مصدر
   

    لا أرى فارقًا كبيرًا بين فتاة تزرع قنبلة في مقهى ميلك-بار، وطيَّار يلقي قنبلة على قرية أو يلقي بالنابلم على «منطقة محظورة ». 
 رمضان عبان، عن حرب استقلال الجزائر

       كلمة الإرهاب تكاد تكون من المصطلحات الأكثر شيوعا في نشرات الأخبار والمستجدات، وترتبط ارتباطا وثيقا بأمن الدول، إستقرار المناطق، حيازة الأسلحة، الهجومات المسلحة... إلى مجال الإستثمارات والسياحة.


 وأصبح لا يمر علينا شهر ويكتمل حتى نسمع بهذه الكلمة وتثير انتباهنا، والانتباه الذي توليه منابر الإعلام ومنصات التواصل.
بيد أن مصطلح الإرهاب، قد يختلف من حدث لآخر، ويتمدد معناه من جهة لأخرى فمن الإرهاب المحلي، إلى مصطلح عالمي أو كوني.

        لا يمكن حصر الإرهاب في عصر أو مكان أو فعل معين، مادامت الدول أو المؤسسات الدولية المهتمة بحقوق الإنسان وحفظ السلام  حتى الآن لم تتفق على تعريف محدد وموحد له، وذلك راجع لخصوصيات الأنظمة الحاكمة، وسياساتها في حفظ سيادتها والدود عن أمنها وأمن مواطنها. إلا أن الإتفاقات تدور حول مجموعة من الأفعال المحددة ضمن الجريمة الإرهابية، والتي هي في الغالب جرائم سبق أن ارتكبت عبر التاريخ، ثم حددت كجرائم إرهاب، والتزمت دول أو تنظيمات بالاعتراف بها كجرائم، إلا أن ما قد تراه تنظيمات ومؤسسات جريمة إرهابية قد لا تراه مؤسسة أخرى كذلك.

ولنا من التاريخ أمثلة، فإذا ما تذكرنا العنف والتخويف الذي تعرض له بنو إسرائيل أثناء حكم فرعون، من عقوبات جماعية بطرق لا إنسانية، وسوء معاملات لعائلات كاملة، قصد بث الرعب فيمن سولت له نفسه الخروج عن طاعة الحاكم المصري آنذاك، وجعلهم عبرة لغيرهم، قد يكون من جهة دفاعا عن وحدة مصر وردع للفتنة، ومن جهة أخرى إبادات طائفية وخنقا للحريات، علما أن القضية كانت ذات جانبين، سياسي وديني. لكن ما لا يمكن إنكاره أن المعنى اللغوي للإرهاب قائم في ممارسات النظام المصري الفرعوني.

وكذلك يتجلى الإرهاب بمعناه اللغوي في الحملات التوسيعية للدول سياسيا، واحتقار السكان الأصلين للاراضي المستعمرة، والأحكام الصادرة في حق ذوي الأفكار المختلفة من حقائق علمية أو دينية أو تمرد على الوضع الإجتماعي والإقتصادي.ومعروف أن بعض هذه الأحكام كانت مغلفة بدريعة العقيدة والدين، وهي في الغالب سلوكات ترهيب يمارسها الأقوياء على الضعفاء لم توصم بمصطلح الإرهاب، لكنها قائمة على معناه فعليا.

