاتب والمدارس وتدمير الديار، ولم يتحركوا!!!
فلا بد ان يكون الجزاء من جنس العمل.

"كما تدين تدان"

سيأتي يوم يذوق فيه هذا الشعب كل ما كان يحصل للمسلمين ، ولن يتحرك له احد كما لم يتحرك هو..

ولا يقولن قائل أن الشعب مغلوب على أمره ، فالشعوب التي تقبل بكل هذا الانحراف عن نهج الشريعة ولا تثور إلا على لقمة عيشها هي شعوب ليس لها أن ترفع رأسها!!

وبدأ الحصار.

يوم ١٢ محرم من سنة ٦٥٦ هجرية، وارتاع الخليفة وعقد اجتماعاً طارئاً.. على راْسه الوزير الخائن «مؤيد الدين العلقمي»
كيف النجاة وأين المهرب؟
«فنادوا ولات حين مناص»


وخرج من الاجتماع برأيين:

الأول والسائد: عقد معاهدات سلام مع التتار.
الثاني: وكان رأياً صادراً من «مجاهد الدين ابيك» و«سليمان شاه» واحتار الخليفة.. ثم استقر اخيراً على أن يجاهد!

ولكنه للأسف متردد ضعيف هيّن ليّن، والجهاد لا ينفع مع هذه الصفات، فهو ليس قراراً عشوائياً، فلا يوجد مجاهد بالصدفة
والجهاد إعداد وتربية وتضحية، ومشوار طويل في طريق الإيمان..
وخرجت فرقة هزيلة من الجيش العباسي يقودها «مجاهد الدين أبيك» لتلاقي جيش هولاكو المهول.

وبمجرد وصوله لقي أخبار أن جيش «بيجو» قد وصل، واكتشف متأخراً أنه محاصر من جميع الجهات.
وحصلت المواجهة عند منطقة «أنبار»، وللأسف هلك الجيش العباسي امام هذا الجيش التتري الكبير، ونجح التتار في حصار بغداد بهذه االسهولة.

فبقي الخيار الأول: وهو معاهدات السلام فارسل رجلين ليقوما بالمفاوضات وهما مؤيد الدين العلقمي الشيعي
واماكيكا البطريرك النصراني في بغداد.


 إلا ان الوفد الممثل للخلافة العباسية رجلين فقط!!
 فقط رجلين!!

ومن؟ شيعي ونصراني!!

ولا تعليق!!!

 ودارت المفاوضات السرية بينهم وطلب التتار أن يسلموا مجاهد الدين أبيك وسلمان شاه لأنهما ينادون بالجهاد وتضاربت الروايات إذا كان الخلفية سلم او لا..


 ورضي الخليفة بالشروط والمفاوضات واعتبر شروطهم البسيطة نصراً له اما الوعود فكانت:

١- انهاء حالة الحرب وإقامة سلام دائم بين الدولتين
٢- أن يتم زواج إبنة هولاكو من ابن الخليفة المعتصم بالله
٣- يبقى الخليفة على الحكم
٤- إعطاء الأمان لأهل بغداد جميعاً

في مقابل:-

١- تدمير الحصون العراقية
٢- ردم الخنادق
٣- تسليم الأسلحة
٤- يكون حكم بغداد تحت رعاية تترية.


موت عرفة!

لم ينتظر هولاكو وقتا طويلا حتى بدأ القصف والضرب والرشق بالنبال وبدأ القصف التتري سنه 656 هجريه واستمر 4 ايام

ويذكر ابن كثير: "وأحاط التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنبل حتى أصيبت جارية كانت تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه، وكانت تُسمى «عَرفة»، جاءها سهم من إحدى الشبابيك وهي ترقص، وانزعج الخليفة من ذلك وفزع فزعاً شديداً ثم أمر بزيادة الاحتراز والحرس، وكثرت الستائر على دار الخلافة!!


وأعجب من عدم تعليق ابن كثير عليه!!

فإن كانت الجارية حلالاً له وملك يمينه فلا يصح له أن يسهر ويلهو والخلافة والشعب يمرون بهذه الأزمة واستمر قصف التتار.. ففكر الخليفة وسأل الوزير الخائن مؤيد الدين العلقمي و اشار إليه أن يذهبوا إلى هولاكو ليجري مفاوضات أخرى واشترط التتار لحضور الوفد أن يأتي جميع الوزراء و أمراء الخلافه و العلماء وكبار الشيوخ و فقهاء المدينة..
و خرج الخليفه مع 700 رجل ذليلاً مهاناً  وقد فقد عزته وكبريائه!!


ولحظه وصول الوفد منعهم الحرس التتري من الدخول باستثناء الخليفة و 17 رجلا فقط، وأما الباقين فسيخضعون للتفتيش..
دخل الخليفه و 17 رجلا، وأما الباقين فلم يفتشوا بل قتلوا واكتشف الخليفة متاخراً خيانة التتار!!

