يُدار العالم اليوم في رُحًى أمريكية لصبغ واقع حياتنا بالطابع الأمريكي، بِاتبّاع طرقٍ وأساليبَ استعماريةٍ حديثةٍ تُخفي وراءها سميتُّها القاتلة، تنادي فيها بسماحتها ودعمها للإنسانية،  ولكنها في حقيقة الأمر؛ ما هي الا سرطانٌ يتفشّى ويتوغّل في جسم العالم أجمع لتدمير خلاياه، ولإنشاء أجيالٍ مُأمركة تُعتبر امتدادًا لفكرٍ عقيم،  فكرٌ لا يُسمن ولا يُغني من جوع.

     إنّ ما تسعى إليه دولةٌ داهيّة كهذه هو قولبة الواقع الأمريكي على نمط حياتنا،  ما نعيشه ليست حرب الدبابة والمدفع،  بل هي حربُ نفوذٍ سياسيّ واقتصادي ودينيٍّ كذلك، ويتم هذا عن طريق السيطرة على العقول، فهم يعلمون حق المعرفة بأنّ ازدهار أي حضارة إنسانيّةٍ أو فشلها هو نتيجةٌ لفكر أبنائها،  ورؤيتها طويلة الأمد، وبعيدة المدى، تكمن في تقييد العقول وحِصارها داخل بؤرةٍ فكريةٍ من صنعها، وجنزرتها برؤيةٍ ماديةٍ بحتة؛ العالم فيها في جوهره مادة، يحتكم لقانون حركة مادية، وكل ماهو ليس ماديّ فهو ليس جوهريّ.

     والحقيقة الكامنة في جوهر الحضارةِ الأمريكية هي تجريد الحضارات الأخرى من جوهرها، وتحويل العالم من حالة الصلابة إلى حالة السيولة، لتفقد كل حضارةٍ خصوصيتها، وهذا سَيُسَهّل عليها عمليّة تشكيلِ العالَم  والتلاعب فيه وصقله بأيديولوجياتٍ فارغة، فيُصبح العالم كلّه كأنه صُنع في الولايات المتحدة الأمريكية. 

     ولتحقيق مبتغاها تتجمّل بثوب السماحة وبثوب تقديس الإنسان والإنسانية، ومن أجل هذا نجد أن رسائلها التبشرية موجودةٌ في كل مكان؛ عبر وسائل الإعلام وداخل عالم الشبكة العنكبوتية وكذلك وسائل التواصل الإجتماعي،  فسعيُها دائمٌ ودَؤوبٌ في سبيل إظهار نفسها كدولةَ الرحمة للبشرية أجمع، ولكن هل رأيت الذئب يومًا ساعيًا جاهدًا لحماية الغزال؟!

     والقارئ  لتاريخ هذا السرطان يعي تمامًا كيف نشأ،  ويعي الفرق الواضح بين حقيقته والمظهر الذي يسعى أن يظهر به ليفرض سيطرته على العالم. 

     دولة كهذه تنادي بالسلام، ولكن واقعها لا يمت للسلام بصلة،  فهي دولةٌ نشأت فوق جُثث السكان الأصليين للقارة الأمريكية؛ شعوب الهنود الحمر،  الفرد الأمريكيّ بأربعة جماجم لشعب الهنود الحمر،  لا أعلمُ حقيقةً أي قانونٍ إنسانيٍّ يسمحُ بهذا!

إقرأ أيضا: جورج بوش الأب؛ مُجرم حربٍ خدع شعبه والعالم.

     أي قانونٍ إنسانيٍّ يُبيحُ  ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية،  فهي أول دولةٍ في تاريخ البشرية استخدمت السلاح النووي، واستعملته في قتل الأبرياء، فقد أسقطت القنابل النووية على مدينتي هيروشيما وناغازاكي، لأن الحكومة اليابانية رفضت تنفيذ ما جاء في مؤتمر بونسدام والذي يقضي بتسليم اليابان بدون شروطٍ للولايات المتحدة الأمريكية، وإنّ هذه الجريمة  مازال الشعب الياباني إلى اليوم يعاني من آثارها، وهذا طبعًا غير سفك دماء الأبرياء والتمثيل بجثثهم في العراق مثلا، وقصف الفيتنام،  وزد على ذلك إعدام كل من يخالف سياستها من رؤساء العالم؛ كإعدام الرئيس العربي صدام حسين في يوم عيد الأضحى لإهانة المسلمين.

هذه هي دولة الرحمة والإنسانية.

     والكثير من المجازر البشرية التي تسبّبت بها، والتي تحمل في طياتها الكثير الكثير من المشاهد التي ينزف لها القلب وجعًا،  من رائحة الدماء إلى مشاهد الأطفال الجوعى ينادون لقوت يومهم،  شابٌّ يافعٌ يُقتل بين أزقة بلا تهمة أو ربما تهمته الكبرى أنه يكابد ويحارب  المغتصب اللعين الذي أراد أن يلوث طهارة بلاده، رجلٌ مُسّنٌ نامت جراح بلاده على محياه، مشاهدٌ كثيرةٌ لمسرحٍ دراميٍّ  غامض، نصه يُكتب بدماء الأبرياء، وأرجوزات  تملىء ذلك المسرح، تُحَرِّكها الكثير من الأيدي لصالح سيدة الرحمة والإنسانية أمريكا. 

     إنّ أمم وحضارات العالم ليست محتوىُ فارغًا سائلًا يسهل تشكيله،  فلكل حضارةٍ تاريخٌ عريق، سُطّر بفكر وعقول ودماء أبنائها،  تلك هي الحقيقة التي علينا أن نغرسها في كل مكان، لنحمي أنفسنا من مشروع الأمركة القذر الذي باتت الولايات المتحدة الأمريكية لأجل نجاحه تلعب على كل المحاور،  رغم التباين الشاسع بين ما تحاول الترويج له وواقعها النجس.