عن عبدُالله بن عباس -رَضِي الله عنه- قال: قال رسول الله صلىٰ اللهُ عليه وسلم:
"أقرأني جِبْرِيل على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهىٰ إلىٰ سبعة أحرف".


اختلف العلماء في تفسير هذه الأحرف اختلافاً كثيراً، على نحو أربعين قولاً، وأكثر هذه الأقوال متداخِل، نوردُ هنا ما هو ذو بالٍ منها:-

١- سبع لغات مِن لغات العرب في التعبير عن المعنىٰ الْوَاحِد، نحو:
أقبل وتعال وهلم وعجّل وأسرع.

واختلفوا في تحديد اللغات السبع،  فقيل:
أ- قريش، وهذيل، وهوازن، وثقيف، وكنانة، وتميم، واليمن.
ب- قريش، وهذيل، وهوازن، والأزد، وربيعة، وتميم، وسعد بن بكر.
وقيل غير ذلك.


٢- سبع لغات من لغات العرب نزل عليها القرآن.
-بمعنىٰ أنه نزل في جملته لا يخرج في كلماته عن سبع لغات هي أفصح لغاتهم-

وعلىٰ حد قولهم أن أكثره بلغة قريش، ومنه ما هو بِلغة هديل، أو ثقيف، أو هَوازن، أو كنانة، أو تميم، أو اليمن.

٣- أوجه سبعة من:

-الأمر والنهي، والوعد ولوعيد، والجدل، والقصص، والمثل
- أو مِن الأمر والنهي، والحلال والحرام، والمحكم والمتشابه، والأمثال.

٤- وقيل هي وجوه التغاير السبعة التي يقع فيها الاختلاف، وهي:-

١- اختلاف الأسماء بالإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث.
مثالُ ذلك قوله تعالىٰ {وَالٌذٍيْن هُمْ لِأمانَاتِهم وَعَهْدَهْم رَاعون}
قرئ (لِأماناتهم) بالجمع
وقرئ (لِأمانتهم) بالإفراد.


٢- الاختلاف في وجوه الإعراب:-
مثالُ ذلك قوله تعالىٰ {فَتَلَقْىٰ آدَمُ مِنْ رَبِّه كَلِماتٍ}
قرئ أيضاً بنصب (آدَمَ) ورفع (كلمات)
٣- الاختلاف في التصريف
مثاله قوله تعالىٰ {فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بين أسفارِنا}
-قرئ بِنصب (ربنا) علىٰ أنه منادىٰ مُضاف و (باعِد) بصيغة الأمر
-قرئ بنصب (ربنا) و (بعِّدْ) بصيغة الطلب
-قرئ برفع (ربنا) و(باعَدَ) بِفتح العين علىٰ أنه فعل ماضٍ!
وَمِن ذلك ما يكون بتغيير حرف، مثل (يَعْلَمُونَ) و (تَعْلَمُونَ)


٤- الاختلاف بالتقديم والتأخير
-إما يكون في الحرف كقوله تعالىٰ: {أَفَلمْ يايـءس}
قرئ {أَفَلمْ يَايَس} -وهي قراءة البزي عن ابن كثير-
-وإما في الكلمة كقوله تعالىٰ: {فَيَقتُلون وَيُقتَلون}
قرئ بالبناء للفاعل في الأول ولِلمفعول في الثاني
وقرئ بالعكس -بالبناء للمفعول في الأول وللفاعل في الثاني-

٥- الاختلاف بالإبدال:
-سواء كان إبدال حرف بحرف:
كقوله تعالىٰ: {وَاْنْظُر إلىٰ العِظَام كيف نُنشِزُها}
قرئ بالزاي المعجمة مع ضم النُّون -نُنشزُها-
قرئ بالراء المهملة مع ضم النُّون -نُنشرها-
- أو إبدال لفظ بلفظ:
كقوله تعالىٰ: {كالعهنِ المَنفوش}
قرأ ابن مَسْعُوْدٍ (كالصَوف المَنفُوش)
-إبدال مع التفاوت في المخارِج:
كقوله تعالىٰ: {وَطلْحٍ مَنضود}
قرئ (طلعٍ مَنضود) -مخرج الحاء والعين واحد، إذ أن كلاهما من حروف الحلق-

