آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ؟



لا أحد ينكر أن إنسان هذا الزمان غارق في حياته المادية، يجري وراء متطلباتها التي لا تنتهي، فما بين روتين العمل والإنترنيت يضيع الإنسان ويضيّع نفسه، يهلك بدنه ويسمح للوقت أن يهرب من بين يديه، ويستمر ضياع الوقت وانفلاته في ظل غفلة ونسيان مع تناسي للغاية والمقصد من وجود الإنسان على هذه الحياة، حتى يصطدم بموعد لقاء الله عز وجل.

اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ

وهنا تطرح التساؤلات والإشكالات، وذلك كله في جو مليء بالرهبة والذل مع الخوف والانكسار والخضوع، وهو يوم الفزع الأكبر، يوم ثقيل على الإنسان، حينها فقط يقف الإنسان ليتذكر نادما متحسرا على كل لحظة مرت لم يكن فيها عمله لله، لم يستحضر وجود الله ومراقبته، لم يتدبر الآيات، ولم يذق المعاني، ولم يغترف من نبع الهداية القرآنيّ، فخسر خسرانا مبينا.

وإن الإنسان المؤمن العارف بالله عز وجل، المؤمن باليوم الآخر، يعرف أن ذلك اليوم آت، وأنه ما وجد على هذه الحياة إلا ليستعد لليوم الأعظم، فإن هو أحسن الاستعداد فاز فوزا عظيما، وارتقى في جنات عرضها السموات والأرض.

وعجبًا لإنسانٍ فانٍ يعلم أنه في دنيا فانية آخرتها موت وبعث، حساب وعقاب، ثم يغترُّ بها ويعمل جاهدا كأنه مخلد في دروبها، وكأن الذي أصاب ميّتهم لن يصيبه، فعجبا وأسفا لإنسان ينسى لقاء ربه، ثم يأنس بدنيا واهية حقيرة في مقابل آخرة يعيش فيها مخلدا أبد الآبدين، منعما مكرما فيها من كل ما اشتهت نفسه وتلذذ به خاطره، وقد صور لنا القرآن مشاعر المقصرين في ذلك اليوم.

وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ

فحق لنا فعلا أن نطرح سؤال "آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ"؟

إذا تأملنا آيات القرآن الكريم كيف تصور اليوم الآخر، ثم تدبرنا كل كلمة ورحلنا في رحاب التصور واستحضار المشاهد، ربما لن نكف عن الحسرة والندم فيما فرطنا من لحظات البارحة، وقبل قليل ومنذ شهر وما إلى ذلك.. ثم لا يسعنا إلأ أن نجدد العزم ونعقد النية على الثبات حتى نلقاه عز وجل. يصور القرآن الكريم لحظة الانكسار والذل التي تعتري المقصر "وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ"، ومن مشهد الانتكاس والذل إلى مشهد الخجل مع الذل في كل موقف، الذي يجعل المقصر في ذلك اليوم ينظر مسارقة كما قال تعالى:


تَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ ۗ 

ثم يصف القرآن وجه المقصرين بالليل لشدة سواده "كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا ۚ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" ، كما يصف قلوب الجميع في ذلك اليوم من شدة الرعب يخفق بشدة كأنما صعد للحنجرة "وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ ۚ".

ويستمر القرآن الكريم في وصف مشاهد وأهوال يوم القيامة، ليعتبر من يعتبر، ويخضع للقول من كان له قلب سليم، كما يحدثنا عن يوم الرحيل بكونه يأتي بغتة، فما يسع الإنسان إلا أن يستعد تمام الاستعداد، ويلقي بكل ثقله وكل معاصيه وذنوبه وتقصيره وظلمه لنفسه في سجدة واحدة، يخلق بعدها إنسانا جديدا يعمل لآخرته.

إرسال تعليق

0 تعليقات