معركة المصارة



بعد أن تعرفنا في المقالتين الأولى والثانية عن صقر قريش عبد الرحمن بن معاوية الملقب بالداخل، ورأينا كيف رحل من دمشق بعد ثورة العباسيين على الخلافة الأموية وإسقاطها، ليصل بعد ذلك إلى ليبيا ومن ليبيا إلى مضارب قبائل نفزة بالمغرب حيث أخواله، ليبدأ من هناك الإستعداد لدخول الأندلس، وبعد أن دخل الأندلس وبايعه الأمويون هناك ومحبي الدولة الأموية واليمنية بقيادة زعيمهم أبو الصباح اليحصبي، والذي كان مقرهم بمدينة إشبيلية، وقد كانت اليمنية إلى جانب القيسية من القوى المؤثرة في الأندلس، فبايعت اليمنية عبد الرحمن الداخل، وتحالفت القيسية مع يوسف بن حبيب الفهري والي الأندلس آنذاك.

بعد أن تمت البيعة لعبد الرحمن الداخل، راسل يوسف بن حبيب الفهري يطلبه بأن يسلمه الإمارة ويدخل تحت إمرته ويكون رجل من رجاله على الأندلس، إلا أن يوسف بن حبيب الفهري رفض عرض عبد الرحمن الداخل وجهز جيشا لمقاتلته هو ومن معه، ولم يكن هذا الأمر ليخفى على عبد الرحمن بن معاوية فاستعد هو الآخر لمواجهته وجهز جيشا ممن معه من الأنصار ومحبيه وكانوا قرابة الثلاثة آلاف فارس.

وفي يوم الإثنين لست خلون من ذي الحجة 138ه/9 مايو 756م، عسكر جيش عبد الرحمن الداخل بقرية المصارة على نهر قرطبة، وفي الجانب الآخر من النهر عسكر جيش يوسف بن حبيب الفهري ومن معه من القيسية، وبما أن النهر كان مرتفعا إنتظرا الجيشان مدة ثلاثة أيام حتى هبط ماء النهر.


وقبل أن يلتقيا الجيشان كان يوسف الفهري قد عرض الصلح على عبد الرحمن الداخل لإقتراب عيد الأضحى، فأظهر عبد الرحمن الداخل القبول ولكنه كان يستعد للحرب، وأثناء الإستعداد قال بعض اليمنية "هذا فتى حديث السن تحته جواد وما نأمن أول ردعة يردعها أن يطير منهزما على جواده ويدعنا"ويقصدنا بالفتى عبد الرحمن الداخل الذي كان يملك جوادا أشهب يسميه الكوكب، فلما وصلت مقالتهم هذه إليه ذهب بنفسه إلى زعيمهم اليحصبي وقال له "إن فرسي هذا قلق تحتي لا يمكنني من الرمي فقدم إلي بغلك المحمود أركبه"فلما رأوه استغنى عن خيله وفضل البغل علموا أنه ما جاء ليهرب وإنما ليقاتل حتى النهاية.

وعلى الجانب المقابل كان اليأس والخوف قد تملك جيش الفهري وانقسم على نفسه وانخفضت معنوياتهم القتالية.

ومع شروق صباح يوم الجمعة وهو يوم عيد الأضحى 10 ذي الحجة 138ه/13مايو 756م،زحف عبد الرحمن الداخل ودفع بقواته لإقتحام النهر وكان في مقدمتهم جند بني أمية،ومع كثرة جند الفهري إلا أن جيشه كان يعاني من الفرقة واليأس في مقابل عزيمة وثبات جند عبد الرحمن الداخل، فنشبت بينهم معركة هي أشرس المعارك في تاريخ الأندلس، وللأسف لم تكن ضد الصلبيين ومن أجل قطع رؤوسهم وإنما كانت بين المسلمين ولا حول ولا قوة إلا بالله، ومع شدة هذه المعركة وعنفها إلا أنها كانت قصيرة وهُزم فيها جيش الفهري وقتل وشرد عدد منهم، وفر الفهري إلى طليطلة حيث ولده عبد الرحمن، وأما الصميل زعيم القيسية فقد فر نحو جيان.

ومن نتائج هذه المعركة أنها كانت معركة الظفر بالنسبة لعبد الرحمن الداخل وبويع بعدها على إمارة الأندلس بقرطبة، وأدرك الناس مدى نبله وكرمه والأخلاق الرفيعة التي يتمتع بها خاصة ما فعله بعد أن هزم جيش الفهري، حيث منع جيشه من أن يتتبع أثرهم أو يقتل نساءهم وصبيانهم.

إرسال تعليق

4 تعليقات