السلطان محمد الفاتح؛ قصة بطل


هو سليل السلطان عثمان مؤسس الدولة العثمانية وابن سابع سلاطين الدولة مراد الثاني، ولد في 26 من رجب سنة 833 هجرية الموافقة لعام 1429 ميلادي بالعاصمة أدرنه، وقضى طفولته تحت رعاية والده.

نشأته وطفولته؛ تربيةٌ صالحة تصنع بطلًا


نشأ الأمير محمد عَلى الدّين الإسلامي والولاء للدولة العثمانية، كما ألمّ بالعلوم الحية والسياسية والعسكرية واللغات على غرار أجداده، وقد كان شجاعا طَموحا مذ صغر سنه، فرافق الجيش في حروبه، وجالس العلماء وذوي القرار، كما خُصّص له أفضل الشيوخ لتعليمه، رغم ما أظهره من نفور للتعلم بادئ الأمر، ما أَلحّ على والده السلطان تخصيص معلمين ذوي حزم وحكمة، منهم المولى إسماعيل بن أحمد الكوراني، والمولى محمد بن فرامز والشيخ آق شمس الدين وغيرهم من العلماء في مختلف الميادين، ولم يجد الفتى نفسه إلا مسؤولا وفارسا ومتعلما، وما ذاك إلا رغبة من والديه في جعله أحسن خليفة وأعظم رجال السلطنة، وقد أبدى نبوغا وحبا للعلم بفضل شيوخه استمر حتى كِبر سنه، فحفظ القران وعمل به، ودرس تاريخ أسلافه وتعلم منهم وأتقن لغة القران ولغات خصومه، ومنها اللاتينية والإغريقية إلى جانب الفارسية.

رافق العلماء الأمير محمد الثاني إلى حيث عينه والده واليا ببعض مقاطعات آسيا الصغرى، ليتمرن على شؤون الحكم والإدارة، فيقود الدولة إذا ما خلف والده، غير أن السلطان مراد لما أراد أن يعتزل أمْر الحكم ليختلي لعبادة الله، وقد اطمأن لاِستقرار الإمبراطورية، تنازل لابنه عن العرش فاعتلاه الأخير وهو في الرابعة عشر من عمره، لكن الحكم ما فتئ أن عاد لصاحبه بعد أن تنامت المطامع والمطامح لإضعاف الدولة، سواء من الخارج أو بسبب الفتن داخلها.

ورغم صغر سنه فقد كان محمد الثاني شغوفًا بالسلطة والقيادة، وذُكر أن إعادة العرش لوالده لم يكن أمرا سهلًا بالنسبة له، وذلك  لمّا أراد الجيش الانكشاريّ التمرد عليه، فارتأى الوزراء أن يحتالوا عليه برحلة للصيد، بينما يستعيد والده السلطان مراد عرشه بالعاصمة أدرنه، ويُخضع الإنكشارية لقبضته، ورغم ذلك، وبعد أن تولى العرش لثاني مرة في كبره، لم يجد في نفسه غِلًّا على وُزرائه لِما فعلوه له في صغره، وكان في هذا خيرٌ للدولة ومصلحة لها، بل أبقى كبير الوزراء خليل باشا بمنصبه فأبان عن حكمته وإخلاصه لإرث أسلافه وقد أزاح من لم ير مصلحة في بقائه.

وحتى يكبر على شجاعة وقوة وثقة، كانت معركة قوصوه أول واقعة يشهدها الأمير محمد بنفسه رفقة والده وقد لقي فيها العثمانيون الجيش المجري بقيادة هويناد وصي صاحب العرش، فأنالوهم الهزيمة في معركةٍ دامت ثلاثة أيام. واستمر في مرافقة والده في المعارك والتنقل بين الجيش وتعلم فنون الحرب وأساليبها. كما تبَحّر في ذلك الشأن بمطالعة تاريخ من سبقوه وأساليبهم ومزاياها وهفواتها.

