هل صحيحٌ أن المادة لا تفنى ولا تُستحدث؟

مصدر

أرغب في هذا المقال بوضع موقف علميٍّ جديٍّ تجاه قاعدة أصبح لها حضور مكثف وواسع في عالم العقول، بل وتُدرّس لطلاب المتوسط وطلاب الجامعات وحتى طلاب الدراسات العليا، لذلك علينا ألا ندس الرأس في التراب متغافلين عن ضرام هذه الفتنة السائرة، والتي ينتصر لها العديد من الناس لأنها تجاوزت حدود أن تكون مجرد نظرية قابلة للعرض والنقد، لتصبح مسلّمة يؤمن بصحتها عدد وثيرٌ من الناس جهلًا منهم أنها تنافي العقيدة.

قبل البدء، عليّ أن أوضح أن دعوتنا في هذا السجال وبرهان اعتراضنا سيكون الدليل الديني و العلمي. 

للأسف هي نظرية "علمية" - مع تحفظي على كلمة علمية - لأنه لا أحد ينتبه إلى النتائج المترتبة عليها، وهذه القاعدة لا تعد من قواعد العلم الطبيعي، وليست نتيجةً من نتائجه، وهي أيضًا لا تعد ضرورية في العلم الطبيعي وقد يكون سبب انتشارها هو جمود عامة الكتب على القديم المكرر والنقل المكثف الأعمى دون تعقل و تمهل لما يُنقل.

وهي قاعدة المادة لا تفنى و لا تستحدث، كلنا سمعنا بهذه القاعدة، و سلّمنا بها، بل ونجيب على أسئلة الامتحان على غرار هذه القاعدة،لكن السؤال هنا: هل تأملنا عواقبها؟ هل أبحرنا في سبر أغوار هذه العبارة فأبصرنا حجم الكارثة التي نحن فيها؟

السؤال الأهم: هل عُرضت على العلم الطبيعي نفسه؟

النظرية تقول:- "المادة لا تفنى ولا تستحدث، لكن تتحول فحسب من صورة إلى أخرى".

لو تأملنا الجزء الثاني من القاعدة لوجدنا أن النصف الثاني الذي هو (أنها تتحول فحسب من صورة إلى أخرى) ينفي الجزء الأول الذي هو (أن المادة لا تفنى و لا تستحدث) بمعنى هي تتحول وكما هو معروف أن الشيء القابل للتحول هو شيء غير أزلي!  

دعونا نفصل أكثر في هذه النظرية وبشكل علمي حتى لا نصبح غارقين في ماء الغفلة و الجهل، وحتى يكون هدمنا لهذه النظرية وفق أُسسٍ علميّةٍ موضوعيةٍ، فعلينا أن نتوجه للتحليل و النقد العلمي المنطقي حتى نستطيع أن نستأصل الفكرة من جذورها.

لنضع في البداية سؤال: ما هي المادة؟
الجواب: أن المادة هي كل ما له كتلة ويشغل حيزًا في الفراغ.


شروط المادة وفق التعريف:
  1. أن يكون لها وزن.
  2. تشغل حيزًا في الفراغ.
علّةُ هدمها سببين:-

أولا؛ تعارضها مع الدين، ثانيا؛ تعارضها مع العلم. 

بالنسبة لسبب تعارضها مع الدين عبارة (لا تفنى ولا تستحدث)، لا تفنى بمعنى لا أحد يستطيع إفناؤها، وبالمعنى الدقيق لهذه العبارة أنه حتى الله تبارك وتعالى لا يقدر على ذلك –تعالى الله عن ذلك-. والله عز وجل يقول في كتابه "أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ" سورة البقرة - الآية 107. ويقول عز وجل "وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" سورة آل عمران - الآية 189. 

في النظرية وضع للمادة صفة الأزلية، ولا يوجد شيء في هذا الكون الذي خلقه الله يمتلك صفة الأزلية، وما دون الله فهو له وجود ومن له وجود فلا بد له من موجد يوجده كبداية، ومن له بداية فله نهاية وما دام للمادة بداية فإن لها نهاية. 

إذاً فهي تفنى. 

