مصدر


عندما يتساءَل أحدهم عن سبب الفساد المترعرع في بلادنا باستغراب، أنظر له بدهشة! وربما تنتابني الرغبة في قول التعبير الخليجي الشهير: «شين وقوي عين!»، والذي يعبر عن مدى وقاحة الشخص الذي وُجهَت له هذه الجملة القاسية.

يا سيدي الفاضل .. استيقظتَ اليوم في السادسة والنصف صباحًا، ارتديت ملابسك على عجل، وفتحت باب منزلك لتسقط في دوامة اليوم، التي تشبه دوامة الأمس .. تمر بهدوء على مديرٍ يصفع عامله الضعيف فتنظر للموقف بلا مبالاة وتمضي، تدخل المصنع الذي تعمل فيه، والذي هو مصنعٌ للأغذية، تُزوَّر تواريخ انتهاء الصلاحية أمام عينيك، وأنت توقع على أوراق المبيعات دون اهتمامٍ بما يجري، ثم تذهب إلى الجامعة التي يدرس بها ابنك الوحيد، تضع الكثير من المال هناك، ليلقى ابنك ذا الدرجات القليلة معاملةً خاصة، معاملةً ملكية!
ثم وبعد أن أكمل دراسته الجامعية تبحث له عن بعض الفيتامين المدعو بـ(فيتامين واو) ليجد وظيفةً مرموقة، حتى إن كان لا يفقه بها شيئًا أصلًا.

ثم تتساءَل وقد بدا الأسى على ملامح وجهك الكهل: «ما بال هذا البلد يغرق في الفساد؟!»
كان أحرى بك أن تتساءَل : «ما بال الفَسدَة أمثالي يُغرِقون هذا البلد؟» .. أم أنه الفساد الذي اعتدته حتى صار شيئًا عاديًا كأنه طبيعةً فطرية، اعتدته وكأنه شيئًا صغيرًا لا يؤثر!
مجيبًا على اعتراضات من حولك بقولك: «كل الناس يفعلون هذا!»
نعم، أوافقك في هذه النقطة تحديدًا، فباستثناء القليل، كل الناس فعلًا يفعلون هذا، أو أقل بقليل، وربما أكثر.
الغريب هو أن تتخذ من هذا مبررًا للفساد الذي يغرق أوطاننا، أو بمعنى أدق، مبررًا لأن تكون مشاركًا في هذا الفساد، بينما عليه أن يكون إحدى الكوارث التي ستهلكنا جميعًا عن قريب، هذا إن لم نكن قد هلكنا فعلًا –ببعض التفاؤل!-.

سيدي، لديَّ أنا قاعدةٌ تقول، أن كل ما بدأ بـ (كل) دون استثناءاتٍ فهو خاطئ! .. مما يعني –بطريقةٍ ما- أن حتى هذه القاعدة تُعد خاطئةً بدون استثناءاتها، والتي لا مجال هنا للحديث عنها، لكنني من هذا المنطلق، أقول .. أن كلنا مفسدون، بطريقةٍ ما!
إلا القليل، الاستثناء، الذي لا يتجاوز الواحد بالمائةٍ تقريبًا، مع بعض التفاؤل أيضًا.
سأكون ظالمة لو تجاهلت الاستثناءات، لكنني سأكون كذلك أيضًا إن لم أعترف بالحقيقة!
كلنا مبدعون، ومتميزون، في طرق الفساد والإفساد التي نمارسها يوميًا.
أما الصمت عن الفساد فهو أشد الفساد!

وبالمناسبة، أذكر أنني قرأت في كتابٍ أحببته للدكتور أحمد خيري العمري حديثًا قدسيًا يقول: أن الله عز وجل أمر جبريل عليه السلام بأن يخسف الأرض بقريةٍ فاسدة، فقال له جبريل: يارب، إن فيها عبدك الصالح فلانًا! فرد عليه الله تعالى: «به فابدأ»
فسأله جبريل: لماذا يارب؟! فرد عليه عز وجل: «إن وجهه لم يَتَمَعَّر يومًا فيَّ».
ورغم بعض الأقوال التي تضعف هذا الحديث، إلا أنه حقيقةٌ علينا معرفتها جميعًا، أو علينا تذكرها، لأننا نعرفها أصلًا.
ربما يكون هذا الحديث ضعيفًا، لكن الله تعالى ذكر في آياته النهي عن المنكر كثيرًا، مصحوبًا بالأمر بالمعروف، حيث قال تعالى: [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ...].

إنه الخير فينا، فطرتنا، وما قد جُبِلنا عليه منذ بداية الخلق، ألا نصمت عن منكر، أو أن نغضب لله حتى ولو بقلوبنا، وذلك أضعف الإيمان!
فماذا عمن لا تتحرك قلوبهم لما حولهم من منكرات؟ أيمكنني استثناؤهم من الجملة التي بدأت بـ (كُل)؟
في الحقيقةِ لا أستطيع ذلك.