٦-الاختلاف بالزيادة والنقصان:
-الزيادة، كقوله تعالىٰ: {وأَعدَ لهم جناتٍ تَجْرِي تَحتَها الأنهار}
قرئ (مِن تحتها الأنهار) بزيادة (مِن) -وهما قراءتان متواترتان-
-والنقصان، كقوله تعالىٰ: {قَالُوا اتخذَ اللهُ ولداً} بدون واو
وقراءة الجمهور (وقالوا اتخذَ اللهُ ولداً)

٧- اختلاف اللهجات، بالتفخيم والترقيق، والفتح والإمالة، والإظهار والإدغام، والهمزة والتسهيل، والإلمام، ونحو ذلك
-الإمالة وعدمها في قوله تعالىٰ: {وَهَل أَتاكَ حَدِيث موسىٰ}
قرئ بإمالة (أتىٰ) و (موسَىٰ)
-وترقيق الراء في قوله: {خَبيراً بَصيراً}
-تفخيم اللام في {الطَلاق}
-تسهيل الهمزة في قوله تعالىٰ: {قد أفلح}
-وإشمام الغين ضمها مع الكسر في قوله {وغِيضَ الماء}

-وهذه السبع اختلافات تابعة للقول الرابع (وجوه التغاير السبعة التي يقع فيها الاختلاف)

٥- لا مفهوم للعدد سبعة:
أنما هو رمز لما ألفه العرب من معنىٰ الكمال، حيث يراد به الكمال والكثرة ولا يراد به العدد المعين

٦- القراءات السبع


الآن، كانت هذه هي بعض الأقوال التي نتجت عن اختلاف العلماء في مسألة المراد بالحروف السبعة، فما القول الراجح من هذه؟!

والقول الراجح هو القول الأول.. ويدل عليه ما جاء في حديث أبي كَعٍب رضي الله عنه إذ قال: قال النبي صَلىّ الله عليه وسلم: "يا أُبي، إني أقرئت القرآن، فقيل لي على حرف أو حرفين؟ فقال الملك الذي معي: قل على حرفين، قلت على حرفين، فقيل لي على حرفين أو ثلاثة؟ فقال الملك الذي معي: قل على ثلاثة، فقلت على ثلاثة؟ حتىٰ بلغ سبعة أحرف، ثم قال: ليس منها إلا شاف كاف، إن قلت: سميعاً عليماً، عزيزاً حكيماً، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بٍعذاب".


٢- ويجاب على القول الثاني: بأن لغات العرب أكثر من سبع، وأن عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم اختلفت قراءتهما وهما قرشيان.

٣- ويجابُ علىٰ القول الثالث: بأن ظاهر الأحاديث يدل على أن المراد بالأحرف السبعة أن الكلمة تقرأ على وجهين أو ثلاثة أو سبعة توسعةً للأُمة، والشيء الواحد لا يكون حلالاً وحراماً في آية واحدة.

٤- ويجابُ عن القول الرابع -على قوته-: بأن هذا وإن كان شائعاً مقبولاً لكنه لا ينهض أمام أدلة القول الأول.

٥- ويجاب عن القول الخامس: بأن الأحاديث تنص على حقيقة العدد وانحصاره، كما يدل عليه لفظ (فراجعته)

٦- ويجاب عن الرأي السادس: بأنه خلاف إجماع أهل العلم، حيث فرقوا بين القرآن -وهو الوحي المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للبيان والإعجاز- وبين القراءات -وهي اختلاف في كيفية النطق بألفاظ الوحي-

وكما أن القراءات المتواترة أكثر من سبع -كما ذكرنا في المقال السابق- وكما أنه لم يحصل تقييد بهذا العدد للقراءات إلا في فترة زمنية مُتأخرة.


حكمة نزول القرآن علىٰ سبعة أحرف:-

١- تيسير القراءة والحفظ على قوم أميين
٢- إعجاز القرآن للفطرة اللغوية عند العرب
٣- إعجاز القرآن في معانيه وأحكامه، فإن تقلب الصورة اللفظية في بعض الأحرف والكلمات يتهيأ معه استنباط الأحكام.