لكن ظهور مصطلح الإرهاب على العلن كان إبان الثورة الفرنسية، فكان الوسيلة التي أثبت بها رواد الثورة أفكارهم وحموا بها حركتهم من أعدائهم ومن الملوك والأرستقراطيين، فانتهجوا القتل العلن والعنف بكل أساليبه وبرروا ذلك بكون العنف مطلوبا لمكافحة القمع وحماية الحرية من الطغيان. وانتقل هذا الإرهاب من الثورة إلى نظام الحكم الإستبدادي والقمعي، الذي تمكن من خلال الترهيب من كبح شجاعة معارضيه.
          لكن يمكن تمييز الإرهاب عن الحروب بأن الأول يأخذ فيه الإعتداء اتجاها واحدا، سواء من فرد أو جماعة أو نظام، وينطوي على السرية والمفاجأة أحيانا، فقد اعتبر الطرف المتضرر من القصف الجوي على المدنيين إبان الحربين العالميتين عملا إرهابيا رغم كونه استراتيجية مخططة لها ضمن الحرب هدفها ترويع الآمنين، وبالتالي فهي بلا أدنى شك جريمة إرهاب. ولا زالت استراتيجية الترهيب هذه مستمرة لعصرنا الحالي فتحمل مصطلح "جريمة حرب" بدل "جريمة إرهاب".
ومن جهة هناك من يميز الإرهاب عن الحرب في كون الأخيرة تشنها الدول في وجه من هم أضعف منها، فيما يبقى الإرهاب  احد الوسائل التي تلجأ إليها الجهة الأضعف لتوصيل رسالة ما لجهة أكثرقوة عسكرية. وقريبا من هذا الوصف يأتي تعريف لينين للإرهاب بأنه صراع وحيد في مواجهة العمل الجماعي، كما أشار لمسألة ذات أهمية تتمثل في كون الإرهاب أمرا تافها وعديم المعنى مادام لايرتبط بجماهير الشعب. لكن في منظور من يرى نفسه مدافعا عن قضية مشروعة فإن عنفه بطولة وتحرير وحق مشروع، وهذا كان رأي المقاومين الجزائريين تجاه الإستيطان الفرنسي الذي شكل جزء من خطة الإستعمار، ورأي محاربي الإستيطان الصهيوني بفلسطين، والأمر كذلك بدول أخرى، بل هو حق الشعوب في الدفاع عن نفسها وتقرير مصيرها كما جاء في مواثيق دولية.

       يعطي بعضهم سمة الدولية للعمل الإرهابي إذا ماكان من نتاجه إفساد العلاقات بين الدول، ومثالا على ذلك إغتيال رؤساء ورجال دولة من طرف أشخاص لديهم جنسيات دولة أخرى، أو إغتيالهم خارج حدود الدولة التي ينتمون إليها، فتأخذ الجماعة إذا ما وُجدت، سمة الدولية وفقا للجريمة التي قامت بها.
ويصف البعض جرائما إرهابية بكونها تحت رعاية دولة ما والمقصود  أن تسليح وتجنيد وتمويل من يقوم بهذا الفعل الإرهابي تتكلف به دولة ما، سواء كان ينتمي إليها أو غير ذلك. وقد تختلف هذه الجرائم عن انتهاكات الحرب التي تنفذها الدول بشكل مباشر. لكن من الجدير أن نشير ادإلى أن أساليب العنف والترهيب التي تقوم بها الدولة عن طريق جهازها الأمني والعصابات المجندة لصالحها  في وجه أشخاص تحتمل أفكارهم وتوجهاتهم الصواب، قلما تصنف إرهابا، وفي أواخر القرن العشرين شكلت الأنظمة في كل من التشيلي والأرجنتين والبرازيل نماذجا عن ذلك، إذ يقول خورخه فيديلا عن الشخص الارهابي: «ليس فقط الشخص الذي يحمل بندقية أو قنبلة، بل هو أيضًا ذلك الشخص الذي ينشر أفكارًا مناقضة للحضارة الغربية والمسيحية.» وبذلك أعطى لنفسه الحق في التعرض لخصوم نظامه لما عرف باسم "الحرب القذرة" التي شهدت "اختفاء" الآلاف، كما تميز نظامه بالدكتاتورية والترويع لردع معارضيه، وحوكم على ذلك دون أن ترد رسميا كلمة الإرهابي لوصفه. 

مصادر:
الارهاب مقدمة قصيرة جدا، تشارلز تاوزند
الارهاب في ميزان الشريعة، عادل العبد الجبار