وبدأت الأوامر الصارمة تخرج من هولاكو:

١-إصدار أمر بمنع الجهاد لأهل بغداد وسحب كل الأسلحة
٢-تقيد الخليفة وسحبه إلى بغداد ليدلهم على أماكن كنوز العباسيين والذهب والفضة.
٣-يتم قتل ولدي الخليفة أمام مرأى عينيه، فقُتل ولديه وأُسر الثالث، كما تم أسر أخوات الخليفة الثلاث.
٤-استدعاء جميع العلماء في بغداد، وخاصة الذين ذكرهم «مؤيد الدين العلقمي» وعلماء السنة.
وذبحوا على مرأى الجميع كما تذبح الشياه، ومن جملتهم «صدر الدين علي بن النيار » والشيخ المعروف «محيي الجين يوسف بن الجوزي»


ودخل التتار المدينة، وحرقوا البيوت والمساجد وقتلوا العدد الغفير منهم، وقُتل الخليفة بأشد الطرق إهانة وفوضى، فوضع على الارض وجاء ضباط التتار وبقوا يرفسونه حتى مات!!

تخيل الرفس والركل بالأقدام حتى الموت!!

واستمر القتل ولم تتوقف الإبادة ولم يتوقف الإجرام، بل استمر 40 يوما!!


كم سقط من بغداد في 40 يوم؟!

 مليون كامل سقط!! مليون كامل في 40 يوم!!


مكتبة بغداد:

 هي أعظم دور العلم في الأرض -بلا أدنى مبالغة- قرابة خمسة قرون متتالية، أسسها الخليفة البغدادي هارون الرشيد.
وقد كانت داراً للعلم حوت ملايين المجلدات في هذا الزمن السحيق، وملايين الكتب في مكتبة واحدة فيمن زمان ليس فيه طباعة.
ولقد حوت المكتبة عصارة الفكر الإنساني في الدنيا بأسرها، ولقد ترجمت في هذه المكتبة كتب مكتوبة باللغات اليونانية، والسريانية والهندية وغيرها الكثير.


ماذا فعل التتار بمكتبة بغداد العظيمة؟!


لقد حمل التتار الكتب الثمينة، ملايين الكتب الثمينة.. وفي بساطة شديدة لا تخلو من حماقة وغباء، ألقوا بها جميعاً في نهر دجلة!!!
لفد كان الظن أن يأخذوا الكتب إلى بلادهم وعاصمتهم ويقرأونها فهم من لا يزالون في مرحلة الطفولة الحضارية من هذا العلم النفيس، ولكن التتار أمة همجية لا تريد أن تقرأ ولا أن تتعلم، يعيشون الشهوات والملذات، لقد كان هدفهم في الدنيا تخريب الدنيا.

ألقى التتار بمجهود القرون الماضية في نهر دجلة حتى تحول لون المياه إلى الأسود من أثر حداد الكتب، حتى قيل أن الفارس التتري كان يعبر فوق المجلدات إلى الضفة الأخرى.


وهذه جريمة ليست في حق المسلمين بل في حق الإنسانية كلها، وقد فعلها الصليبيون النصارى في الأندلس في مكتبة قرطبة الهائلة!! وفعلوها في منطقة غرناطة فأحرقوا ملايين الكتب.
وفعلوها في الأندلس ثالثة ورابعة وعاشرة في طليطلة واشبيلية وبلنسيه وسرقطسه وفي الشام فعلوها، وكذلك في القدس وفلسطين.
ثم كررها المستعمرون الأوروبيون في القرن 19، ولكن كانوا أكثر ذكاءاً فقد سرقوها ولم يحرقوها..


كيف كانت نظرة العالم الإسلامي لسقوط بغداد؟!

كانت صدمة كبيرة ورهيبة لا يمكن استيعابها، فقد كانت أكبر المدن في العالم من حيث التعداد والمسافة، وأعظم دور العالم والحضارة، وفوق ذلك كله عاصمة الخلافة الإسلامية.

وتساءل المسلمون هذا السؤال الخطير..

ماذا يعني سقوط بغداد؟

ماذا يعني قتل الخلفية وعدم تعيين خليفة آخر؟!

وارتاع المسلمون..

 ماذا يعني دنيا بلا خليفة ولا خلافة؟!

لقد كانت صدمة حقيقة!!

وظهر عند المسلمين بعد سقوط بغداد اعتقاد غريب، سيطر عليهم حتى ما عادوا يتكلمون إلا فيه.
وهو «خروج المهدي قريباً ليقود جيش المسلمين لهزيمة التتار»!!

نعم المهدي سيخرج في يوم ما، ونعم سينزل المسيح وتقوم الساعة، ولكن لا أحد يدري متى بالضبط، فلماذا تظهر هذه الدعوات في مثل هذا الوقت؟

هذا ليس له إلا مبرر واحد.

لقد أيقن المسلمون أن لا طاقة لهم اليوم بالتتار وأحبطوا تماماً، وكان الحل هو انتظارهم لخروج المهدي!!

وهكذا ولا حول ولا قوة إلا بالله سقطت الخلافة العباسية، وكان أثر سقوطها مروعاً لدى المسلمون.

إرسال تعليق

0 تعليقات