"فالوطن يا سوسن ليس امتداداً لخطوط الطول و دوائر العرض على قطعة جغرافية محددة، بل هو الإنتماء الذي ينسُبُنا إلى أرضٍ دون غيرها، كقرارٍ مكين لم نتكوّن في رحمٍ سواه و لم نُسق من مرضعٍ غيره لبناً لا نستسيغُهُ إلّا منه و عليه، لهذا فنحنُ في حاجةٍ إلى الوطن حتّى لا نموت من الغُربة ويفرِدَ اليُتم على ذواتِنا جناحيه الكسيرين، فتَذرِيَنا الأشجانُ كأنّنا أعجازُ نخلٍ خاوية".
تتوقف ذاكرتي عند هذه الكلمات تحديداً، كلّما اسْتَرَقْتُنِي إليها اسْتَرَّقَتْنِي له و أسْرَتْ بروحي نحوه و عرجت بي إلى روحِه، فأزايِدُ في الشوق و أبالِغُ في ذكره و الدعاء لأجله، بأن يعود بيتَهُ سالِماً و يُقِرَّ اللهُ حنينِيَ إليه بغفوةٍ على حضنه و شمّ ريحه الذي يصدح بالوطن!
كانَ قدرا استثنائِياً لا يسَعُه الورق و لا تصِفُه الأقلام أن تزوجتُه مقاوماً، دينُهُ الإسلام و خُلُقُهُ الوطن بمهرٍ يعادِلُ رجولةً لا تستسلِمُ ولا تهدنْ ولا ترتجف، وقلبٍ لا يتّسع إلّا لفلسطين والقدس!
كنتُ قبلَه مثل أيِّ فتاةّ لها تخيّلاتها وتصوّراتُها حول فارِسِ أحلامها بحيثُ كنتُ أتّمناه طبيباً ميدانياً أو ممرضاً مُسعِفا مثلي في حربنا هذه، أشُدُّ من أزرِهِ ويسنِدُ لي ظهري في ميادين مسيرات العودة على حدود غزة.
لهذا ترّددتُ كثيراً حينَ طلبني "أحمد" من والدي سيما أنّي لم أكن أعلم بأنّه من المقاومة، لكن حين تهيّأت استخارتي عليه في شكل رؤية جميلة ارتاحت لها أواصِرُ نفسي، علِمتُ بأنّه قدري!
حدّثني في أوّلٍ لقاءٍ بيننا عن أهمّية تمحوِرِ حياتنا حول الله وكيف نقبل عليه ونسعى إلى الوصول إليه بخاتمة شريفة.
و باح لي عن حرقته لوطنٍ يُستباحُ ولا أحد يحرّك ساكناً وعن حقده اتّجاه الغاصبين والمتآمرين وخيانة العملاء وعن صمت بعض الأصدقاءِ.
كنتُ أختلس النظر إليه بين الفينة والأخرى أثناء حديثه.
شدّتني إليه ملامحُه الهادئة التّي تخفي ضجيج أفكاره المتناطحة، وحدّةُ نظرته التّي تكسِرُ وسامته بالهيبة و الوقار.
- أتظُنُّ يا أحمد أنّ ممرضةً مسعفةً مثلي، تلقي بنفسِها بين تطاير الرصاص و دوّي الإنفجارات، تنظُرُ إلى الموتِ بعينين جامدتين دون أن تهابه، بل تتمنى التداخل به حتّى تُكتَبَ شهيدةً تخشى شيئاً بعد ذلك؟! كلّا و ربي!
لكنّي يا أحمد، أخافُ الأمومةَ، أخافُها كثيرا!
أنْ أترُكَ برحيلي ذاكرَةً طافحةً بالقهر والوجع على صِغاري، تستعيبُ خطواتهم وتسقط طائرتهم الحالمة من سماء آمالهم إلى هاوياتٍ مُغرقةٍ من اليأس والفتور!
