بوستر الفيلم، مصدر الصورة

     بالنسبة للكثير من الشعوب الغربية فإن المنطقة المعروفة بالشرق الأوسط ماهي إلا مجموعة واسعة من الفوضى المستمرة والقابلة للتوجيه، في هذه المخيلة تنحشر الصراعات والحروب المدنية في مشهد رُعبٍ واحد يتمثل في الدخان المتصاعد من كل مكان والدمار الذي لا لون له، كصحراءٍ عدوانية لا نهاية لها، منطقة إستوطن العنف فيها بشكلٍ طبيعيٍّ لا مفر منه.

     الجهل بالتاريخ والإنكار الشبه تام للمسؤولية هو خطأ الإعلام الغربي الذي بجّل الإثارة والعناوين المختزلة على تلك الفوارق البسيطة، في الوقت الذي كان فيه العديد من سكان المنطقة بما فيهم أولئك الذي يعيشون في مناطق الصراع محرومون من جميع أشكال التغطية الإعلامية المجانية الملائمة مما غيّب صوت المواطن العادي بشكلٍ يُرثى له.

     هذا النقص المزدوج هو ما حاول صانعي الأفلام وعد الخطيب وإدوارد واتس معالجته في فيلمها الوثائقي الجديد "من أجل سما". مُلصق الفيلم يعطي صورة نمطية تظهرُ فيها امرأة أمام الرُّكام بوجه مضطربٍ تحمل ابنتها الرضيعة، سما، أول مولودة للخطيب والتي شكّلت بميلادها وسنواتها الأولى فيلما عن رسالة حب. سما، لقد صنعتُ هذا الفيلم من أجلك، تقول الخطيب، أحتاجك أن تفهمي ما كُنّا نُقاتل من أجله! تتمحورُ قصة الفيلم حول الحياة البائسة والمحزنة التي عاشتها عائلة الخطيب خلال الحصار الذي طال حلب الشرقية من طرف القوات السورية سنة 2016 حيث تضمّن عمل الكاتبة مجموعة من الشخصيات كفريق الأطبّاء والناشطين الذي يُديرون مستشفى مؤقت وأسرة واحدة من حيها الشيء الذي يُجبر الجمهور إلى الوصول لواقع الحرب المضطرب.

وعد الخطيب أثناء تصويرها للمباني المدمرة في حلب، مصدر الصورة

     هذا الفيلم هو الطريقة التي اعتمدتها الخطيب لتوسيع التغطية التقليدية لشعبها قائلةً أنّها لم تشعر أبدًا بأنّ القصص الإخبارية قد مثّلت سوريا وأنّه لا توجد نزعةٌ إنسانية في تلك التقارير الإخبارية التي عالجت الأحداث، فهي تتحدّث عن الحرب على أنّها مجموعة من الدبابات وجيشان يتقاتلان في الخطوط الأمامية، ولكن الأمر ليس كذلك أبدًا! الحرب السورية ليست عبارة عن طرفان متساويان يتقاتلان، بل هي مجموعة من الناس تُقاتل من أجل الحياة، من أجل حياةٍ أفضل، من أجل الحرية ضد جُيوشٍ تسعى لتدميرهم! إلا أن سرد القصة يحول دون الأبعاد السياسية للصراع في سوريا، حيث أن الخطيب إنعمست مباشرة في الحديث عن الصراع المدني والانتفاضات ضد الرئيس بشار الأسد.

     أولى مشاهد الفيلم تُظهر الخطيب كناشطة شابة ذات 18 سنة وهي تركب موجة الأمل البهيج الأولى في جامعة حلب أين كانت تدرس عندما بدأت الثورة، وسرعان ما بدأت بتصوير لقطاتٍ من الإحتجاجات بهاتفها ثم بكاميرا مستعارة إلى أن استقلت بكاميرا خاصة بها، ولكن سرعان ما تطورت الإحتجاجات في الحرم الجامعي وصارت سوداء وعنيفة أكثر، وهذا نتيجة ردة فعل النظام العنيفة حيث تم بعث الوحدات المتمردة إلى شرق حلب أين قررت الخطيب اتباعها مع مجموعة من المقاتلين الشبان والأطباء المتطوعين.

