لم يخلق الله الجوانب السلبية عبثًا، ولم يخلق الصراع المقدس بين جدنا هابيل وجدنا قابيل ملء فراغ فقط؛ إنما هي المحطة للنماء للارتقاء.

     تنمو الأممُ بوجود الصراع، ويتولد فكرها من الخروج عن المألوف، إذ ليس كل شرٍّ جلبُ مفسدة، وما كلّ خير يستخلصُ منه منفعة.

نحتاج أحياناً للإختلاف، للرفض، للشر؛ فمجتمع لا شرّ فيه لا نماء فيه!

     وليام جيمس عاش في مجتمع مليء بـ"الطوبائيين" والحركة التطورية فيه شبه منعدمة، يقول: "أتمنى أن تميتني طلقة رصاصة أو ٱن أرى وجه الشيطان على أن أعيش بين مجتمع طوبائي!" وحين خرج من وكرهم قال: "أنا سعيد حين أخرج لعالم فيه شيءٌ من الشر". حتى ابن خلدون يقول:- "إن التنازع عنصر أساسي من عناصر الطبيعة؛ لأن لا أحد يريد العيش في مجتمع مثالي."

     وأحد الذين يعدون الإنجيل الاجتماعي أطلق على الذين يخافون من كل تغيير في المجتمع لقب (الطبقة الفراغية) وهو بالفعل تشبيه دقيق إذ أن المجتمع الذي يتشبث بكل ما أوتي من قوة بما هو قديم و يرفض النزاع  و الخروج عن المألوف هو بالفعل مجتمع فارغ؛ فهو لن ينهل من العلم الجديد ولن يتقدم إن كان لا يحب الاختلاففلكل مجتمع زمان ومكان خاص به، والإنسان يعالج مشكلة قديمة بابتداع ما هو جديد، و لكي يبتدع ما هو جديد فهو يحتاج لعنصر الخروج عمّ هو شائع، وإن كان الخروج يُظن به شرًا فهو أفضل من التشبّث بالبدائية ورفض الاختلاف، وكلٌّ يرى الحقيقة حسب تناقضه وتنازعه، وكل فرد يرى الحقيقة حسب ما تقتضيه نوازعه وشهواته.

     إيرك كاندل الحائز على جائزة نوبل في علوم المخ و الأعصاب، بعدما أثبت أن خلية الإنسان لا تتوقف عن التعلم البتة يقول:
"لكل إنسان عقله الذي لا يشابه عقل إنسان آخر، وذلك بسبب غرازة وتنوع التواصل بين تريليونات الوصلات المخية"، مركز استشهادي أن عقل الإنسان ونظريته للشر تختلف من عقل لآخر؛ فما تراه أنت شر يجر للهلاك، غيرك يرى في هذا الشر والفسوق ما فيه منفعة وصلاح!

     ودعونا نجلب الحديث الإيماني لنستشهد أكثر و نؤكد أكثر على ما نحن بصدد الحديث عنه، الله عز وجل يقول في محكم تنزيله "وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم" هنا اطماع للأزواج بالصبر وحسن المعاشرة حتى لو كان هذا الموضوع بمنظورهم المحدود (يكرهونه)!

     لأنك أيها الإنسان تمتلك نظرة قاصرة، فإن حدث لك ما يناقض تطلعاتك ستظنه شرًا حتى ترى بوادر الخير ثم بعدها تعلن أفول الحزن عن مسرح قلبك.

     وحينما قال الله عز وجل في حادثة الإفك "لا تحسبوه شرًا لكم"، نعم على الرغم من أنه في جحيم الشعور بالشر إلا أن الله يقول لا تحسبوه شرًا لكم؛ لأنك يا محمد ما تراه من شر هو في علم الله خير فهذه الحادثة على ما فيها من شر تراه إلا أنها قد فضحت المنافقين و قد برأت عائشة رضي الله عنها- وجاءتها البراءة من فوق سبع سماوات بل وبسبب هذه الحادثة نزلت أحكام القذف!

فلا تحزن فهو خير لك و إن كنت تراه شرًا.

     وفي صلح الحديبية شعر المسلمون بالذل و الإهانة حتى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه- سأل أبي بكر-رضي الله عنه- هل نحن على حق أم باطل؟ وإذا بالله يبشر رسوله بفتح مكة العام القادم وإذا بالداخلين للإسلام في هذا العام يفوق عدد الذين دخلوا الإسلام منذ بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا بدولة الإسلام يُعترف بها بل وأصاب المشركون من قوة هذه الدولة الهلع و الخوففبربك أهو شر أم نحن فقط لأن نظرتنا قاصرة نحسبه شرًا وهو خير؟

     حينما تأتي لك قضية لا تحكم عليها جزافًا دون تمهل بل عليك أن تأخذ مهنة المحاماة حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود، ثم حينها أصدر قرارك بعد اكتمال الصورة في ذهنك، لكن لا تحكم على الشر بأنه شر لمجرد قراءتك لرأس الفكرة، بالمقابل لا تحكم على الخير بأنه خير لأنه وافق ميولك و تطلعاتك.

     نحن لا نجرد الشر من سلبيته إنما البعض يخاف من الوقوع في الشر خشية أن ينسلخ ثوب المثالية عنه لكأنه قد خلق ملاكًا مجردًا من كل سوء ومن كل خطيئة، بل والبعض يخاف من أن يعيش في متاع فيه شيء من الشر رغم أن النعمة لا تعرف إلا بضدها فكيف نعرف نعمة الخير لولا وجود الشر ؟ وقد يكون هذا الشر أصله إلى خير!

الله لم يخلق الكمال بين البشر إنما اختصه لذاته، وحين خلق كل فرد وضع له الكفتين، كفة الخير وكفة الشر.

     أن يصل الفرد للكمال، انغماسك في الجانب السيء لا يعني أنك سيء، السيء بحد ذاته قد يكون الخير، وتلك من النعم لا النقم، صموئيل بتلر يصف الحياة الإجتماعية بأنها عبارة عن خيط وسكين؛ فالخيط يربط الناس بعضهم ببعض والسكين تقطع الرباط بينهمولو تأملنا العمق في التشبيه لوجدنا أن المجتمع سيكون متعاونًا مترابطًا كالخيط لكنه مقابل ذلك سيكون متخلفًا وبدائيًا دون وجود قطع

     وجود السكين وهي علاقة الشر تولد التجديد التغيير، شر مؤقت يجلب خيرًا دائم، خير من خير مؤقت يجلب شرًا دائم، ولا ضير في شر ينمي و لا خير في خير يؤخر!