مشاهدٌ على منصة الشهادة!

مصدر الصورة

السماءُ في انبهارٍ قرمزي مدمر، تأبى أن ترضخَ للطبيعة بالسكون، متمردةً على إشعالِ ليلها و اغتيالِ أحلامه بالنيران! يحترِقُ في ثورتها على وقع صافراتٍ مدويةٍ ما تبقّى من شبهِ طموحاتٍ بالية، ومشاهد غير واضحةٍ من النصر و الحرية. 

ها هو ذا الانفجار الأول يعلِنُ في جبروته عن القيامة! فيتدفقُ الهلعُ كشلال، و يستيقظُ الجميع على صداه كأعجاز نخل خاوية على حافةٍ من الكارثة، في توقيت ما بين انقلاب الحلم إلى كابوس، حيثُ تتسابقُ المصائب إلى الوقوع، و تتسارعُ المشاهد المحتقنة بالخراب على الذاكرة و الكاميرات، تتدافعُ حتّى ترسّخ وضعياتٍ جديدة من الموت، تهزُّ الفطرة بعنفٍ كما تهتزُ الأرض في زحزحتها للقارات، فتندلِقُ من تصدعاتها حكايا الفقد و التيتم الجديدة! 

إيّاك أن تغلق عينيك حتّى تقرّ نفسك، وتظلَّ في جنةِ بيتك سارحاً في راحاتك، تلاعب أطفالك وتحتضن زوجك، فغضُّ الطرف خيانة أخرى تُضافُ إلى قائمة الخذلان الطويلة، والقهر أنّ الكلّ إخوانك، مسلمون وعربٌ مثلك! 

أبقِ عينيك على المشهد اِذ سبقَ القارعة قبل أوانِها برتمٍ خفيف، واحترق أقلَّهُ بإحساسك، وعشهُ كأنّك فيه! 

هي ذي البيوت تتهاوى على الرؤوس، لا تمنحك وقتاً لتفكر في الذي حدث، فالدماء دليلُك! 

ارفع من فوقها الأنقاض، إلهي تلك جثة زوجتك! أخرجها لكن لا تتوقف فمسار الدماء لا يفعل، و انظر خلفك تجد ذراعَ صغيرك، ارفعها رابطاً على قلبك حتّى لا ينفطر، إنّها الفاجعة! خرجت الذراع وحيدةً، ما أدمى ما تراه! إيّاك أن تُجَنّ من هولِ ما ترى، قد نجت أخته فاستمع إلى صراخها و هي تدعوك، واحفظ عقلك من أجلها! احملها على ظهرك واهرب، إيّاك أن تلتفت فنصف التفاتةٍ قد تودي بك وبصغيرتك، ستعود لدفن الجثث اذا لم تخطفك قنبلة! سارع خطاك وابحث لك عن ملجأ لتخبّئ فيه طفلتك وما تبقّى من أنقاضِ روحِك كأبٍ فقيد! 

القصف مُحرقٌ يخوضُ في الساحات منتشياً بشجّه للمباني ورضّه للطرقات، كما قصمِه للآمال والابتسامات وفَتْقِهِ للأفراح! الناسُ سكارى بأنفسٍ واجفة وأبصار خاشعة، مغبّرين من إثر الركام، يجسدون لوحةً عنيفةً من الألم! 

هي ذي الحبيبة لم يكتمل قرانها وراحت مزفوفة بأبيض محمَر تشيّع زوجها بدموعِ تختصر أحزاناً في عَبرةٍ واحدة! 

والطفلُ ذو العزّة مغدور في ظهره، مشهِّداً بيده وعلى حضنه رضيعٌ سيكبر لينتقم من أجله! 

والطفلةُ تصرخ وتحلف بأنّا بإذن الله سننتصر، تواري أمّا غارقةً في دمها، ونسلُ صلاح الدين في أمومتها يهدد و يتوّعد! 

ويتضاعفُ في غزّة التصعيد، ورائحة المسك تزيد في جنازة كلّ شهيد، و المواكب تتراكب والمقاومة تندد و تجاوب، تذكرّ صواريخهم بالعودة والقوة والعزة وكلّ المبادئ التي انسخلت من هذه الأمة! 

وتندلق الدماء في سيلانٍ مثل أودية تكسرُّ في طريقها الجفاف، تكتب بشاراتٍ من نصر قريب على طهر سيرها والأرض التي عليها، تتمازجُ في لحظتها مع دماء حلب، و تنضمُّ إلى موكبهما بغداد، وتنعقِدُ في الذورة كل العواصم! 

عسى أن يأذن ربك بواقعة قريبة تحرر فيها الأمة من كل القيود بمفتاحٍ يتأتّى من تحرير المسجد الأقصى!


إشترك بقناتنا على تيليجرام حتى تصلك أجدد المقالات أول بأول :)

إرسال تعليق

0 تعليقات