و نحن إذ نؤمن بالله فنحن نؤمن أنه لا شيء قد خُلق من العدم؛ فالعدم هو اللاشيء، و اللاشيء لا يُنتج شيء وإن كان يستطيع خلق شيء فهو ليس عدمًا بل له موجد. 

وهذه من الاستحالات العقلية وهو مبدأٌ أوليٌّ عقليٌّ فطريٌّ.

إذًا وفق القاعدة الفطرية سنقول بأن المادة شيء والتشيئة تستلزم مُشَيء لها. 

الدكتور -صبري الدمرداش -حينما جاءه سؤال متى تفنى المادة أجاب قائلًا:- حين يسقط عنصر من عناصر وجودها، وأثبت هذا بتجربة علمية بسيطة؛ حيث أحضر عود ثقاب وقام بإشعاله و حين انتهت الشعلة قال باختصار هنا انتهت المادة.

لماذا انتهت؟ أجاب ليصف تجربته بشكل أكبر:
  1. أنه إما لأن الأكسجين نفذ.
  2. لأن المادة القطنية التي أعطت الشعلة الوقود الخاص بها قد احترقت بالكامل. 
ثم أردف قائلًا: الأكسجين لم ينفذ، لكن المادة القطنية احترقت بالكامل، فانتهت هنا المادة، وبهذه التجربة تسقط عبارة لا تفنى.

أما من الناحية العلمية:-

فإن الذرة هي وحدة بناء المادة، والذرة لها بداية ونهاية.
النتيجة أن المادة لها بداية ونهاية

ولو تأملنا نظرية نشوء الكون، أو ما يسمى بالانفجار العظيم - The Big Bang، فقد بدأ الكون بالجسيمات الأساسية كالالكترونات،و النترونات، و البروتونات، وهي جميعًا لها حيز ولها كتلة، إلا أن لها بداية، فهي لم تخلق من العدم لاستحالة حدوث ذلك، ولتعارض ذلك مع البدهيات العقلية كما شرحنا ذلك سابقًا.

فبالتالي الكون له بداية وما دام أن له بداية فإن كل ما فيه سيكون له أيضًا بداية، فالمادة جزء من الكون إذًا لها بداية.

فكيف نسلم بنظرية تتعارض مع بدهية عقلية و تعطي المادة صفات الشيء الأزلي؟!

ولكي أوضح: 

فإن الشيء الأزلي له خمس صفات 
  1. ألا يكون مركبًا.
  2. ألا يكون له ضد (أي لا مثيل ولا شبيه).
  3. ألا يكون قابلًا للتحول.
  4. ألا يكون قابًلا للتحلل.
  5. أن يكون قائمًا بذاته (أي أن وجوده ذاتي لا يعتمد في وجوده على غيره).
بالتالي؛ الأزل ما ليس له بداية، والأبد ما ليس له نهاية. 

المادة لها بداية، المادة لها نهاية. النتيجة المادة: ليست أزلية ولسيت أبدية.

لأن أزل + أبد = سُرمد، والسرمد يكون متساميًا على الزمن.  

و هذه صفات الله عز وجل لا صفات المادة، ونحن حين نسلم عقلنا لهذه النظرية فنحن نضع للمخلوق (المادة) صفات الخالق (الإله) وهذا قدح وطعن في العقيدة.

أما ولكي تصبح القاعدة صحيحة علينا أن نسقط (لا) النافية لتصبح النظرية (أن المادة تفنى و تستحدث)، لأن مشكلة فلاسفة الإغريق هي أنهم ربطوا المادة باستحالة الفناء وهذا ما أوقعها في غياهب الجب و أسقطها في بحر الضلال.

ولأنهم وضعوا صفات الإله على صفات المادة فحق لنا حينها أن نجنح إلى خيار المصاولة الفكرية المباشرة مع هذه النظرية ونثبت عدم صحتها.




مهلاً! إنتظر لحظة! قبل أن تذهب، نُريد أن نعرف إن أعجبك المقال أو لا، يُمكنك أن تُخبرنا برأيك في صندوق التعليقات أسفل المقال! كما يُمكنك ان تُتابع قناتنا على تيليجرام حتى تصلك الموضوعات الجديدة أول بأول :) .

إرسال تعليق

0 تعليقات