عن كتاب "العبودية" أهم الأفكار التي طرحها شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته وبتحقيق من الاستاذ علي حسن عبد الحميد.

  

 معنى العبادة أو العبودية: 

      العبادة هي كل ما يحبه الله ويرضاه من أقوال وأعمال باطنة وظاهرة، وخصل وشيم إنسانية. وهي الغاية التي خلق لأجلها الثقلان، والرسالة الممتدة منذ الأزل حتى الأبد:" وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فأعبدون" الأنبياء، 25.
و تقترن العبادة بالحب والخضوع، فلا الخضوع بالعمل مع البغض عبادة ولا الحب الذي لا يرافقه الخضوع بذلك.
 وعن المعنى الشامل والعام للعبادة، يقول ابن تيمية، أن العبودية ليست صفة للصالحين والمتبعين لأوامر الله والمجتنبين لنواهيه بإخلاص فقط، فهي شاملة لجميع المخلوقات، فالله مدبر أمرهم والمتصرف فيهم، فهم عباده شاؤوا أم لم يشاؤوا ذلك، "أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات طوعا وكرها وإليه يرجعون" ال عمران 83

  

 وجوب الأمر بالمعروف:


ﻭ‍ﻣ‍‍ﻦ‍ ‍ﻋ‍‍ﺒ‍‍ﺎ‍ﺩ‍ﺗ‍‍ﻪ‍ ‍ﻭ‍ﻃ‍‍ﺎ‍ﻋ‍‍ﺘ‍‍ﻪ‍: ‍ﺍ‍ﻟ‍‍ﺄ‍ﻣ‍‍ﺮ ‍ﺑ‍‍ﺎ‍ﻟ‍‍ﻤ‍‍ﻌ‍‍ﺮ‍ﻭ‍ﻑ‍ ‍ﻭ‍ﺍ‍ﻟ‍‍ﻨ‍‍ﻬ‍‍ﻲ‍ ‍ﻋ‍‍ﻦ‍ ‍ﺍ‍ﻟ‍‍ﻤ‍‍ﻨ‍‍ﻜ‍‍ﺮ ‍ﺑ‍‍ﺤ‍‍ﺴ‍‍ﺐ‍ ‍ﺍ‍ﻟ‍‍ﺈ‍ﻣ‍‍ﻜ‍‍ﺎ‍ﻥ‍ ‍ﻭ‍ﺍ‍ﻟ‍‍ﺠ‍‍ﻬ‍‍ﺎ‍ﺩ ‍ﻓ‍‍ﻲ‍ ‍ﺳ‍‍ﺒ‍‍ﻴ‍‍ﻠ‍‍ﻪ‍ ‍ﻟ‍‍ﺄ‍ﻫ‍‍ﻞ‍ ‍ﺍ‍ﻟ‍‍ﻜ‍‍ﻔ‍‍ﺮ ‍ﻭ‍ﺍ‍ﻟ‍‍ﻨ‍‍ﻔ‍‍ﺎ‍ﻕ‍، ‍ﻓ‍‍ﻴ‍‍ﺠ‍‍ﺘ‍‍ﻬ‍‍ﺪ‍ﻭ‍ﻥ‍ ‍ﻓ‍‍ﻲ‍ ‍ﺇ‍ﻗ‍‍ﺎ‍ﻣ‍‍ﺔ ‍ﺩ‍ﻳ‍‍ﻨ‍‍ﻪ‍ ‍ﻣ‍‍ﺴ‍‍ﺘ‍‍ﻌ‍‍ﻴ‍‍ﻨ‍‍ﻴ‍‍ﻦ‍ ‍ﺑ‍‍ﻪ‍ ‍ﺭ‍ﺍ‍ﻓ‍‍ﻌ‍‍ﻴ‍‍ﻦ‍ ‍ﻣ‍‍ﺰ‍ﻳ‍‍ﻠ‍‍ﻴ‍‍ﻦ‍ ‍ﺑ‍‍ﺬ‍ﻟ‍‍ﻚ‍ ‍ﻣ‍‍ﺎ ‍ﻗ‍‍ﺪ‍ﺭ ‍ﻣ‍‍ﻦ‍ ‍ﺍ‍ﻟ‍‍ﺴ‍‍ﻴ‍‍ﺌ‍‍ﺎ‍ﺕ‍.
     وجوب الأمر بالمعروف والتقيد بالأوامر والنواهي عبادة لله وطاعته، وفي الباب قال بعدم موالاة الكفار والمشركين والملحدين وبين أصنافا منهم، ممن جعلوا العبد والمعبود واحدا أو عبدوا العباد دون الله، أو عبدوا الله بعبادة العبد أو جعلوا أنفسهم أصفياء ومختارين وتركوا أحكام كتاب الله وسنة نبيه. بل ولا يجب الإقتداء بهم وبأهوائهم.

التفاضل في الإيمان:

      أكمل درجات الإيمان الحب في الله والبغض في الله "من أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الايمان"، وبالحب تقوى عزيمة العبد وإقباله على العبادة والاتباع، والاجتهاد في ذلك. والعبد عبد لما أحب مقبل إليه، فإن كان الحب لغير الله من مال وأهل وما زينت به الدنيا، لم يخلص من همها وألمها قلبه.
وفي ذلك يتفاوت الإيمان في قلوب العباد ويتراوح إخلاصهم، وأتمهم إيمانا أتمهم عبودية لله عز وجل.
كما جعل التفاضل في الإيمان مرتبطا بالكبر والتعالي، وتعظيم الذات. " سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يومنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا"  الأعراف،146، وكذلك وصف فرعون وهامان.

       أما عبادة الله، فيناسبها التوكل عليه والخوف منه  والذل له، ولايناسب ذلك محبة غيره من الخلق، يقول الله عز وجل: "الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل". لم يشاؤوا ذلك، "أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها" آل عمران، 83
والتفاضل في الإيمان مقرون كذلك بترك إشراك غير الله عز وجل بالعبادة، ففي الصحيحين، عن ابن مسعود رضي الله عنه أن هذه الآية؛ ويقصد بها:"الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم المهتدون"؛ لما نزلت شق على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله! أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال: إنما هو الشرم ، ألم تسمعوا قول العبد الصالح:" إن الشرك لظلم عظيم" لقمان،13
والعبد يصل بقوة إيمانه السرور واللذة التي يشتهيها كل عبد، ولا يتحقق ذلك ويوافقه إلا تمام هذه النعمة، ورد في الصحيحين عن النبي صلى لله عليه وسلم أنه قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى به في النار" وفصل المؤلف ما جاء في الحديث، إلى تكميل المحبة، إذ لا تكفي المحبة، بل تفضيل الله ورسوله عما سواهما بالحب، ثم تفريعها فيحب في الله ما دونهم، فدفع ضدها وضد الإيمان.
والحب بالإعتقاد والقول دون الانصياع بالعمل لا يعفي العبد من الحساب عن تقصيره ولا يخول له فعل المعاصي والمحرمات و الركون إليها، "قل إن كنتم تحبون الله، فاتبعوني يحببكم الله" آل عمران، 31، بل وإن الله عز وجل ليحب من يتقرب إليه بالطاعات والأعمال الصالحة، كما في الحديث الصحيح: "من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة" والله يحب المحسنين ويحب المتقين والصابرين والتوابين ...