التشوهات الخلقية بين أسئلة إسلامية وإجابات قرآنية




السؤال

يقول تعالى:" لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم".: سورة التين الآية 04
ويقول أيضا:" وما ربك بظلام للعبيد". سورة فصلت الآية 46

فما هو أصل التشوهات الخلقية إذا كان الخلق قد تم في أحسن تقويم؟وما هو ذنب من ليس بمكلف أن يعيش محروما؟

التحليل:
الحمد لله العظيم الكريم والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين حبيب ربنا وسيد أصلنا ونسلنا محمد الصادق الأمين صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين أجمعين وسلم تسليما كثيرا، وبعد:إن الإنسان المسلم عليه التصديق الجازم بما جاء به القرآن الكريم والتأكد أنه يخلو من العيوب والنقائص والنقائض.. لكن عادة مانجد هذا النوع من الأسئلة لا يطرح على الصعيد الإسلامي فحسب وإنما تارةً من المشككين وتارةً من الملاحدة زعما منهم التسلل إلى ثغرات وعثرات الدين الحنيف.

لكن هذا لا ينفي أن الموضوع الذي تطرق إليه السائل هو موضوعٌ هام جدًا يغفل عنه الكثير، فهذه التشوهات الخلقية لها أسباب رئيسة ثلاث، سلوكية، موضوعية وأسباب غيبية.. نفصل في كل منها على النحو التالي بإذن الله:

الأسباب السلوكية:

فهي أول هذه الأسباب لأنها من صنع يد المرء وهو المتسبب الرئيس فيها والأسباب السلوكية هي جملة الأسباب المرتبطة بسلوك كلا الزوجين قبل الزواج من ذلك زواج الأقارب وزواج من لا يتماثل مع شريكه جينيا كذلك بعد الزواج الجماع خلال فترة المحيض لما ورد في ذلك من نهي شرعي في جملة من الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وعموم قوله تعالى:" ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن سورة البقرة الآية 222.

فهنا بات واضحا أن عدم مراعاة ما ينبغي قبل و أثناء الجماع يورث العيوب والعاهات لدى الأبناء وذلك لما ورد قوله صلى الله عليه وسلّم:" اصنعوا كل شيء إلا النكاح". .04: رواه مسلم في صحيحه، وروى أبو داوود عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه سأل رسول الله عليه وسلّم:" ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟. قال: ما فوق الإزار" رواه البخاري في صحيحه. وكما ورد من أخبار علماء الشيعة نسوقه استئناسا قولهم:" من جامع امرأته وهي حائض فخرج الولد مجذوما أو أبرصا فلا يلومن إلا نفسه." من كتاب مالا يحضره الفقيه (كتاب من مقاصد التشريع عند الشيعة وهو بمثابة الصحيحين عند أهل السنة) للإمام جعفر الصدوق.

- فهذا أصل الأمر وبدايته إذ وجب على كلا الزوجين الاهتمام والعناية بهذا الأمر لأهميته وخطورته وتحريمه الذي لم يولد من عدم، فتبعا لذلك أثبتت الدراسات الحديثة أن الجماع خلال فترة الحيض يورث أمراضا جسدية خطيرة يصعب علاجها وتفسيرها رغم تطور العلم والطب في العصر الحديث، بالإضافة إلى عاهات وتشوهات تصيب الجنين مما قد يُسَبّبُ تخلُّفًا عقليًّا أو إعاقةً جسديّة –عافانا الله وإياكم-.. كما نضيف إلى هذه الأسباب سبب آخر رئيس و هو الهلع والفزع ورؤية مناظر مرعبة للمرأة الحامل خلال فترة الوحم الذي يؤثر أيضا على خلقة الطفل وشكل نموه.

وأما الأسباب الموضوعية:

 فهي جملة الأسباب التي يقتضيها النظام التام وعلاقة الأسباب بالمسببات لأن الحكمة تقتضي تفاوت الخلق فيعرف الفقير بوجود الغني ويعرف السقيم بوجود السليم كما يعرف القبيح بالجميل وذلك لأدل تبيان العبرة إذ لا يُعرف الناقص إلا في وجود الكامل.

وقد بين القرآن الكريم ذلك في عدة مواضع من ذلك قوله تعالى:" وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم درجات ليبلوكم في ما آتاكم إن ربك سريع العقاب و إنه لغفور رحيم". سورة الأنعام 165.

فخلق الإنسان خاضع لنواميس ثابتة وسنن إلهية محسوبة ومقدرة بدقة لأن التفاوت في الخلق مما تقتضيه الحكمة كما وضحنا ذلك آنفا، يقول تعالى في محكم تنزيله:" نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا". سورة الزخرف 32.

