عزيزتي نفسي ..
يتحججون بأنّها الدنيا و أحسُبُها أنا بالمسافةِ مع الله !
وحدَكِ رأيت كيف يكون البعد عنه، و وحدك من تذوقت حلاوة الطاعةِ و القرب منه !

 تسألينني لماذا أكتب لكِ الآن و أجيبُ استفسارك قبل أن أسترسل.. لعلّها حمّى الكتابة أصابتني لنتحاسب على شفا نصٍ مثقلٍ فقد سئمت الاحتدامَ معك على محاكم ضميري !

تنصحينني بأن لا أتحرّش بذاكرتي باحثةً عن أخطائك و أن أنفض عن يديّ آثار الحبر المتقطر و أن أضمم يدي إلى غفلتِك حتّى تخرج بيضاء من غيرِ سوءٍ و كأنّها معصومة ..
و أرفضُ نصيحتك و دعوتكِ لأنّني قِستُ فداحةَ ترككِ تتوغلين !

صحيحٌ أنّه لا أحد يفهم الحكمةِ من رفعي لقلمي هاهُنا حتّى أنتِ، إلّا ذاك الذي لم تعد دواخله تتسع لتضارب أفكاره فراحت تفيض على الورق  مثلي، كونهُ لا يتعرّف نزفَ النصوص إلّا من استنزفت النصوص قرطاسه !
لكنّني مع ذلك أكتبُ لنتدارَكَ سويةً ما وقعناَ فيهِ من ذهول !
أتذكرُّ بأنّه لما اهتّز قلبي، قلتِ بأنّه وقعَ في شِباكِ الحبّ.. لكنّي علِمت بعد غفلتِهِ، بأنّ الذي يحبُّ لا يقع بل تتزين جناحاه و يتوّرعُ صدرُهُ و تحسُنُ أخلاقُهُ و يسمو بهِما إلى منتهى سدرة التعفف و الكمال.. !

و فسّرتِ الحب يومَها بأنّه التعلّق بالآخر و الإنصياعُ إليه و الإحتواء لعيوبه و الصبر على شكايته و شوكاته .. فصدقتُكِ،
و رحتُ أشدُّ الوهمَ من ياقتِهِ و أجرّب فيه متاهاتهِ ، كيفما وجهنّي إليها مشيت فيها.. و كلّها لم تُفضِ إلى المخرجِ الذي توّعدنا به ، فتُهتِ أنتِ و تُهتُ بذلكَ معكِ ..
ثمّ  حين لمتُكِ في ضياعِنا، انتقصتِ سلوتي على مزاجيتّه و تقلباته .. و ألصقتِ العيبَ فيَّ، و عيّرتني في احتواءِ بلغَ ذُروتَهُ في الإلمامِ بآفاتِهِ و شوائبهِ و عاهاته لكنّه لم يستطع المضي في ذلك !

لكنّي حين التفتُ .. رأيتُ كيف  ترتبِطُ الروح بالروح على التَّسنُمِ و الرِفعة، و كيف تؤطِرُ الحب في مشروع بناءٍ للذاتِ و للأمة.. و كيف تخرُجُ بالواحد من دائرة الصبا إلى سعة البلوغ و من صبيانية المراهقةٍ إلى حُظْوَةِ الفكر !
حلفوا عليها و أعيدُ الحلف بذات اليمين " لإنّ لحظةَ الحلال الأولى تجبُّ ما قبلها من وهمٍ " و ما أصدق ايمانهم حين لفظوها و هم يتقدّمون لخطبةِ من انتفض لها فؤادهم ..
لأنهم عرفوا كيف يتنازلون عن الشبهات و عن الوقوع فيها، و فهموا الآية التي تقول ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا أنفُسهم لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) و أعطوها حقّ قدرها !

نعم أخطأنا يا عزيزتي و من منّا لم يفعل في دنياهُ هذه ..
 لكنّ الطريق إلى الله لا تزالُ مفتوحةً مُفضيةً إليه، فلا تفقدي أملك و لملمي أغلاطك و هيّا بنا إليه!
لا تستوقفيني يائسة،ً و إيّاك و القنوط من رحمته فإنّه من الشيطان !
ألم يقل (  قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) ..

فهاتِ يدك و عديني بأنّك ستظلّين راسخةً أمام رياحِ الفتن، فلا تفريط في الثوابت و لا تأويل للقيم، و لا تحويلَ للمسار..
و إن فتحنا هذا القلب للحب فسنصوم عن التواءاتِهِ تعففاً، و سنقوم ليلاً لامتلاكهِ دهراً و سنحافظ على ذلك تذكُراً و ذِكراً.. و لن نحيدَ عن ذلك و لن نميل، سنقيم سفينتنا متماسكةً فوق يمِ العواطف المتدفقة إلينا.. و سنشيّد من حولنا قصوراً غيرَ مستطاعةً محصنةً بالحياء و التمنع، لا يصِلُنا إلّا من وضعَ سعادتنا قبل سعادته و راحتنا قبل راحته، و توضأ قبل المسير إلينا، و كان شرطُهُ الجنّة و مهره القرآن و الصلاة، و هدفه معنا قوامةُ أمّة !

ألا عرفتِ يا نفسُ فالزمي !