هذه قصّة قصيرة مُسْتوحاة من قصة حقيقيّة، القصة تُعطي نبذة عن مُعاناة المسلمين في تركستان الشّرقية التي احتلّتها الصين عام 1949 وحوّلت إسمها إلى مُقاطعة شينجيانج.

* * * * * * * * 

لم يكن الأمرُ أبدًا كما تخيّلتُه.
كيف يُمكن لإنسانٍ أن يفعل هكذا بأخيه الإنسان؟! وفي سبيلِ ماذا؟ ربّي وحده يعلم.

القصّة الكاملةُ لا يُمكن قصُّها في هذه الوُريْقاتِ، ولكن يُمكنني أن أحكي لك ما يكفي مُتجَنِّبًا التفاصيل الصّغيرة.

وُلِدتُ لعائلةٍ فقيرةٍ.
فقدتُ كِلاَ والدايَ وأنا لم أبلغ السّادسة.
أخذني جدّي إلى منزله في جنوبِ شينجيانج وهناك عندَهُ تربّيتُ.

تعلّمتُ اللغة العربيّة في مكتبةِ جدّي، حفِظتُ القُرآن هناك قبل أن أبلُغَ الرّابعة عشر، حفظتُ الشّعر والمتون قبل بلوغي العشرين. أذكُر كيف كان جدّي يسهَرُ معي لأعرِض عليه ما حفظتُ، أذكُر تلك الأيام كأنها البارحة، وأذكُر ذلك اليوم الذي قدِموا فيه.

كانت ليلة هادئة.. كُنت أحُضّر الشاي لنفسي ولجدّي لأنه كان يبدو أننا سنسهر مع المتون فقد قضيتُ نصف ذلك اليوم كاملاً أحفظُ في المكتبة.. ثُم بدون سابق إنذارٍ طُرِق الباب.. لكان من المتوقع أن يكون أحدٌ من عائلتنا، فقد كنُاّ جيرة، لو لم يكن الطرق بذلك الأسلوب وتلك الشدّة.. خرجتُ من المطبخ نحو الباب ولا يمُكن أن أنسى تلك النظرات التي رأيتها في عيني جدّي.. إقتربتُ منه بينما كان يقفُ لفتح الباب وهناك سمعته يقول: ألن يكتفوا؟ قلتُ في نفسي: من هم؟ ثُم فتحتُ فعرفتُ الإجابة..

- لدينا أوامرٌ بمصادرة كل شيءٍ له علاقة بالدين.
هذا ما قاله الشُرّطي.. وهكذا أخذوا المكتبة وكل ما كان فيها..
أخذوا كل شيءٍ له علاقة بالإسلام.. ومع الكُلّ شيءٍ أخذوا جدّي..

أذكر أن حياتي تغيرّت كُليًاّ بعد تلك الواقعة..
أذكر أني قضيتُ سنواتَ مراهقتي وشبابي أبحثُ عن جدّي..

كُنتُ قد بلغتُ الثلّاثين من عمري عندما طبقّت السلطات الصينية جميع إجراءاتها التعسّفية ضد شعبي.. شعب الأو يغور.. أذكر أول مرّةٍ أعلنوا فيها أن الصّيام ممنوع وأذكر كيف كان ردُّ فعل العامّة من عائلتي وخارجها.. كما أني لم أنسى تلك المرةّ التي أُخذتُ فيها إلى مخفر الشُرّطة فقط لأنهم علمِوا أنّ لديّ سبحة.. كانت الشيء الوحيد الذي استطعتُ إخفاءه عليهم يوم دخلوا عليّ أنا وجدي.

ما سأحكيه لك في السُّطور التالية قد لا تصُدّقه.. وقد تظنُّ أني أُبالغ.. وللكن إعلم شيئاً واحدًا.. ما يحدُثُ في تلك المعُتقلات أسوء بكثيرٍ مما عايشتهُ أنا.. أسوء بكثيرٍ مما سأحكيه لك.