     في خضم حملة القصف المتصاعدة التي شنتها قوات النظام السوري وقوات الجيش الروسي قامت المجموعة بإنشاء مستشفى صغير مؤقت لإسعاف الجرحى.

     غالبا ما تكون مشاهدة الفيلم مؤلمة، لقطاتٌ من قذائف الهاون التي تسقط على المدنيين العُزّل، لقطاتٌ في المستشفيات أين يتجوّل الأطباء في أرضية مُلطخةٍ بالدّماء ويُكافحون من أجل إنقاذ الضحايا، سجّلت الخطيب كل هذا في كاميرتها التي تحملها في يدها رافضةً تجاوز كل تلك المشاهد المؤلمة والمروّعة، وقرار صانعي الفيلم في الإبقاء على هذه المشاهد كان متعمّدًا وخُروجًا مقصودًا عن الصورة التي ألفناها في الصحافة الغربية.

إن الأطفال يموتون، المستشفيات تُفجّر، والرّعب لا يزال مستمرًّا في أماكن مثل إدلب ـــ الخطيب. 


     كان هده الخطيب الأصلي من تصوير كل تلك المشاهد هو إدانة بشّار الأسد، فقد كانت تأمل أنّها ستكون مجموعة من الأدلة ستساعدها يوما ما في اتهام النظام قائلة: لم نعتقد أننا سنخرج من حلب أحياء، ففكرتُ أنّ أقل ما يمكنني فعله هو ترك هذا السّجل إلى حين يُقدَّم بشار الأسد إلى العدالة فيكون بمثابة دليلٍ على جرائمه. 



     صوّرت الخطيب أكثر من 500 ساعة، وتحتوي على مداخلات شخصية تشبه مذكرات الخطيب في غرفة نومها المؤقتة، ومداخلات لمؤيدي النظام، ولقطات الإنقاذ بعد القصف. 



     أحد لقطات الفيديو الأكثر إثارة تظهر في أهدأ لقطات الفيلم، عندما كانت الخطيب تحتضن مولودتها الجديدة، لكن هذا المشهد الشاعري سرعان ما اقتحمه صوت قذائف الهاون التي سقطت في مكانٍ قريب، قالت الخطيب: هناك الكثير من الغارات الجوية اليوم أليس كذلك؟ لكننا لم نُصب يااي! في مشهدٍ آخر لقظةٌ لسما بخدودها الوردية تُقابلها جثة بلون رماديٍّ لرضيعٍ ميتٍ من نفس عمرها.


أنا أعيشُ الصّراع كأُمٍّ وكامرأة ـــ الخطيب. 

تقول الخطيب: إنني أرى ذلك الطفل الرضيع ميتًا، وأفكر أنّه كان من الممكن أن تكون ابنتي سما في مكان ذلك الرضيع، كان من الممكن أن أكون أنا والدة ذلك الطفل الميت!

     تداخل العاطفة مع الرعب طيلة الفيلم يظهر مخاطر الصراع السوريّ بأبعاده الشخصية التي لا مفر منها، الناس لديهم موقفٌ غامض جدا حول سوريا والشرق الأوسط بشكل عام، يقول واتس، يشعر الناس أنّ الحروب - والحرب السورية - كالكوارث الطبيعية تجتاح دون سببٍ أو إنذار مسبق.

