هو عياض بن موسى بن عياض بن عمر بن موسى، أبو الفضل اليحصبي السبتي، اشتهر بلقب القاضي عياض لاشتغاله في القضاء في عدة مدن من المغرب والأندلس، ولد سنة أربع مائة وستة وسبعين هجرية بالمغرب، وسط عائلة دائعة الصيت ، ويعتبر من أكبر علماء المغرب وأشهر رجالاته في عهد دولة المرابطين ثم دولة الموحدين.
قال عنه المقري: لا يمتري من سمع كلامه العذب السهل المنور في وصف النبي صلى الله عليه وسلم، ووصف إعجاز القرآن، أن تلك نفحات ربانية، ومنحة صمدانية خص الله بها هذا الإمام، وحلا بدرها النظيم"

وقيل عنه: "لولاه لما ذكر المغرب"

 نشأته وتعلمه:

   عرفت عائلة القاضي عياض بورع أفرادها وكرمهم وفضلهم وجهادهم لأجل الإسلام، فكانت رحلتهم من الأندلس إلى المغرب، ثم استقرارهم بمدينة سبتة حيث جعلوا لهم مسكنا، كما بنوا بها مسجدا ومقبرة ودورا للمسلمين، وفي نفس المدينة ولد القاضي عياض ونشأ وتعلم قبل أن ينتقل إلى مدينة الرباط. ثم إلى الأندلس لأخذ العلم عن علماء قرطبة ومرسية وغرناطة منذ سنة خمسمائة وسبعة هجرية، وعاد إلى سبتة في السنة الموالية لنشر ما تعلم من علوم شرعية وهو في الثلاثينات من عمره. فأخذ عنه بعض من علماء المغرب مثل عبد الله بن محمد الأشيري، وأبو جعفر بن القصير الغرناطي ومحمد بن الحسن الجابري وابنه محمد بن عياض. وقد استمر أبو الفضل عياض معلما ومدرسا إلى أن تم تعيينه منصبا ذا مسؤولية وهو منصب القاضي بمدينة سبتة سنة خمس مائة وخمسة عشر هجرية، فلم تكن تعطى تلك المسؤولية إلا لذي علم وعمل حسن وإخلاص. وانتقل بعدها بعد خمسة عشر عاما إلى غرناطة ليقضي بها بضعة أعوام ثم يعود إلى مسقط رأسه.

ميزاته ومؤلفاته:

تميز القاضي عياض بمواقفه الصارمة الحازمة للذود عن مبادئ الدين وأصول العقيدة حيثما ارتحل، كما كان متكلما بالحق في وجه ذوي النفود لصالح المستضعفين وذوي الحقوق، فبلغت مكانته في نفوس الناس مبلغا مرموقا، وكان شخصا ذا تأثير كبير في مجتمعه ومصلحا لهذا الأخير، وعالما وحافظا للحديث النبوي حريصا على سماعه من رجال ثقة معروفين، متبعا للمذهب المالكي مقدرا وآخذا من المذاهب الأخرى ما يرى له الدليل على صحته.
لم يحظى القاضي عياض خلال حياته بشد الرحال إلى بيت الله للحج، وكما يروى فقد كان ذلك لإنشغاله بمهامه وعظم مسؤوليته في أمته، وهو سبب غير موثوق ولم يذكره القاضي بنفسه، كما قيل بسبب الإضطرابات الأمنية، وقد قال في ذلك ما نقل عنه من الأبيات:
يا دار خير المرسلين ومن به 
هدى الأنام وخص بالآيات
عندي لأجلك لوعة وصبابة
وتشوق متوقد الجمرات
وعلى عهد إن ملأت محاجري
من تلكم الجدران والعرصات
لأعفرن مصون شيبي بينها
من كثرة التقبيل والرشفات
لولا العوادي والأعادي زرتها
أبدا ولو سحبا على الوجنات
لكن سأهدي من حفيل تحيتي
يقطين تلك الدار والحجرات
من مؤلفات القاضي عياض في موضوع الحديث:
"مشارق الأنوار على صحاح الآثار" وقد تناول فيه ما جاء في الصحيحين وفي الموطأ من إلتباس وغموض في الألفاظ؛ وكتاب "إكمال المعلم" ؛ وكتاب "ترتيب المدارك" الذي أرخ فيه لعلماء المالكية، فأبرز فيه بعض رجال المذهب وتراجمهم على تتالي الأزمنة واختلاف المكان، وكتاب "أخبار القرطبيين" وله كتب أخرى في التأريخ على ذلك النحو.
   
     بعد حكم دولة الموحدين بالمغرب، لقي أبو الفضل تضييقا كبيرا لإختلافه مع وجهاء الدولة وموقفه من طريقة حكمهم، فتم نقله إلى ضواحي مدينة مراكش حيث عاش ما بقي من حياته.
توفي القاضي عياض بمدينة مراكش سنة خمسمائة وأربعة وأربعين هجرية، ودفن بها.
من أشعاره في مدح الرسول:
هذا الذي وخدت شوقا له الإبل
هذا الحبيب الذي مامنه لي بدل
هذا الذي ما رأت عين ولا سمعت 
أذن بأكرم من كفيه إن سألوا
هذا الذي جاءت التوراة شاهدة
بأنه خير من يحفى وينتعل
هذا الذي جاء في الإنجيل مبعثه
يتلوه من قبل ذا رهبانه الأول
هذا الذي هتفت من قبل مولده
به الهواتف ، واشتاقت له المكان.