فلو خلقنا الله على هيأة واحدة وبنفس الخلقة بتساوٍ في الخلق ظاهرا وباطنا بحيث لا يوجد عاهة ولا عيب ولا نقص لانتفت حكمة الخلق والتكليف وإرسال الرسل للإدراك والتعرُّف على الخالق الجليل العظيم الذي قال:" وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"سورة الذاريات 56.. أي ليتعرفوا عليّ حق التعرف ويتقربوا مني أكثر فهنا يتضح عظمة الكبير المتعال الكامل ولا أكمل منه الجميل ولا أجمل منه والغني الذي لا يفتقر والإله الذي لا شريك له.

بالإضافة إلى ذلك نذكر أن أصحاب العاهات وإن سلبوا بعض النعم التي لا تحصى من الله تعالى إلا أنهم قد أخذوا تعويضا عن ذلك في الدنيا والآخرة من ذلك رفع التكاليف عنهم وإسقاط الحرج عليهم.

كما إن هذه العاهات والتشوهات ليس لها علاقة بصلاح الآباء وفسادهم وإنما هي مجموعة من الأسباب المتوالية إن صحت ولد الطفل سليما وإن اختل أحدها نتج عند الطفل تشوه خلقي كما ذكرنا سابقا، وإلا لكان كل إنسان صالح وجبت سلامة أبنائه وكل فرد فاسد وجب تشوه نسله وهذا المقياس لا يصح لأنه ينافي المنطق والعقل ولا يتناسب مع العدالة الإلهية التي هي أساس كل بناء.

وهنا نضرب مثلا لنفهم الصورة بشكل أوضح، فمثلا لو أن أحدا اشترى قمحا ليزرعه بأرضه وقام بسقايته، لكن هذه الأرض غير صالحة للزراعة والحصد على غير موسمه والماء غير صالح للسقي لتلوثه، فهل نقول نحصل على القمح المرجو؟ هذا إن حصلنا على القمح أصلا، لكن عكس ذلك لو أن أحدا اغتصب أرضا وزرعها بقمح جيد وماء عذب صالح للسقي وكانت الأرض خصبة فهل نقول هنا أن القمح لن ينتج لأن صاحب الأرض إنسان فاسد و الأرض مغتصبة والماء مسروق؟ .لا، وإنما كل الظروف والأسباب متاحة صالحة ومهيأة, لذلك وجب صلاحها على خلاف الأولى.

وإن المتطلع لهذه الفئة من البشر – المشوهين- لوجدها فئة قليلة لا تتجاوز الواحد من ألف شخص فيتأكد هنا أنه إنما خلقها الله تعالى لعظم حكمته سبحانه و لأخذ العبرة للبشر فيشكر الله على إتمام نعمته عليه، علاوة على ذلك فإن عيوب هؤلاء القلائل تحرك في نفوس الأكثرية الشفقة و الرحمة والمبادرة لمساعدتهم و إعانتهم، أما ما ذنبهم قبل التكليف فلا ذنب لهم ظاهرا لكنه مقتضى حكم الله تعالى وعين الحكمة وليس بقدح في عدالته سبحانه وتعالى بل لو قلنا بخلو الدنيا من هذه النقائص بعد التسليم بأنها دار ابتلاء وامتحان، نظهر أننا نقدح في حكمته وعدالته سبحانه وتعالى -معاذ الله-.

أخيرا الأسباب الغيبية:

 فهي زمام الأمر وأصله ولا تكاد تنفك وتنحصر وحدها دون السببين الأولين لنعلم ونفهم ونوقن أنها من مقتضى غيب الله تعالى والتي وجب علينا التسليم لها والإيمان بها قطعًا دون شكٍّ أو ريبٍ أو لبسٍ في ذلك، لأن الإيمان بالغيب هو من أعظم الموضوعات التي تطرق إليه القرآن الكريم ذلك أن الله سبحانه وتعالى لم يتطرق إلى أي موضوع قبل أن يتكلم عنه، وذلك في بداية كلامه عز وجلّ في سورة البقرة:" ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين".. فمن هؤلاء المتقون؟ " الذين يؤمنون بالغيب" سورة البقرة الآيتين01 و02 فجعل هذا الموضوع الهام استفتاح كلامه جل وعلا، وإذا قال المؤمن نعم نحن نؤمن بالغيب وعدالة الله لا شك فيها لكن كيف قد يحدث ذلك، فنقول أن المؤمن الحق لا يعترض كلامه لو ولكن لأنهما تعملان عمل الشيطان، زيادة على ذلك ماهو دورك كمسلم مؤمن مصدّق لتدبيره سبحانه إن كان هناك شك أو ريب في قلبك وخيّم على عقلك فكر متطرّف، أم أنك مؤمن بالكلام فقط؟ لا وكلا لست مؤمنا حتى توقن بذلك وتسلّم تسليما تاما كاملا بقدرة الله على الخلق ومنتهى حكمته في اختلاف الخلقة.

هذا مقال ضيف بقلم صلاح الدين امسلم، طالب جامعي ليسانس هندسة مدنية، طالب علوم شرعية.

يمكنك أنت أيضًا أن ترسل لنا مقالك ليقرأه آلاف القُرّاء، تفضل بزيارة هذه الصفحة لتعرف أكثر! 




إرسال تعليق

2 تعليقات