خمس وقفات في بيان إعجاز القرآن لكريم



حين نتحدث عن أجل كتاب فنحن نتحدث عن الكتاب الذي تكفّل الله بحفظه وأمرنا بتدبره فهو محفوظٌ من كل زيادة أو نقص.

و قصة الخليفة المأمون مع الرجل اليهودي خير مثالٍ على حفظ الله لكتابه ، حيث أن الرجل اليهودي حضر يومًا لمجلس المأمون فسمع منه كلامًا حسنًا، وحينما فرغ المأمون سأله: إسرائيليٌّ أنت؟ قال: نعم، قال له المأمون: أسلِم، قال اليهودي: بل ملة آبائي وأجدادي. وانصرف الرجل، وبعد مضي عامٍ عاد الرجل لمجلس المأمون وإذا به يتحدث عن الفقه وأصوله، وحينما فرغ سأله المأمون ألست من أتيت مجلسي قبل عام؟ قال الرجل: بلى، قال له المأمون: فما بالك أسلمت؟ قال الرجل: قررت اختبار الأديان الثلاث، فقمت بكتابة الانجيل لثلاث نسخ وزدت وأنقصت وقررت بيعها فبيعت، ثم فعلت ذلك في التوراة، فكتبت التوراة لثلاث نُسَخٍ وزدتُ وأنقصت ثم بعتها فبيعت، ثم فعلت ذلك في القرآن فكتبت منه ثلاث نسخ وزدت فيه وأنقصت ثم بعته فلم تبع هذه النسخ، فعلمت أن هذا الدين هو الدين الحق وأن هذا الكتاب محفوظٌ من رب العالمين، فكان هذا هو سبب إسلامي.

سل نفسك كم مرة تسلّط الكفار على المسلمين، وأنفق الفجار، وكم من القناطير المقنطرة من الذهب والفضة وُضعت عبر مرور السنين لأجل تحريف القرآن وتزويره غير أن جل هذه المحاولات باءت بالفشل.

أنا هنا بصدد الحديث عن خمس وقفاتٍ في بيان إعجاز القرآن:

الوقفة الأولى حول الآيات التي تخص آدم و حواء ونزولهما من السماء العالية إلى الأرض الدنيا،
و هي وقفة تساؤلية؛ ماذا لو لم يأكلا من الشجرة، هل كان البشر بالفعل سيعيشون في الجنة إلى أبد الأبدين؟

و كانت الإجابة موجودة في القرآن حيث أن الله يقول "و إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة" نجد أن الله خلق آدم و ذريته بالأصل لعبادته ولعمارة الأرض. الأمر الآخر مسألة السكن، فالسكن هو البقاء لفترة مؤقتة ثم الرحيل فالله جل وعلا قال: "اسكن أنت و زوجك الجنة " فهو إذن تنبيه على الخروج فهو ليس بدخول لإقامة دائمة.

ثم هنا يجيء سؤال آخر ليزاحم العقل، فإن قلنا أن آدم قد كُتب له الخروج، فلماذا بالأصل أسكنه الله الجنة؟ لماذا لم تبدأ مسيرته من الأرض؟
الجواب: أن الله أراد أن يريه نعيم الجنة الذي لا ينضب و خيرها الذي لا ينقطع، ثم إن الله قد فضل آدم وذريته منذ أن خلقهم؛ فأمر الملائكة بالسجود لهم ثم ولأنه أول بشريٍّ أراد الله أن تبدأ حياته من الجنة فيتمتع بها ثم ينزله للأرض لإتيان الخير و اجتناب الشر.

الوقفة الثانية مع فاتحة الكتاب، فقد جمعت مقاصد القرآن الخمس، وكل مافي القرآن جاء بعد ذلك مفصلًا وموضحًا لهذه المقاصد الخمس التي هي:
1-  نحمد الله.
2- نعبد الله.
3- نستعين بالله.
4- اثبات الجزاء من الأعمال.
5- طلب الهداية من الكريم المتعال.

