المستقبل للرّوبوتات (ثورة الذكاء الإصطناعي إذ تتعلّم الروبوتات من بعضها البعض)



معظم أبحاث الذكاء الإصطناعيّ في الوقت الحاضر ترتكز على الأداء الفردي للأعمال؛ كأن تتحرك السيارة بمفردها، وكأن يعمل جهاز تنظيم الحرارة "الثيرموستات" ذاتيًا فيغير من درجة الحرارة بما يتناسب مع الظروف المحيطة به. 

إن معظم أنظمة الذكاء الإصطناعي لم تتم برمجتها لتعمل وتتعلم كمجموعة، ومن أجل هذا يقوم فريقٌ من الباحثين في معهد ماساتشوستس بقيادة الباحث جوناثان هاو، أستاذ علوم الطيران والفضاء في المعهد، بالعمل على تغيير الطريقة التي تتواصل بها الأجهزة الذكية بحيث تكون قادرة على التعلم من بعضها البعض والتعاون فيما بينها. 

يسعى الفريق لاستخدام التعلم الآلي بحيث تجعل الأجهزة الذكية من بعضها البعض أكثر ذكاءً؛ إننا نتطلع إلى مستقبلٍ تُساهم فيه الرّوبوتات التي تعمل معًا بإحداث ثورة كبيرة في مختلف المجالات. 

ولكن يكمن التحدي الحقيقي، في إعداد هذه الروبوتات للعالم الواقعي واستعمالها خارج المختبر، وهنا يأتي دور المزيد من الذكاء الإصطناعيّ؛ العالم الحقيقي أكثر تعقيدا من بيئة المختبر ففي العالم الحقيقي البشر لا يتعاملون بمعزلٍ عن بعضهم البعض أو بمعزلٍ عن الظروف المحيطة بهم، دومًا ما يفكرون ويتساءلون ماذا يفعل الجميع؟ أو كيف سنقوم بتنفيذ هذه المهمة التي نعمل عليها معا؟ كيف يمكن أن تتغير هذه المهمة تبعًا لتغير فَهْمِنا للعالم أو تغير الظروف المحيطة؟ وهذا ما يتم السعي لتطويره لدى الروبوتوات.

إن تقنية التعلم الآلي تقوم على التعلم من البيئة المحيطة من خلال التجربة والخطأ؛ وهكذا يتعلم الروبوت وفقا لخبرته وخبرة أقرانه من الروبوتات.

إن نظام التعليم الذاتي المستخدم يُعرف بالتعليم المُعزز وهو نظامٌ لحل المسائل المعقدة عن طريق تقسيم المسألة إلى فروعٍ ثم حلِ كل فرعٍ على حدة لتصبح العملية أكثر بساطة وهو بدوره يتم عن طريق التفاعل مع البيئة. 

وقد قام فريق البحث باستحداث نظام تعليم معزز جديد يسمى نظام التعليم الهرمي ،في هذا النظام يتم السعي لأداء مهمات جماعية داخل الفريق لكن بمعرفة فردية جزئية، على سبيل المثال: إذا كان إثنان من لاعبي كرة السلة يعرفون جزئيًا كيفية أداء تسديدة ثلاث نقاط فهل يمكن جمع الجزئيات التي يعرفونها لتصبح المعرفة كاملة وفعل ذلك؟ 

تحديات كثيرة تبرز مثل كيفية تطوير روبوتات مستقلة وبنفس الوقت تتوافق في الآراء وتستطيع أن تجمع على قرار واحد، كيف يمكن التأكد أن التواصل والمحادثات المستمرة بين هذه الروبوتات لن يؤثر على عمل الشبكة؟ ماذا يحدث عندما يعتقد الروبوت انه يعرف الطريقة الصحيحة لعمل شيء ما لكنه لا يعرف؟

ولم يكن من الممكن الإجابة على هذه الأسئلة إلا بعد ظهور منصات التعلّم العميق، إعتمد فريق البحث على خدمة أمازون ويب AWS للتعلم العميق التي تدعمها مثيلات متطورة من وحدة معالجات الرسوميات المرنة GPU القادرة على إجراء حسابات معقدة على السحابة (Cloud)، وكان الهدف تدريب وتشغيل نماذج التعليم المعزز بشكل سريع ودقيق بما يكفي لمعالجة تداعيات العالم الخارجي - الحقيقي - مثلا؛ إذا اختلفت الروبوتات فيما بينها فالمحادثات بينهم قد تُربك الشبكة. 

تتطلب الحسابات المعقدة نظامًا أساسيًا للحوسبة السحابية(EC2).

إن  النظام الإيكولوجي المثالي  للروبوتات المخصصة للتعليم المشترك ،يحتاج بعض  التكنولوجيا المتقدمة حتى يتم العمل، لذلك يعتمد الفريق إعتمادًا كبيرًا على عمليات المحاكاة التي يبنونها باستخدام أنظمة عمل التعلم الآلي PyTorch و Tensor Flow.

إن التقدم في هذا العمل يحتاج دومًا إلى توفير ما يكفي من القدرة الحاسوبية لفريق العمل حتى يتمكن من تشغيل الخوارزميات المعقدة اللازمة للحفاظ على الاتصال المستمر بين مجموعة الروبوتات وتكييف سلوكياتهم سريعًا تبعًا للظروف المحيطة. 

وكل هذا سيعني ضرورة إستبدال أجهزة الحاسوب باستمرارٍ لمواكبة التطورات، يقول قائد فريق البحث الأستاذ هاو: سيكون مُضحكًا لو قلت لأحد طُلّابي: هذا هو جهاز الكمبيوتر الخاص بك على مدار السنوات الخمس المقبلة،  فبعد عامين سيكون الجهاز قديمًا وبالتالي سيحدُّ من قدرة الطالب وما يُمكن أن يُنجزه. 

إن الإستفادة من الخدمات القائمة على الحوسبة السحابية تتيح لكل عضوٍ باحثٍ في الفريق الوصول إلى أكبر قدرٍ ممكن من القوة الحاسوبية التي يحتاجون إليها عند العمل على أي جانبٍ من جوانب مشكلات التعلم الآلي التي يُواجهونها. 

مئات الإعدادت يتم اختبارها في هذا النوع من التدريب القائم على المحاكاة، وهنا تكون السرعة أمرًا مهمًّا للغاية حتى يتم تشغيل المزيد من الأوامر المتكررة في فترة زمنية قصيرة. 

حسب التقديرات، فإن هذا البحث يحتاج جدولًا زمنيا مدته من خمس إلى عشر سنوات حتى يتم التسويق له، وقد يكون بمثابة عنصر التمكين الأساسي لِمَا سيأتي حتى يتم تطبيق الذكاء الإصطناعي في المستقبل لتشغيل الروبوتات في البحث والإنقاذ، وربما للوكالات الحكومية وفي مجالات أخرى عديدة ومختلفة. إحتياجُنا للروبوتات سيكون لا حدود له.


مقال مُترجم بتصرف، المقال الأصلي في مجلة WIRED

إرسال تعليق

1 تعليقات