مصدر


     إنّ القروض التي تمنحها البنوك الربوية واحدة من الروابط التي تبدو في ظاهرها تعاملا ماليا محضا، ولكنها تخفي بين شروطها ونصوصها تدخلات وآثارا كبرى على الأمم التي أجبرها الفقر - مقابل ضرورة مسايرة الظروف الجيوسياسية والتطورات الإقتصادية - على البحث عن ممولين للمشاريع التنموية والتي يمكن أن تنهض بأوضاعها نحو متنفس محتمل، هذه الضرورة دفعتها للإقتراض وقبول معونات من مؤسسات وأنظمة أيسر منها وأكثر قوة إقتصادية، بيد أن طبيعة هذه القروض ربوية أو بعبارة أوضح تتنتج عنها فوائد سواء ثابتة أو متغيرة لصالح الدول المانحة. 

حقيقة الإعانات والقروض الخارجية:

تحت غلاف المساعدات التنموية، وتحويل الديون وتأهيل إعمار الدول النامية (والتي هي في الغالب دول كانت تسري عليها وطأة الإستعمار ولم تزل في طور إنشاء سياستها وإقتصادها)، تم إيجاد سبل لحل أزمة انعدام رؤوس الأموال بعقد إلتزامات مالية بين الدول النامية والأخرى ذات فائض رأس المال، أو مع مؤسسات مالية دولية تتمثل في صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي،ومنظمة التعاون وصناديق التمويل العربية وغير العربية وغيرهم من مؤسسات تمويلية وتجارية.
إضافة إلى ذلك فتشجيع الإستثمار الخارجي على ترابها في مجالات تعتبر حيوية وكبرى، يلغي قوة المنافسة لديها بل ينفيها من سوق الإستثمار ويترك الباب مفتوحا لفرض المؤسسات والشركات الخارجية لشروطها وتحقيق ربح يسير كما يريد النظام الليبرالي الإقتصادي، نظام السوق الحرة والحريات الإقتصادية، والتي تؤثر بلا شك في الحريات الثقافية والسياسية للشعوب، هذا إن لم تكن القروض تخدم الدول المانحة وتعمل على بناء قاعدة لإستثماراتها فقط وتنفي القوة الإقتصادية الضعيفة للبلد الأصل. 
" نقدم للبلدان النامية قروضاً بأسعار فائدة منخفضة، واعتماداتٍ بدون فوائد ومنحاً. كما نقدم طائفة عريضة من الاستثمارات في مجالات منها: التعليم، والرعاية الصحية، والإدارة العامة، والبنية التحتية، وتنمية القطاع المالي والقطاع الخاص، والزراعة، وإدارة البيئة والموارد الطبيعية. ويدخل البنك في شراكات مع الحكومات، والمؤسسات متعددة الأطراف الأخرى، والبنوك التجارية، ووكالات ائتمانات الصادرات، ومستثمرين من القطاع الخاص بغرض المشاركة في تمويل بعض مشاريع التنمية." مجموعة البنك الدولي 
    وتعمل هذه الأنظمة على منح الدول مبالغ تمويلية للمشاريع الإعمارية التنموية أو القيام باستثمارات في مجالات حيوية بالبلدان النامية، على أن تسدد هذه الأخيرة دينها وفق أقساط إضافة إلى الفوائد الناتجة عن أمد السداد، وأن تعطي الجهة المانحة ضمانات التسديد. 
غير أن هذه المؤسسات التعاونية رغم الشعارات التي تروجها عن سعيها في تحقيق توازن اقتصادي عالمي، وتنمية أوضاع الشعوب التي تعاني الفقر وسوء الأوضاع الإجتماعية، واستعمالها لمصطلحات " التعاون"، "التسهيلات" و"المنح"... إلا أن قراراتها ومِنَحها لا تجري إلا وفق شروط الأقوى ومصالحه المادية وحجم الفوائد التي تجنيها الجهات المقرضة من عملية المنح. 
لكن سيرورة هذا التعامل المالي تتجاوز المتعارف في القروض الربوية، إذ يمكن أن تتضمن شروط الدين تدخلا للجهة المانحة القوية للتصرف في العلاقات التجارية للجهة الأضعف واستغلال الثروات المتواجدة تحت نفوذها. ومن الواضح أن التسهيلات التي تمنح للدول النامية أو التي تعاني أزمات إقتصادية، في باطنها أزمات مرتقبة إذا ما صاحبها سوء تدبير وتخطيط محكم من الدولة المدينة، إذ من المفترض أن تمتلك هذه الأخيرة رؤوس أموال خاصة في قبضتها تستثمرها لصالح تنميتها الذاتية، وفي غياب ذلك فهي تبقى مضطرة للإقتراض لأجل سداد ديونها، وبالتالي التخبط في شباك المديونية.