* * *

كانت الساعة السادسة مساءاً، لم يكن قد مضى كثيراً منذ عودتي إلى المنزل من عملي كمدُرّسٍ في إبتدائية القدّيس ألبانز في نيويورك. كانت قد مضت سِتُّ سنواتٍ تقريباً منذُ أن تركتُ عائلتي في شينجيانج وهجرتُ إلى أمريكا، وبعد هجرتي بسنواتٍ قليلة طبقّت السُّلطات الصينية قوانين تعسُّفية أخرى تجاه شعبي.. قوانينٌ تتعلقُّ بالهجرة من شينجيامج.. ببساطة؛ لم يعَدُ بإمكان أحدٍ الخروج من ذلك المكان.. أدركتُ أنيّ كُنتُ محظوظًا لأني خرجتُ قبل هذا.. جلستُ على الأر يكة لأُشاهد التلفاز وإذا بهاتفي يرنُ.. نظرتُ إلى الرقم فلم أعرفه، وللكني عرفتُ أنه من خارج أمريكا.. عرفتُ أنهّ من الصين.

إلتقطتُ الهاتف واستجبتُ للمكالمة.. و ياليتني ما أجبتُ..
- إمّا أن تعود إلى الصين فورًا.. وإمّا أمرٌ سيء جدًّا سيصُيب عائلتك..
كان هذا كل ما قاله المتصل.. لقد كان الإتصال من الحكومة الصينية.

* * *

كانت قدماي ترتجفِانِ وأنا جالسٌ على مقعدي في الطّائرة.. أذكر نظرات الريّبة التي رسُمت في وجه الفتاة التي كانت جالسة بجانبي.. كُنتُ كالمخبول من شدة الفزع.. وقد كان حقًّا عليّ أن أفزع؛ فبمجُردّي نزولي من الطائرة إذا بي أرى سياراتٍ حكوميةٍ تنتظرني.. ومن المطار بدأت قصتي مع معتقلات غسل الدّماغ في الصّين..

* * *

الزنزانة الأولى التي وضعتُ فيها كانت ضيقة جدّا.. وللكنيّ كنتُ قادرًا على التعوّد عليها ففي الأخير هي لشخصٍ واحدٍ وقد كفتني..
قضيتُ يومين في الزنزانة بدون أن أتواصل مع أحدٍ من المعتقل أو خارجه.. كُنتُ مرّةً بعد مرة أسمع صرُاخ أحدهم.. كان ذلك يرُعبني، وللكنيّ تعلمّت منذ صغري أنه لن يصُيبنا إلا ما كتب الله لنا.. في الواقع، وقد لا تصُدّق هذا، ولكن إيماني بهذه الآية جعلني أُشفق على من قد يكون جلاّدي.

بعد انقضاء اليومين فتُح الباب ودخل رجلان وأخذاني إلى غرفةٍ أكبر قليلاً فيها كرُسيٌّ وطاولة.. أجلسوني على الكرُسيّ ثم وضعوا يداي خلف ظهري وقرنّوهما بالاصفادِ كما قاموا بربط قدماي بسيقان اللكرُسيّ.. بقيتُ على هذه الحالة أنتظر لماِ يقرب التسع ساعات.. وبعدها فتُح الباب فجأةً ودخل رجلُان بدا أنهما مُحققان.

وقف الأول على يميني والثاني على يساري..
- أتعلم لماذا أنت هنا؟
كان هذا سؤالُ المحقق الذي كان على يميني.. كان رجلاً قصيراً بوجهٍ بريءٍ ومرُيبٍ في نفس الوقت يجعلك
تشعر بأنه يُخبئ شيئاً ما.. شيئاً مرُعباً..
- لا سيدّي..
هذه كانت إجابتي بعد تحديقي قليلاً فيهما..
المحُقق الذي كان على يساري كان جامِدًا كالصخرة.. كان ضخم البدن أصلع الرأس ذو ملامح مرُعبة..
وكان ساكناً للغاية.. ثُم بعد لحظات سكونٍ طو يلة قال شيئاً..
- لماذا تؤُمن بالله؟ لا يوجدُ شيء حقيقيٌّ في الدين.. الأديانُ كلها كذبة..
كان هذا كلُُّ ما قاله.. ثُم بدا كأنه ينتظر إجابتي.. لم أعرف ما أقوله له صراحة وللكني قلتُ:
- لكُلٍّ وجهة نظرٍ سيدّي.. ثُم بدا وكأنه مهُتم لسماع أكثر فقلتُ: أنت سألتني ثم لم تنتظر إجابتي وأجبت على
سؤالك بجوابٍ تؤُمن أنه حقيقة.. وأنا أؤمن أنهّ ضلال.. لا أعرف ما أقوله لك وللكنيّ أعرفُ جيدًّا أنّ هذا
ليس مكاناً جيدًا ولا أسلوباً مناسباً لإجراء حوارٍ عقائدي..

