بداية اللانهاية في المشهد السوري



كما هو معلوم أن الوقائع التاريخية التي تحدث حول العالم وتستمر لفترات زمنية طويلة تترك أثراً يستمر لأعوامٍ كثيرةٍ، ومن هذه الوقائع واكثرها تأثيراً على الساحة الإقليمية والدولية الثورة السورية. 

حين بدأ الحراك الشعبي المطالب بحريته وكرامته ورفع الظلم والإستبداد الواقعيْنِ عليه لم يعتقد الكثير من المراقبين أنه سيمتد على كامل الوطن السوري، فكانت البدايات صرخاتٍ عفويةٍ صادقةٍ يملؤها الأمل بأنّ ما كان سائداً طوال العقود الماضية ستأفل شمسهُ وينتهي، فكانت درعا تلك الشرارة حيث بدأها أطفالٌ على جدرانِ مدارسهم ورويداً رويداً بدأت شمس الحرية تُشرق على مختلف المدن السورية وبات من فيها تتحرر قيودهم التي كُبلت بها الأفواه والحناجر طِوال العقود الماضية.


تجمع الثُوّار بعد صلاة الجمعة (الثورة السورية السلمية)
ولكن في المقلب الآخر ( النظام السوري ) بدا وكما لو أنه يستفيقُ من صدمته ليواجه هذا الحراك السلمي بطريقةٍ لا تمُت للإنسانية بِصلة؛ فوجّه المدفع والطائرة والبارود نحو الصدور العارية المطالبة بحريتها التي سُلِبت منه، ومع ذلك كان الحراك الدائر حينها ينطق بما معناه أن كل شيئ سيتم بشكلٍ سلمي على هيئة مظاهرات تهتف وتصرخ للحرية، لكن لوهلة ما غاب عن أذهان الحراك السوري ذاك الماضي الأسود الملطخ بالدماء للنظام السوري وغابت عنهم تلك المشاهد المريعة التي إرتُكِبت فيها أبشع المجازر وأشنعها وهنا نتحدث عن أحداث الثمانينيات التي دارت رحاها على صدور وكرامة أهالي محافظات حماة وحلب وجزء من أهالي ادلب، فغدا المشهد السوري يتحول شيئاً فشيئًا نحو نفقٍ مُظلمٍ لربما لا نهاية له ، فبدأت المناشدات تعلو من مختلف الدول لاحتواء هذا الحراك السلمي بشكل يضمن للناس حرياتهم وكراماتهم ويضمن ان يُسمع صوتهم بشكلٍ متداولٍ في كثير من التجارب الديمقراطية الناشئة حول العالم، ولكن النظام السوري "أبى واستكبر" فبدأ "بشيطنة" الحراك السلمي وتصويره على أنه - النظام - في حربٍ تُخاض مع "الإرهاب" ونجح في ذلك مع تواطئٍ دولي وصمتٍ عربي.

مواطنين جرحى في طريقهم للمستشفى بعد قمع جيش بشار الأسد للمظاهرات


مدني سوري في المستشفى بعد قمع جيش بشار الأسد للمظاهرات



لمن يعلم حينها في تلك الحقبة تأكيداً على هذه الحقائق العفو المُريب والغير مفهوم عن كل السجناء ومنهم ذوي اصحاب السوابق والمتهمين بالارهاب ، وكما لو ان النظام يعطيهم الحرية في شرعنة أفكارهم على الأرض السورية ليتم بعد ذلك تثبيت مقولته الشهيرة: نحن نخوض حرباً على التطرف والإرهاب. 

كان للناس الشرفاء والباحثين بصِدق عن مستقبل آمن ومشرق بعيدًا عن أقبية المخابرات وأدوات القمع الكلمة الفصل على الأرض السورية وهذا ما أثبتته الوقائع بأن ما يقارب ال70 بالمئة من الأرض السورية باتت خارجة عن سيطرة النظام السوري وهو ما بعث الأمل في نفوس السوريين بأن حراكهم بات قاب قوسين أو ادنى أن يُحقق اهدافه ولكن خرجت لنا تلك التيارات المتطرفة التي باتت تنادي بأسلمة الثورة واخذها لنفقٍ مُظلمٍ آخر، وفي هذه المرة بات المُستهدف ليس النظام السوري بل المستهدف الحقيقي هم الصارخين للحرية وللكرامة؛ الشعب السوري. 

وجدنا كيف أن الوجوه "المُقنعة" باتت تنتشر بشكلٍ مريب وباتت الشعارات تخرج عن سياقها الذي خرجت من أجله فحينها تيقن "العُقّال" من الشرفاء أن ثورتهم باتت في خطر وأنها تُوئد بغطاءٍ وفتاوى تأخذ طابعًا إسلاميًّا "مُزيّفًا" ناهيك في ذلك عن المتعاونين سِراً مع النظام السوري من بعض المنضوين تحت راية الثورة، فبِتنا نشاهد تلك الصور القاتمة حيث قطع الرؤوس والتشنيع في الذبح والتُهم الجاهزة مثل :المرتدين عن الإسلام أو عملاء الغرب الكفار. 

عنصر من تنظيم داعش يقوم بإعدام مدني

ومن هنا بدأت التحالفات الدولية والتدخلات الإقليمية تأخذ لها دور على الأرض السورية،  والبداية كانت من ايران التي باتت تنظر لسوريا الملاذ الآمن لمشروع التشيع والهلال الشيعي الذي تحلم به  فكان ذراعها اللبناني "حزب الله" وفي العراق "الحشد الشعبي" والميليشيات الأفغانية، وأما روسيا فلم تخفي سِراً تدخلها القوي لحماية النظام السوري فباتت تملك على الارض قواعد على البحر وقواعد في مطارات جوية فباتت المتحكم الأكبر في المشهد العسكري الذي يتبع للنظام، تركيا من جهتها كانت في "البدايات" مع تطلعات الشعب السوري ووجدنا هذا الدعم حاضراً وبقوة ولكنها وبسبب حساسية الموضوع الكردي القابع على حدودها بات لِزامًا عليها أن تختار في الاستمرار في دعم السوريين تحت راية "الجيش الحر / المعارضة السورية" أو أنها ترضخ للضغوط الدولية وتبدأ في تضييق الخناق على المعارضة السورية في مقابل تأمين شريطها الحدودي مع سوريا وافراغه من الكيان الكردي وهذا ما حصل ويحصل الآن. 

وعلى إثر كل هذا، تحول المشهد وانقلبت الموازيين وبدأ النظام السوري في استعادة ما خسره بدعمٍ إقليميٍّ ودوليٍّ وكل ذلك كما ذكرنا بحجة مكافحة الارهاب والتطرف، ولم يعد للمعارضة جسدٌ واحدٌ ولم تعد لها الكلمة الفصل وبات من ارتهن على دعمه الاقليمي السابق مجردٌ من كل اسباب الانتصار، ولم يبقى سوى الجزء البسيط الذي لم يعد لديه شيئ ليخسره. 

ولكن من يعتقد أن هذا الظلم الواقع سيستمر وأن آلة القتل ستجني ثمار ما ارتكتبه فهو مخطئ، ولم يقرأ التاريخ جيداً، المشهد السوري بدأ ولن ينتهي، فالحق وإن طال غيابه سيُشرق.


ولنا في السنين القادمة إن شاء الله خيرُ دليل! 


إرسال تعليق

2 تعليقات