بل هي أمانة



كلنا نعرف أن إعارة الكتب و استعارتها، مشكلة حقيقية في حياة القراء، ربما لن يتمكن أحدٌ من إيجاد حل لها، بل وأصبح اليوم أولائك الذين ينسون أو يتعمدون عدم إرجاع الكتب التي استعاروها يتباهون بذلك على مواقع التواصل و يغردون بصور مكتباتهم المليئة بكتب غيرهم، في حين يتوعد من أُخذت منهم تلك الكتب أنهم تعلموا الدرس وأن المؤمن لا يُلدغ من جُحرٍ مرتين. 

شخصيا لم أعاني من هذه المشكلة، لأني لا أملك كتبًا تغري من حولي ليستعيروها مني، كما أني أحرص على إعادة ما أخذت من غيري، لأني أخاف أن يأتيني ملك الموت فجأة ليستل روحي فتأبى وأعاني، لأنني قرأت أن من عليه دينا سيتعسر خروج روحه من جسده، و كتب الآخرين دَيْنٌ يجب أن أقضيه قبل أن لا يُجدي الندم. 

أفكر دائما أن المسألة ليست مسألة كتبٍ فقط، الأمر أكبر من ذلك بكثير، أعتقد أن الموضوع موضوع حس بالمسؤولية و أداء للأمانة قبل كل شيء، فمن لا يهمه إعادة كتاب ربما لن يهمه أيضا إعادة مبلغ كبير من المال استعاره من أحدهم، مع فرق بسيط؛ معظم الناس سيحرصون ربما على استعادة أموالهم كما لن يحرصوا على استعادة كتبهم. 

استعارة أشياء من الآخرين أمر يحدث كثيرا عندنا، خصوصا بين النساء، الأخوات و الجارات و الصديقات و يكفي أحيانا أن يكون من نُعيره أشياءنا يعرف شخصا نعرفه_ و إن كان شخصا لا نتذكر حتى اسمه_ لنعطيه ما يريد بكل بساطة، إن حدث يوما و رفضنا فسنكون بخلاء منبوذين، و سيخبرنا الجميع أننا سنموت و سيأكلنا الدود ولن ينفعنا ذلك الشيء الذي رفضنا إعارته. 

حسنا، أصابني الرعب عندما قيل لي هذا الكلام، و سمعت كثيرا عن الأجر الذي سأجنيه من مجرد استعمال أشيائي، لأنه سيعد تفريج كربة عن مسلم و سيفرج الله عني كربة من كرب يوم القيامة جزاءً لذلك. 

لهذا لم أعد أمانع أن تلبس جاراتي ملابسي، و أحذيتي، و تستعملن أيضا حقائبي، و اذا كان لدى إحداهن مناسبة فإنه من الواجب أن أفتح لها خزانتي لتختار ما تشاء، مع أن لديها من الملابس أضعاف ما لدي، لكنها سبق أن لبستها كلها و رآها الجميع، واليوم يجب أن تظهر بشكل مختلف، طيب، لا ضير بعد ذلك أن تتعطر من عطري، و تتزين بمساحيق التجميل الخاصة بي، مع أنها قديمة جدا، و ربما انتهت صلاحيتها لكنها تبدو شيئا مغريا لأنها تختلف عن ما لديها و هذا يكفي. 

أحاول أن أرسم بسمة على وجهي كل ما رن جرس بيتي الذي لا يتوقف طيلة اليوم، هذه تريد خبزا، والأخرى مكنسة، وثالثة تريد مقصا و أخرى تريد استعمال هاتفي لدقيقة وتعيده بعد ساعة، وعاشرة تريد حمصا مبللا وهكذا تنقضي أيامنا. 

لستُ شخصا قادما من كوكب آخر لأكون غريبة لأني استغرب هذا الحال، و لم أعش على الضفة الأخرى لأقارن بيننا و بينهم فيما يُسمى بحقوق الجار، لدي من القصص في طفولتي ما يستحق أن يُكتب بماء العين، كما أنني أعرف جيدا أن الله جل جلاله أوصى بالجار خيرا و كاد نبيه يورثه، أعرف أيضا أن تفريج كربة عن مسلم أو إدخال سرور عليه عملٌ عظيم، و أذكر أن أمي كانت تفعل ذلك بالطعام واللباس والمال وإعارة الأواني والمساعدة بعمل يدها في الولائم والمآتم لكنني لا أعتقد أنه سيعد تفريجا لكربة جارتي تبرجها بلباسي وزينتي لتحضر بها أعراسا مختلطة فيها من المنكرات ما قد يثقل ميزاني بالسيئات لأنني ساعدتها في ذلك، و لا أظن أن تباهيها بحقيبة اليد خاصتي أمام زميلاتها في العمل فرض عين يضطرها لاستعارتها مني مرتين في الشهر، و متأكدة أنا أن وضع خلطة طبيعية على بشرتها لتبدو أكثر نضارة ليس أمرا طارئا لتدق بابي بعد منتصف الليل لتطلب عسلا أو ليمونا. 

إن كان واجبا علي إعارتهم أشيائي من باب الإحسان فلماذا سيغضبون عندما أملي عليهم شيئا من حقوق الجار كأن يعيدوا أشيائي سليمة كما أخذوها و لا يتأخروا في ذلك و لا يدقوا علي بابي وقت القيلولة وبعد العاشرة ليلا،  أليس هذا من باب الإحسان نفسه، أليس في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أجرٌ عظيم أيضا. 

نبينا الذي كاد يورث الجار والذي كان جاره يرمي القمامة على بابه ويزيلها و يحسن إليه رغم إساءته هو نفسه الذي أوصى صحابته أن لا يسألوا الناس شيئا، هو نفسه الذي كان كل أهل مكة يؤمنوه على كل ما يخافون ضياعه فيؤديه إليهم، هو نفسه الذي قال: أُدِّ الأمانة إلى من ائتمنك. 

نعم هي أشياء بسيطة، قد تكون تافهة أيضا لكنها ستظل ملكا للآخرين، أن يعيرك أحدهم شيئا كتابا أو قلما أو ثوبا أو حتى صحنا أو إبرة لا يعني أنه وهبه لك لتتصرف فيه كما تشاء، فلا ترجعه، أو ترجعه وقت ما تشاء، ما على هذا الأساس أعارك حاجته، فلتتكرم ولتعد ما أخذت في الوقت المحدد، ولتحرص أن يرجع لصاحبه كما أخذته منه، فإن كسرته أو أتلفته أو تأخرت في إرجاعه فأصلحه وإلا اعتذر بكلمة طيبة وتذكر أن النبي الذي أوصى جارك بك أوصاك به أيضا. 

مقال بقلم الكاتبة أمال أم جودة. 

إرسال تعليق

0 تعليقات