سكت الرجّلُان قليلاً ثُم تكلمّ المحقق الذي كان على يميني بعدما نظر إلى زميله الضخم وقال:
- في الواقع سؤاله لم يكن ينتظر إجابة.. أما إجابته فهي تصريح منه إليك.. ونحن هنا لنعُلمّك كيف تؤمن بما قاله.. ثم اقترب منيّ وقال: أنت هنا في معقل الشيطّان.. ستتعلمّ كيف تكفر بالله.. وستخرجُ من هنا راضيًاّ بنفسك الجديدة.. هل تعي ما قلته جيدًّا؟

حدّق في عيناي بعد سؤاله هذا وحدّقتُ في عيناه.. لم يكن لديّ شيء أقوله بعد الذي قاله.. في تلك اللحظة تأكدتُ أن ما حكُي عن معتقلات شينجيانج وما يحدث فيها أمرٌ حقيقي.. وفي تلك اللحظة ملُِء صدري بدعوات تنُاجي اللل ل هّ.. اللهم أفرغ عليّ صبراً وثبتني وانصرني على القوم الكافرين.

* * *

بعد الاستجواب تم إلحاقي بباقي المساجين.. كانوا كلهّم مسلمين.. لقد كانوا شعبي.. شعبُ الأو يغور.. ووجدتُ كثيراً من أقاربي هناك.. كنُاّ نمُازج بعضنا كلُمّا التْحق بنا سججينٌ آخر نعرفه ونقول: صلة الرحِّم واجبةٌ في الإسلام أليس كذلك؟

* * *

كنُاّ نستيقظ على الساعة الخامسة صباحاً من فجر كل يومٍ لنقوم بالركّض في المعتقل لمدة خمسٍ وأربعين دقيقةٍ نكُرر فيها: الحزبُ الشيوعيّ خيرّ، بعدها نتناول الفطور الذي لم يكن أكثر من حساءٍ وخبز ثم نقضي ساعات اليوم التاّلية نلُقّنُ دروسًا في السياسة؛ كنُاّ نقرأُ كُتباً ومقالاتٍ تخص الحزب الشيوعي ثم نشُاهد فيديوهات لرئيس الصين شي جين بينغ ثم نقضي ساعات اليوم الباقية في الإنشاد.. كنُاّ ننشُدُ أناشيد وطنية نقول في بعضها: بدون الحزب الشيوعي لن يكون هناك صينٌ جديدة.

كنُاّ ممنوعين من أداء الصلاة.
كنُاّ ممنوعين من قراءة القرآن.
كنُاّ ممنوعين من صيام رمضان.

جعلونا نأكلُ لحم الخجنزير غصباً.. وعلمّونا أنه علينا أن لا نحمد الله وإنما علينا حمدُ الرئيس؛ شي جين بينغ. كل هذه الإجراءات كان لها هدفٌ واحد وهو غسل أدمغتناواستئصالُ هويتّنا الإسلامية.. كان هدفهم أن نخرج من المعتقل بفكرٍ جديدٍ وإيمانٍ جديدٍ يُخالف ما دخلنا به.. كان هدفهم أن نخرج باللكفر بعد أن كنُاّ قد دخلنا بالإيمان.. وقد نجحوا مع البعض في هذا.

هناك من خرج كافراً.. إنْ خرج حيًاّ.. بل كان وحده الكافر من يخرج حيًاّ من المعتقل.. أذكر العذاب النفسي والجسدي الذي مررتُ به.. أذكر أني صُعقتُ بكهرباءٍ يكفي شينجيانج كلها.. أذكرُ أنهم مرّة جعلوني أقف بدون ملابس عارياً كما ولدتني أمي مقابلاً جدار زنزاتي لساعات وبعض الحرُاّس يُحدّقون بي.. في تلك الغرف التي لا تحتمل أكثر من عشرة أشخاص كان يبيتُ أكثر من خمسين سجيناً.. كنُاّ ننام متُرّاصينّ.. بل كنُا ننام بعضنا فوق بعض.. كثيرٌ هم من ماتوا جرّاء الاختناق.. كانت هناك كاميرات مراقبةٍ في جميع
زوايا الغرفة.. وإذا ما سقط واحدٌ مناّ يحتضر فلا يمكن لأحدٍ الاقتراب منه لنجْدتهِ.. إذا ما اقترب منه أحدُنا كان يصدُر صوتٌ من المكبرات الموجودة في الغرفة ينهاه عن نجدته ويُهددّه أنه اذا اقترب فسيكون عقابه وخيم.