أزمة المديونية والتغير الداخلي للإقتصاد:    

في حالة العجز الكلي عن سداد الديون والوفاء بالآجال فإن الدول المدينة تجد نفسها عرضة للتدخل المباشر للجهات المانحة والخضوع لإرشاداتها لحل أزمة المديونية، ومثالا على ذلك برامج الإصلاح الإقتصادي والتكيف الهيكلي الذي على الدول المدينة تغيير سياساتها وفقه، ويشمل:       
تحريرالأسعار: ويتضمن إلتزام الدولة المدينة بتحرير أسعار السلع والخدمات ومستلزمات الإنتاج، والحد من تدخل الدولة في تحديد الأسعار أو التسليم الإجباري للمحاصيل، وكذلك تحرير أسعار الفائدة حتى يكون سعر الفائدة الحقيقي موجب وتحرير وتوحيد أسعار الصرف، وكذلك إلغاء وجود حد أدنى للأجور، وينعكس ذلك سلبا على القدرة الشرائية للأفراد.
سياسة الخصخصة: بزيادة دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي على حساب تراجع دور الدولة والتخلص من الاحتكارات العامة، وذلك عن طريق تصفية المشاريع العامة الخاسرة وبيعها للقطاع الخاص لتشغيلها على أساس تجاري يهدف إلى الربح. ما قد يلغي ٱستفادة الفئات الهشة من الخدمات الأساسية المجانية تدريجيا.
تحرير التجارة الخارجية: بتخفيض سعر الصرف للعملة المحلية، وتشجيع التصدير.
تقليص الإنفاق في المجالات غير الإنتاجية (التعليم – الصحة –…) ومنح الأولوية للقطاعات المدرة ولتنظيم سوق العمل.
زيادة الضرائب وتقليل الإنفاق العام لتخفيض العجز الحاصل فى الموازنة العامة.


فيديو يوضح تخبط بلد الأردن في أزمة قروض البنك الدولي


       بل إن الأزمات الاجتماعية والإحتجاجات التي تتبعها شعوب الدول المدينة في وجه السياسات الداخلية الناتجة عن الاصلاح، تؤكد حقيقة إلزام حكومات الدول بما تفرضه الجهات المانحة، وٱستمرار رقابة هذه الأخيرة على السياسة الإقتصادية الدخيلة والضاغطة على الأمم تحت ذريعة الإرشاد والإصلاح وأمثلة الإضرابات التي تأججت في مجموعة من الدول العربية ليست بالخفية أسبابها. 
طالب الصندوق الحكومة المصرية  المضي في الإصلاحات الرامية إلى دعم تنمية القطاع الخاص وخلق فرص العمل، لافتة إلى أن مصر اتخذت خطوات كبيرة نحو تعزيز الحوكمة والمنافسة، وزيادة إدماج النساء والشباب في سوق العمل، وتحسين فرص الحصول على التمويل والأراضي، وتقليص دور الدولة في الاقتصاد... إلخ. 
الصندوق رغم اطمئنانه على مستويات الدين العام المرتفع، إلا أنه لم يخفِ قلقه، حيث قال "غير أن مستوى الدين لا يزال مرتفعا يتعين خفضه بدرجة أكبر لتعزيز قدرة مصر على الاستمرار في تحمل الدين، وخفض مدفوعات الفائدة وبالتالي إتاحة حيز مالي كافٍ لتلبية احتياجات الإنفاق الحيوية في مجالات الصحة والتعليم والبنية التحتية والحماية الاجتماعية.





هذا بين الدول العربية وصندوق النقد الدولي، فيما تتعدد تجارب وأزمات أخرى لتختار بين الشروط أيها أرحم.


وبالتالي فإن طريق القروض الربوية ممتدة وتشبه لحد كبير صورة الحمار والعصا والجزرة، وهي جزء من الإستعمار يبدأ بوجه إقتصادي لتمتد أطرافه للجوانب الأخرى التي تمس بسيادة الدول النامية وخصوصية شعوبها، بل تجعلها تحت وطأة القوى الرأسمالية والمادية.