جولةٌ مع الخليفة -ج٤-


لقد كُتبَ على الخليفة عثمان أن يحمل مسئولية الحكم في ظروفٍ ليس لها على مر التاريخ نظير.
ومع تولي عثمان سدان الحكمِ،كان الصراع ما بين "العصر النبوي" و "العصر الامبراطوري" وبداية تخلل الفتن داخل المجتمع الإسلامي.

فكان اغتيال الخليفة عمر،إشارة البدء بمقدم عصرٍ جديد.

وبعد أن كانت الفتنة متوارية في جلبابِ الأمانِ والتقوى في عهدِ عمر،ظهرت إلى العلن في عهدِ عثمان،أدت به إلى أن يناشدَ أصحابه المتحوطين أمام بيته يدفعون عنه بطش المتمردين اللذين يترصدون له بالمرصاد،"أناشدكم الله،وأسألكم به،ألا تراق بسببي محجمة دم".

"أيها الناس لا تقتلوني،فوالله لئن قتلتموني لا تتحابون بعدي أبدا،ولا تصلون جميعًا بعدي أبدا".

ولكن الفتنة كانت تضطرم بالقلوبِ أشد من نار الهشيم، ومامنعه خطابه الأخير فيهم ولا خطاباته السابقة عن العدولِ عن ارتكاب الاثم الكبير، وعدم تلطيخ أيديهم بدماءه فتصبح لعنةً عليهم، فاغتيل عثمان (استشهد عثمان)، وعرجت روحه إلى بارئها، فذهبت شوقًا مستجيبةً للدعوة التي دعاها إليه رسول الله في الليلة السابقة إلى الفطور عنده"أفطر عندنا غدًا ياعثمان".

ووقعت الراية بيد عليٍ بن أبي طالب-رضي الله عنه-، ذاك الفتى أول من أسلم من صِغار السن، حينَ كان يعيشُ في كنف رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، سألهُ الفتى علي وهو ابن عشر سنين لا غير(ماذا أراك تصنع؟وأجابه الرسول-صلى الله عليه وسلم-إني أصلي لله رب العالمين.
وسألهُ علي:ومن يكون رب العالمين؟
فعلمهُ الرسول وهداه:إلــهٌ واحد،لاشريك له له الخلق وبيده الأمر،يحيي ويميت وهو على كل شئٍ قدير).
ومن ذلك اليوم وهو مع النبي لا يفارقه، يصلي معه حتى أنه لم يتغيب عن دار الأرقم، حتى إذا تمت هجرة النبي والمسلمين إلى المدينة، آخى بين المهاجرين والأنصار، وجعل لكل أنصاري أخًا من المهاجرين، حتى إذا فرغ -عليه السلام- رنا بصره تلقاء علي، فأجلسه بجواره وربت على كتفه وضمه إليه وقال "هذا أخي".

واشتد ريعان الفتى واكتسب طبيعة المقاتل"في أحسن صورها" حتى ذاع صيته في جميع الحروب التي خاضها، فقاتل المشركين وما تخلف عن غزاةٍ ولا مشهد قط إلا غزوة واحدة أمره الرسول بعدم الخروج إليها، ليكون خليفته على المدينة، ولما تململت روح البطل إزاء هذا التخلف أرضاه الرسول بقوله على ملأ من أصحابه بمقولةٍ تدمع لها العين "أما يرضيك أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ،إلا أنه لا نبي بعدي".

ونذهبُ إلى غزوة خيبر ونسمع ما قاله الرسول-عليه الصلاة والسلام- لأصحابه "لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه".
فكان الجوابُ، وتكملة الخطاب "علي بن أبي طالب"، ولم يكن يخطر بباله أن يكون هو المنشود، إذ كان يشكو رمدًا في عينيه، وما منعه ذلك عن الاستجابة لنداء الله ورسوله،فكان الفتح على يديه.

وهكذا نشأ على يدي ابن عمه وكافله، وتعلم منه مبادئ الخصال الحسنة.
هاهو ذا يخرج إلى سوق الكوفة، وهو خليفة للمسلمين وأميرًا للمؤمنين حاملًا أحد أسيافه الأثيرة لديه، الحبيبة إليه، عارضًا إياه للبيع قائلًا "من يشتري سيفي هذا؟فوالله لو كان معي ثمن إزارٍ ما بعته".



إرسال تعليق

0 تعليقات