ولم نكن وحدنا في هذه المعتقلات.
كان هناك أطفالٌ، وكان هناك نساء.
أذكر ذات يومٍ أن أُمًّا انتحرت هي وابنتها في الزنزانة.. وعلمتُ أن زوجها كان عالماً في الدين وهو من أجاز لها الإنتحار..
كان الإغتصاب أمرًا شائعاً هناك.. إذا ما تم اعتقالُ رجلٍ وزوجته فيقومون باغتصاب زوجته أمامه ثم يغتصبونه أمامها.. كان العذاب شديدًا.. ألمٌَ يعجز القلم عن وصفه.. فالمدِادُ ينفَدُ والألم لا ينفد.. أيُحيطُ ما ينفَدُ بما لا ينفد؟

* * *

ما رأيته في ذلك المعتقل غيرّ نظرتي للحياة..
أنا الآن جالسٌ في شرفةِ بيتي الصغير في نيو يورك..
نعم.. تمكنتُ من الخروج.. تمكنتُ من الخروج حيًاّ..
ولا تقلق عليّ.. فقد خرجتُ مسُلماً..
وعندما خرجتُ من المعتقل وجدتُ أن شينجيانج تغيرّت وصارت كالمعتقل الكبير.. بل بالنسبة لي صرِتُ أعتبر تلك المعتقلات مُجردّ غرُفٍ في البيتِ الكبير..
رأيت كاميرات مراقبة في كل مكان في شينجيانج.. كان الجميعُ مراقباً..
إيّاك والصّوم.. إياّك وتلاوة القرآن.. إياك والإسلام..
رأيتُ مسُلمِاتٍ يتزوجن غصباً من صينيين ملاحدة.. كان هذا أمرًا جديدًا بالنسبة لي مع أن بعض معارفي أخبروني أن هذا الأمر ليس جديدًا بل هو موجودٌ منذ احتلال الصين لتركستان الشرقية.. أو كما صار اسمها بعد الاحتلال؛ شينجيانج.

هل يوجدُ مشهدٌ أشدُّ ألماً من رؤ يةِ عروسٍ تبكي دُموعاً منهمرةً كالطوفان من على خدّيها في يوم زفافها؟
هذا أمرٌ يحدُث إلا للمرأة المسلمة..

* * *

منذُ دخولي المعتقل الذي قضيتُ فيه أكثر من ثماني سنواتٍ إلى اليوم الذي خرجتُ فيها مُحطّمًا بل إلى هذه اللحظة التي أكتب فيها متُساءلًا: أين هم المسلمون؟

عندما كنتُ صغيراً علمّني جدّي أن الكفر قد استطاع القضاء على الخلافة الإسلامية.. وعلمّني أن ما نعُانيه من ألمٍ وتشرّدٍ هو نتيجة اندثارها.. وعلمّني أن هذا العصر فيه مسلمون ولكن لا يوجد فيه إسلام.. وعلمّني أن إحياء الإسلام في هذه الأرض وإعادة الخلافة هو واجبُ كلّ مسلم.. وعلمّني أن إحياءهَ يكون بإحياءِه في نفوس المسلمين.. ولكن لم يعُلمّني ماذا أفعل إن لم يوجد في الأرض مسلمين..

يا من يدّعون الإسلام أفيقوا فإن جحيم الأرض قد ازدحم..
يا من يدّعون حُبّ الرسول أفيقوا فإن لهيب الحرب قد التْحم..
هذا نداء لمن له قلب.. هذا نداء إليك أنت..
ألا إنّ سلعة الله غالية.. ألا إنّ سلعة الله الجنة!



 إشترك في قناتنا على تيليجرام!
أعجبك الموضوع؟ هل تُريد المزيد من المقالات المفيدة والممتعة؟
تفضل إذن بالإشتراك في قناتنا على تيليجرام
وستصلك كل المواضيع الجديدة على شكل رسالة نصية في هاتفك مباشرة!