يكفيهم التيّتم من الوطن، أفأيّتمهم أنا كذلك؟!
لهذا السبب تحديداً اخترتُكِ أنتِ، فهل تختارينني بدوركِ، وتعقدين قرانَ أقداركِ إلى أقداري وأنتِ تقضين عمرك بين أن أختلِس معك لحظةً وأعود إلى جهادي، أو أن أزوركِ مستشهدا وقد قضيت نحبي في سبيل أرضي؟!
- نعم يا أحمد، أنا موافقة!
كانت مشاهد الشهداء والمصابين على الحدود تتراكم فوق بعضِها على مخيّلتي حتّى انقهرت.
كان هذا سبباً كافياً لأترك عملي بعد رفضي لمحاولات زوجي المتعددة لذلك!
بعد أسبوع من استقالتي، أتى إلى بيتِنا شابٌ نبيلٌ إسمه "حسن" رُفقة زوجته، أرسله زوجي من أجل أن يأخذنا إليه - أنا و أمي الحجّة أم أحمد -.
كان هذا أمراً متوقعاً أن يرسل أحمد بأحدٍ من جماعته إلينا، فعودته إلى البيت بعد حادثة التفتيش التّي تعرّضنا إليها مؤخراً أضحت مستحيلة، سيما بعد أن صار اسمه على لائحة المطلوبين لدى اسرائيل!
أوصلنا حسن إلى العائلة التّي كانت تؤوي أحمد و جماعتَهُ من المقاومين فتضارب قلبي، شيءٌ من الوله و الفرح اجتاحني، تآخذني مني إليه، صرتُ كالمجنونة أبحث عنه بناظريّ علّه يبدو لي فأسارع إلى معانقته.
استقبلتنا صاحبة البيت أيّما استقبال وهي عجوز في الستين - أم ياسر - فقدت أربعةً من أبنائها ولم تزل ثابتةً، مناصرةً على ما استشهدوا لأجله!
لمحت قلقي فبادرت بطمأنتي قبل سؤالي:
- "بدو يجي بعد شوي يا بنتي".
حين أطلّ بملامحه كدت ألّا أتعرّف عليه، طالت لحيته وغاصت عيناه وفقد الكثير من وزنه!
كنتُ أفكرّ في الاندفاع إليه لكنّي استحيت منه كثيرا فلم أبارح مكاني كما كنت أرغب وأتوّعد داخلي، و غلبت دموعي توّردَ وجنتي.
احتضنّ أحمد والدتّه و قبلّها و التفت إلّي.
و لسببٍ لا أعرفه لم أستطع رفع رأسي اتجاهه، و أشَحْتُ بعينيّ عنه وكلُّ روحي تتلّهفُ إليه!
اقتربَ منّي و جلسَ بمحاذاتي.
أمسك يدّي برقة بالغةٍ تستغربُها من يدين مملوئتين بالخدوش كيديه، و قبلّهُما و همسَ إليّ قائلا:
- افتقدتُّكِ سوسنة قلبي!
لأنفجر بالبكاء لحظتَها، حدّقتُ فيه طويلا، كنتُ أحبّه بهجسِ فقدانه في أيّة لحظة، بنظراتّ حبلى بمشهدِ استشهاده وأنا أقبّلُ جبينه وأواري ابتسامته إلى الثرى، فأشدُّه بقوّةٍ إليّ مخافة أن يضيع من أحلامي، وكان هو الآخر يُطالعني بنظراتٍ مشفقة وكأنّه يفهم ما ينتابني!
كان سعيداً باستقالتي، لكنّه بدا قلِقا علّي، فلم يكن أمرا اعتياديا بالنسبة إليه أن تخلّيت عن عملي بهذه البساطة.
فسألني ممازِحاً:
- هل قررت أن تصبحي أمّا أخيرا؟!
رمقتُه بنظرةٍ مشوبة:
- و من قال بأنّي لا أريد أن أصبح أما!
- هوسك بعملك يا ستِّ.