السلطان؛ تربيةٌ صالحة تؤتي ثِمارها


بعد وفاة أبيه السلطان مراد، إنتقل الأمير محمد الفاتح من منيسيا حيث زوجه ونفوذه إلى العاصمة أدرنه، ووُلّيَ الخلافة لثاني مرة، وكان يبلغ من العمر حوالي اثنان وعشرين عامًا، (فيما تولى والده عرش الدولة وشأنها في الثامنة عشر عاما) وقد كان قائدًا ناجحًا ومُخططا ومسيرا ماهرا، تُوِّجَت فترة حُكمه بفتح القسطنطينية، ويُعدُّ هذا من أعظم إنجازات دولة الإسلام في التاريخ، كما يُعدّ أعظم إنجازٍ للسلطان محمد الفاتح، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش". رواه الإمام أحمد في مسنده. 

كانت القسطنطينية مدينة ذات أهميةٍ بالغة للدولة البيزنطية كما كانت من أهم عواصم الصليبيين، وقد اجتهد قبله لفتحها العديد من الخلفاء والأمراء، ولم يكن فتح القسطنطينية أمرًا رهينًا بالظروف بل غايةً وضعها محمد الفاتح نصب عينيه وتوفيقًا من الله لنيل شرف ذلك الانجاز.

ولدى من سبقه من السلاطين العثمانيين، ومما كان يُفشل محاولات فتح القسطنطينة تأليب المطالبين بالسلطة وتحريضهم للخروج على السلطان، فينشغل بذلك عن غزو ومحاصرة الصليبيين. غير أن القيادة الحكيمة والتخطيط المتأني ساعد جيش الفاتح في تحقيق ما سعى له الكثيرون. وإلى جانب ذلك فقد غزا الأراضي في الأناضول والبلقان والجزر اليونانية التي شكلت معقل الإمبراطورية العثمانية على مدى قرون قادمة بعده، وضم البوسنة وأخضع البندقية وقد كانت جمهورية ذات طول وصيت بعد حرب دامت سنين. ولم تكن هذه الانجازات السياسية والعسكرية لتتأتى بسهولة ومحض صدفة، فمحمد، الذي لقب بالفاتح، وكما دأب أجداده، وضعوا ضمن أسس أدوارهم كسلاطين توسيع رقعة الإمبراطورية المسلمة وتحقيق الأمن والاستقرار والنظام العادل والرخاء، وكل العوامل التي من شأنها أن تقوي الدولة داخليا وتزيد من فخر المنتمين إليها وتأييد السلطان بين رعيتها وجيشها. وفي الآن ذاته، أولى الأهمية اللائقة لإعداد الجيش المنيع الذي سيستميت في تحقيق فتوحات المسلمين، كما أغدق المال الوفير لإعداد العدة من سلاح وعتاد لم ير مناصروه أو أعداؤه له مثيلا في زمانهم.

إنجازات محمد الفاتح


دأب الفاتح بعد دخوله المدن التي يغزوها على إعمارها وضمان الأمن لأصحابها، ودعوتهم لممارسة شعائرهم الدينية وأعمالهم الحرفية والتجارية كما ضمن الحفاظ على موروثهم الحضاري والثقافي، وإلى جانب ذلك توفير التطبيب والبنى التحتية على غرار المدن السابقة، وفي القسطنطينية التي تسمى اليوم إستانبول أعاد بطريركية الروم الأرثوذكس وحاخامًا يهوديًا كبيرًا وبطريركًا أرمنيًا في المدينة، وقام بالتشجيع والحث على إيجاد عدد من المؤسسات الإسلامية والمنشآت التجارية في المناطق الرئيسية بها، فتطورت العاصمة بسرعة، ووفقا لمسح أجري عام 1478، كان هناك في القسطنطينية وغالاتا المجاورة 16324 أسرة و3927 متجرا، وبعد مرور خمسين عامًا أصبحت القسطنطينية أكبر مدينة في أوروبا.

ورغم هذا الفتح الذي منحه شهرته إلا أن مجد الفاتح وهيبته كانا في الواقع بفضل انتصاراته المهمة والمتتالية سواء على التركمانيين وحلفائهم البنادقة (انتصاره على حسن أوزون التركماني في معركة باشكنت في أرزينجان) أو تمدده ودحره للحملات ضده، كما قام بسلسلة من الحملات الاِستكشافية في البلقان، والمجر، والاشيا، ومولدافيا، وجزيرة رودس ، وحتى شبه جزيرة القرم وأوترانتو في جنوب إيطاليا. ويُعتقد أن ما كان يرنو إليه قبل وفاته غزوه لإيطاليا في محاولة جديدة لتأسيس إمبراطورية عالمية، لكن حقيقة الأمر واراها التراب مع جسد هذا القائد العظيم.