أما الوقفة الثالثة فهي مع الزهراوين، فإن أردت دراسة حال اليهود بكل تفصيلٍ فاقرأ سورة البقرة فهي لهم، وإن أردت دراسة حال النصارى والإجابة عن تساؤلاتهم فهذه سورة آل عمران جاءت مفصلة لهم.

الوقفة الرابعة في بيان قصر العبارة و عمق المعاني:
وما يميز القرآن قصر الكلمات وعظمة المعاني، فانظر لهذه الآية كيف جمعت بين الاستدلال والتهويل والاستعظام ودقة التصوير وروعة التشبيه وعمق المقصد، بل حتى بين المقدمات اليقينة و بين المقدمات المسلمة فيقول جل وعلا "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، فسبحان الله رب العرش عما يصفون".

الوقفة الخامسة في بيان الإعجاز اللغوي للقرآن:
لو تأملنا وبشكلٍ سطحيٍّ لمعاني القرآن لوجدنا إعجازًا بليغًا من حيث:
الجمال التنسيقي في قوله تعالى "مشتبهًا و غير متشابه"، مؤتلفة ومختلفة، تأمل اصطفاف الحروف كل حرف و ضع بدقة ولو وضع غيره لانهدم الجمال، فهذا والله ليس كلامًا محمديًا بل إلهيًا. وانظر للجمال التوقيفيِّ كيف وزعت حركات السكون والوقفات كيف نظمت تلك الحروف لتكون في المكان الملائم. وانظر للجمال أثناء تدبره فهو راحةٌ للقلب وطمأنية للروح مدعاة للسكون وهدوء الجوارح.

ولقد جاء القرآن متحديًا لكفار قريش؛ فلقد دعاهم الله في بادئ الأمر أن يجيئوا بمثله، ثم دعاهم أن يأتوا بعشر سورٍ مثله، ثم أن يأتوا بسورة واحدة مثله، ثم بسورة واحدة من مثله؛ لكأنه يقول جل وعلا أنني في طلب المماثل أريدكم أن تأتوني  بشيء في جنس المماثلة، لا أكلفكم بالمماثلة العامة ولقد أبحت لكم طلب المساعدة ممن أردتم وبأي طريقة شئتم، ومع هذا عجزوا وفشلوا وهذا كان آخر صيغ التحدي نزولًا، فقد نزل في سورة البقرة المدنية ومازال هذا التحدي قائمًا ومع ذلك ولئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله فلن يستطيعوا، بل وحينما نزل التحدي إلى سورة من مثله قال فصحاؤهم وأكثرهم علمًا بالأدب ما في هذا الكلام حتى لا أستطيع الإتيان من مثله وحينما ميزوه كان لسان حالهم كلسان حال الوليد بن المغيرة حين قال: و الله ما هو بشعرٍ ولا هو بكهانة ولا هو بجنون، فالعجز بحد ذاته هو أكبر وأوضح شهادةٍ على الإعجاز.

يقول ابن عطية في بيان إعجاز القرآن: "والصحيح أن الإتيان بمثل القرآن لم يكن قط في قدرة أحد من المخلوقين، ويظهر ذلك القصور في أن الفصيح منهم يصنع خطبة أو قصيدة يستغرق فيها كل وقته وجهده، ثم لا يزال ينقحها حولًا كاملًا، ثم تعطى لآخر فيأخذها بقريحة جامة فيبدل فيها وينقح ثم لا تزال بعد كل ذلك موضعًا للنظر والتبديل، وكتاب الله لو نزعت منه لفظةً ثم أُدير لسان العرب في أن يوجد أحسن منها لم يوجد، ونحن نتبين البراعة في أكثره ويخفى علينا وجهها في مواضعٍ لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذٍ في سلامة الذوق وجودة القريحة وميز الكلام ".

إرسال تعليق

0 تعليقات