- و هل تظنُّ أنّك ستصبح أباً بعدما التحق اسمك بقائمة المطلوبين؟
كانت كلماتي تلك ثقيلة عليه لكنه استرسل قائلا:
- أنا لم أكن أريد هذا يا سوسن، كما لم أكن أريد أن يحدُّث كلّ هذا إلى الوطن، تعلمين بأننا لن نحرّره بعيش حياةٍ طبيعية تصمنا بالهوان و العار، سنضحي ببيوتنا وعائلاتنا وأرواحنا ودِمائنا ولن نتوقف عن هذا حتّى نتحرر، إن رفضت أنا التضحيةَ ورفضتِ أنت و رفض ذاك وذاك، فمن ذا الذي سيفكُّ عن القدس قيودَها و يسترجع لفلسطينَ سيادتها؟
أم هل سنرضى بمعاهدة سلامٍ تنصُّ بالعدلِ بين سارق البيت وصاحبه، و تضع الجريح في نفس الكفةَ مع مُقتنِصِه؟ مالذي يجري لك يا سوسن؟ ليس هذا ما تعاهدنا لأجله و قررنا خوض غماره معاً؟
صرختُ في وجهه مشتعلة غير مدركةٍ لنفسي:
- أنا لا أريد أن أخسرك يا أحمد، هل فهمت؟ لا يمكنني أن أتقبّل حقيقة أنّك ستموت في أيّة لحظة؟
- نحن لا نموتُ يا سوسن بل نستشهد.
و ختمَ حديثنا بجملته تلك و أوشكَ أن ينصرِف غاضِبا، إلى أنّ الأرضَ مالت بي فخررتُ مغشيةً عليها.
حين فتحتُ عيني لم أجد سوى العجوز أم ياسر بجانبي، لم أعرف عن ما سأسألها!
كنتُ مرهقةً و أشعر بالدوار، لكنّها فهمت عليّ وقاطعت نوبةَ أسألتي دون أن أنبس ببنت شفة و قالت:
- مبروك عليك يُمّاَ انتي حامل ومن تلت شهور كمان!
أكانت كل تلكّ النوبات بداخلي من الخوف و القنوط جرّاء حملي؟! و أنا التّي اعتقدتُ بأنّي بدأت أخسرُ ايماني بالقضية يوماً بعد يوم!
كنتُ سعيدةً جدا، أحسست أني أحملُ أمّةً لا جنيناً بثقلِ الحالِمين لا الحاملين!
كان أحمد ينتظرُنا في السيارة و قد أجهده القلق، ركبت السيارة مشيحةً عنه و كأنّي أتّخذُ موقفاً، و كان هو كالمسكين يلقي علّي بوابلٍ من الأسئلة و أنا صامتة لا أجيب!
لولا أن قالت الحجّة:
- يلا يا بنتي خبريه، حرام هيك الزلمة قلقان عليكي!
فأجبتُ ممازحة:
- خليه يمّا، لحتا يتعلم كيف بيحكي مع مرة حامل!
فسأل أحمد كالأبله الذي لم يستوعب الأمر بعد:
- ما فهمت كيف أنا مع مين حكيت!؟
إلا أنه سرعان ما انتبه، و شرع بالتكبير طيلةَ طريقنا من المستشفى إلى البيت، لم أر في حياتي أحمد سعيدا إلى تلك الدرجة، لم أفهم كيف يمكنه أن يجمعَ بين رّقته و لينِه و بين شدّته و بأسه، كيف يكون أرّق من الورد في بيته وأنا بين يديه وأعتى من الحديد في ميدان حربه والسلاح يلُّف ذراعيه؟
ليلتها جلسنا نتسامر حتّى الصباح، كان يتحدّثُ واثِقاً من أنّ الجنين سيكون ذكراً وسيسميه قصياً ليتقصّى خطواتِه نحو النصر والتحرير.