وكان لمحمد الفاتح إهتمام بالغ بالثقافة والعلوم والفنون، فلم ينقطع عن دروسه ومجالسه رغم ما حققه من انجازات سياسية، وكرّس الإحترام والتقدير لأهل العلم وذوي الفن والحرف من داخل دولته ومن خارجها، ومما يوضح ذلك؛ إنشاءه للمدارس والمعاهد بشتى أنحاء الدولة، وقد نظمها وخص لها أوقافًا مزجاة، وأصلح النظم التعليمية وأفلح في انتقاء المواد المُدرّسة. ومن أشهر المدارس التي شيدها؛ المدارس الثمان إلى جانب المسجد الذي بناه بالقسطنطينية، وتضم مساكن للطلبة ومكتبة خاصة إلى جانب حجر الدروس، وقد احتفظت برتبتها على أنها أعلى المؤسسات التعليمية للعلوم الإسلامية في الإمبراطورية. كما عنى بالمعاهد والمؤسسات التي شيدها أجداده، وأولى الاعتبار للعلماء وأجلهم، إذ يحكى أنه دخل على الشيخ الزاهد معلمه آق شمس الدين في خيمته، وهو مضطجع فلم يقم له، فقبل يده وطلب منه أن ينال الخلوة عنده أياما، فرفض الشيخ خوفا من أن يستطيب السلطان الخلوة فيترك أمر الدولة وشأنها، فنصحه بالعدل والاهتمام بشأن رعيته، وقد أرسل له محمد الفاتح بعدها بعض المال فرفضه، فتركه في خلوته دون أن يقوم الشيخ له أو يعتدل، ورأى السلطان أن يدعوه في وقت متأخر من الليل، وفيما كان الوزراء يقبلون يد الشيخ، ضمه السلطان من بين الجموع ولم يدركه اق شمس الدين ببصره لكنه عرفه إذ لم ينكر روحه ولو في سواد الليل، فعانقه عناقا شديدًا حتى زال عنه ما كان قد ملأ قلبه من معلمه وعوضه الحب.

كما كان يراسل العلماء والفنانين من مصر وأوروبا فيتوافدون إليه فيجالسهم ويكرمهم ويستفيد من مواهبهم وعلمهم، ثم يصنفهم درجاتٍ ويجعل لهم وظائف، ويصحح ما لا يليق بالأدب واللياقة أو ينبذه. كما شجع التأليف والنشر في جل العلوم، وشجع ترجمة المؤلفات والآثار من الحضارات الأخرى، وقد ذهب إلى أبعد من ذلك فلم يقابل الإساءة بالإساءة، ومن ذلك أن أحد من شهدوا معركة الفتح ضد حسن أوزون قد نقل ما كان يتقوله العدو التركماني من افتراء، فقبل السلطان الأمر دون اعتراض، وليس كل ذلك بالأمر الغريب وهو الذي قد قرأ سير أعدائه القدامى وتعلم منها وأتقن لأجل ذلك اللغات منذ صغره وانفتح على العلم والفنون وأحبها.

وفاته

لم يتوقف الفاتح عن جهاده بل سار على وصية أجداده، همه أن يقوي شوكة المسلمين إلى أن وافته المنية عام 886 هجرية بين فرسانه بعد أن اشتد به المرض فلقي أجله دون أن يدري أحد أين كانت وجهته بجيشه، وقد كانت تلك عادته، ومن الطريف أنه أجاب أحد القضاة يوما لما سأله عن وجهته: "لو أن شعرة في لحيتي عرفت ذلك لنتفتها وقذفت بها في النار".

كذلك قدمت الدولة العثمانية للإسلام أصغر الفاتحين وقائدا شابا، الأمير محمد الفاتح الذي فتح القسطنطينية التي كانت عصية على المسلمين منذ الفتوحات الأولى، إلى أن تحققت بُشرى رسول الله صلى االله عليه وسلم والذي قال فيها: "لتفتحن القسطنطينية فنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش"، وليس من المبالغة أن وصف بالقائد الشجاع، والمتعلم المفكر، والفارس القوي، والحاكم العادل المعمر، والعبد الحريص على الإلتزام بحدود الله وأوامره. فكيف حال الذين هم في ذلك العمر اليوم من دينهم ودنياهم؟!

إرسال تعليق

0 تعليقات