وعد الخطيب رُفقة ابنتها سما وزوجها حمزة، مصدر الصورة

     حمزة الخطيب - زوج الخطيب - كان همزة الوصل بين للعديد من المحادثات وهو الذي تولّى عملية إجراء المقابلات الإعلامية والمشاورات مع المتفاوضين، يقول حمزة الخطيب: لقد قضيتُ ساعاتٍ وساعاتٍ أتحدّثُ إلى الصحفيين، منظمة الصحة العالمية وهيئة الأمم المتحدة... إلخ، ولكنّي لا أعرف ما إذا كنتُ قد أحدثتُ تغييرًا، وقال حمزة في مقابلة له مع أحد المعارضين: لم يبدو أنّ تقارير وسائل الإعلام كانت تُحدث أي تأثيرٍ على الساسة وصنّاع القرار ويبدو أنّ المنظمات الغير حكومية كانت لديها فكرة عن الطريقة الصحيحة لحلّ النزاع لكنها لم تأبه لرغباتنا.

    طيلة النّزاع كان للناشطين والمتطوعين الشبان في المستشفيات طلبًا رئيسيًّا واحدا ولكنه لم يُلبّ أبدًا، قال حمزة: من فضلك إن كنت تريد المساعدة ما عليك سوى تجريد الأسد من قوته، بعدها يستطيع السوريون الإعتناء ببلدهم سوريا، ولكن بدلا من تحقيق هذه الرغبة تفاوض المجلس الدولي مع النظام، النظام الذي كان يذبحنا.

     أعظم خيبة أملٍ في رأي الخطيب هي الإجلاء القسري لمدينتهم سنى 2016 والتي شعرت أنه بمثابة هزيمة، كان هذا الألم أسوأ من كل ما عانيناه طيلة الحرب، قالت الخطيب، أن نترك وطننا بعد أن قاتلنا لأجله أمرٌ حطّم قلوبنا. لقد قال مفاوضوا الأمم المتحدة أنّهم أنقذوا حلب ولكنهم في الواقع قد طبّقوا رغبة النظام.

     تعيش الخطيب الآن في الولايات المتحدة كلاجئة هي وعائلتها، وهناك حظي الفيلم بقبول ونجاح كبيرين، مالم نتوقعه هو أنّ الناس بعد مشاهدتهم للفيلم يسألوننا: ماذا يُمكننا نفعل من أجل سوريا؟ تقول وعد الخطيب بصوتها المرتفع والمتحمس ردًّا عليهم: إنها خطة الخطيب لنشر الوعي حول قصف نظام الأسد للمستشفيات، ولمعالجة محنة اللاجئين السوريين أيضا.

     قال حمزة الذي لم يتمكن من ممارسة مهنته كطبيب بعد مغادرة بلاده: لا أحد يكبر وهو يحلم بأن يُصبح لاجئًا، وأضافت وعد: نُريد من الناس أن يفهموا أن كل لاجئٍ هو شخص له قصته الخاصة، هناك أسبابٌ وظروفٌ جعلتهم على هذا الحال، فرضت عليهم اللجوء، إنّه الفرار من الخطر، ورغبتهم في الحصول على حياةٍ أفضل لأنفسهم ولعائلاتهم.

     تواصل عائلة الخطيب دعوتها بشكلٍ صريح من أجل الإطاحة بنظام الأسد المجرم، آملين في العودة إلى بلادهم يوما ما، قد لن يحدث هذا قريبا، قد لن يحدث في خمس أو عشر سنوات ولكن علينا أن نؤمن بأننا سنعود، قالت وعد. وأضاف حمزة قائلًا: إذا سُمح لبشار الأسد بالفوز، إذا رفض العالم تقديمه للعدالة، فنحن نعيش في عالمٍ مُريع، لو أنّ لديّ رسالةٌ واحدة للعالم فستكون: لا تُديروا ظهوركم لسوريا! 



لا تُديروا ظهوركم للشام! 


هذا المقال هو ترجمة بتصرف لمقال: For Sama, Film Is a Surian Mother's Letter to Her Daughter
ترجمته الأستاذ زينب بوقفة، أستاذة اللغة الإنجليزية في جامعة محمد خيضر، بسكرة، الجزائر.

حقوق الترجمة محفوظة لمجلة يقظة الإلكترونية.