لكنّ فرحي أنا بقِيَ ناقِصاً، بلا سكينةٍ يتوكؤُ عليها ليثبتَ قليلاً فأحسّ به مُرهفاً من دون وخزِ، بلاَ نبضاتٍ متذبذبة تتزايد وتتناقص حسب مغامرات أحمد ومواقفه، بمقياسِ هلعٍ يتحكّمُ بتنفسي في إحدى مطارداته، و يسبغُ شفتيّ بلونٍ أزرقٍ يشي بإختناقِ أحلامي برفقته، و لا أملَ من إنعاشي إلّا بصمتٍ خاشعٍ يترّقبُ إمساكه من إفلاته من استشهاده، بلا رغبةٍ في فعل أيّ شيء إلّا بعد سماع خبر مطمئنٍ عنه! 
كنتُ فقط أوّد أن أتوقف عن هدرِ حياتي على مقعد انتظار كهذا، و أنا أتأرجح بين أمل عودته و ألم فراقه، مترنّحة بينهما كقارب هش، دخل العاصفة و أخذ يتسائل عن مفره؟
الأمرُ سهلٌ حين يتعلّقُ بك وحدك، فليس الموت ما يتلاعب بأعصابي المتلفة، لكن المسؤولية التّي تقيّدك بروحٍ لا حقّ لك في تقرير مصيرها هي من تفعل ذلك! 
أُحِسُّنِي فوق أرجوحةٍ متهالكة يحرّكها الترّقب على هاويةٍ متضادةٍ بين يأسٍ سحيق وشرفٍ سرمدي، تَسِمُكَ السقطةِ فيها بالترمل والفخر، فتضيعَ بين معنيَيْن أحلاهُما اعتزاز وأدماهما ترحٌ مكابر، تغلبُهُ أمام عدوّك و يتمكنُّ منك أمام نفسك! 
فأن تكوني زوجة مطارد فاحتمال تفجيرك أو أسرك و التحقيق معك وارد، ونسفُ بيتك بمن فيه مسألة وقت فحسب، إنّها مسؤولية متشعبّة الجذور، متداخلة الزوايا، كثيرة الخبايا و الخفايا، ومموّهة الخطوط، مترابطة بين التضحية والانتظار والإختباء والأنوثة والسجن والإنجاب والوطن، كمتاهة بمخرجٍ واحد، كلّ تفرعاتها تؤدي إلى الشهادة ومنه إلى الجنة بإذن الله، فليزمُكَ صبر عظيمٌ لفكّها و التعامل معها!
مطارداً حتّى إذنِ ربّه بلُقياه!


أيّ شقاءٍ وجدانيٍّ هذا الذي امتحنت به، أن تزوجته مطاردًا يتأهبُّ المغادرة في أيٍة لحظة بين طلقةٍ ودوّي انفجار، وبين وشايةً ومداهمة وحصار، يتقاذفك من السجون إلى القبور ما عدا الإفلات الذي يتمنّع عن زوبعة أفكارك المسودة، يخافُ أن يمنحك بريقاً زائفا، فتتعوّد عليه في خطواتك، حتّى اذا ما انطفأ، هزمك التيه على طريق لا تزالُ طويلة!
الفاجعةُ لا تكمنُ في كلّ الذي ذكرت وإنّما في السماح لهذا القنوط الذي يتَغَشّى مشاعري وتفكيري أن يندلِقَ من داخلي فيبدوَ علّي، فأخسرَ عظمةَ مهمتي وأنسحِبَ في المنتصف، لهذا وجبَ علّي أن أحارِبَ ضُعفي هذا في سبيل وطنين أوّلهما أحمد وثانيهما فلسطين!
بعد ثلاثةِ أيّام من حضنٍ لم يرتوِ شوقُهُ ولم تهدأ نبضاته ووتيرة خفقاته، غادرنا أحمد من جديد لاسترسالِ مهمّته، بروحٍ مناضلة ونفسٍ باسِلة، يفضحُهُ الحنين و تحتويه الرّسالة.