الشبهات والردُّ عليها


من يطلع على صورة الشباب الذي ينتمي إلى هذا المجتمع اليوم، قد يجد صراعا يستعر لرده عن الثقافة والقناعة المتعلقة بأمور دينه، ودس وترويج ما يثير الريبة لديه، ومنها الى جانب الشهوات: الشبهات والجدال فيها. في حين ينبغي فيه أن يكون من الصفات التي لا شك في ضرورة انتشارها بين شباب المجتمع الاسلامي: التعلق بالله عز وجل، ووضوح الأهداف والخطوات، واتزان المبادئ. 

الشبهات جمع شبهة، والمقصود بها الأمور المشتبهة لغموضها وعدم اتضاح حالها وحكمها على التعيين إلا للمجتهدين من الناس والفقهاء: عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، والْحَرَامَ بَيِّنٌ، وبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وعِرْضِهِ، ومَنْ وقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، أَلَا وإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وهِيَ الْقَلْبُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

إن الشبهات ناتجة عن الصراع بين الإنسان والحقائق التي لم يتمكن من الإقتناع بها إما لقلة المعرفة أو لتعلقه تعلقا مفرطا بالشهوة. فإما أن يقتنع بها دون بحث، أو يناقشها مع غير أهل العلم، أو يناقشها مع ذوي العلم. وتفشي الوقوع فيها يأتي من الجهل بحقيقة الإسلام وهو الاستسلام لله عز وجل لحكمته وقدرته وسعة علمه، والاستعانة بذوي العلم الشرعي والتحقق.

ومن بين الشبهات ما يمس عقيدة الإنسان وإيمانه، مثل أن يشك بوجود الله أو يوم الحساب أو أنبيائه وكتبه، ومنها ما اختلف فيه العلماء مما استجد من أمور دنيوية، أو لم يثبت تحليله أو تحريمه. والثانية مما وجب اجتنابها والأخذ برأي الفقهاء فيها. لكن يبقى الحديث عنها والجدال فيها، أمرا يستدعي السؤال ان كان على الفرد المسلم الرد على مثيريها وعلى ما يطرح ويستجد بها، خاصة منها الفكرية العقائدية التي تمس دين الإسلام بصفة عامة؟ أم أن الأصح تجاهلها وتجاهل القائلين بها وترك ذلك لأصحاب التخصص من العلماء والباحثين المتفقهين، وهل يصح أن تكون موضوع نقاش بين الأفراد لإبداء الرأي فيها وطرح الحجج عنها.

من بين المقاصد من إثارة الشبهات

إعادة النظر في قضية تدين الأفراد والتخلص من الدين والعقيدة داخل المجتمعات، ثم نشر الإلحاد والإيمان فقط بالعلوم السببية الملموسة.

الطعن في دين محدد مقابل اعتقاد ودين آخر من الديانات التي حرفت، وذلك كالتشكيك في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وبث الشبهات عن سيرته وشخصيته.

جعل الإسلام دينا خفيفا يتلاءم والتفكير الليبرالي أو العلماني أو الثقافات المستجدة التي تدعو إلى الحرية، وذلك لتزيين الإسلام وتقديمه للآخر كديانة معاصرة ومتماشية للتطور، فيفسر ويؤول النصوص الشرعية وفق ما يلاءم المعطيات والنزعة الثقافية المادية الحديثة ويخدمها، دون أن يمس ذلك بالثوابت الدينية. أو بإسقاط النصوص الشرعية ونفي صحتها فيصير بذلك مخالفا لمبادئ دين الإسلام.

وكل هذه المقاصد لها وجه خطورة إذا ما انتشر مروجوها بين الأفراد، وإذا ما تلونت وتعددت أشكالها ووسائلها، والمقصود بالذات سهولة انتشارها على وسائط ووسائل التواصل التكنولوجية، وتقديمها كحقائق واكتشافات هامة موثوقة لعامة الأفراد باختلاف سنهم وعلمهم. وباختلاف المحيط وطبيعة التعامل أو وجود الأزمات التي تجعل الفرد سهل التأثر وقبول أي بديل جديد، أو فكرة تأتي من العالم المنمق المثير للإعجاب. والأصح عند الشباب يسير العلم وقليل الخبرة والعلم الشرعي، تجنب مجادلة أصحاب الشبهات، بل نفيها والإعراض عنها ومعارضتها دون مجادلة، إلا إن وجدت الحجة الواضحة، وكان المجادل أقرب للهداية والاقتناع. أو لرد معتد على الدين ومتسلط، أو لإنارة طالب للاستنارة.

كما حذر من مجادلة من لا يريد من الجدال سوى السخرية والعناد البحث، فينتقل من شبهة لشبهة ومن طعن لطعن دون هدف الاقتناع أو الاقناع، إلا لإسكاته وكف أداه عن الناس.

وقد ورد في كتاب درء التعارض لابن تيمية رحمه الله أن الله تعالى ذم في القرآن ثلاثة أنواع من الجدال: ذم أصحاب المجادلة بالباطل ليدحض به الحق، وذم المجادلة في الحق بعد ما تبين، وذم المحاجة فيما لا يعلم المحاج.

فقال تعالى: {وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق}.
وقال تعالى: {يجادلونك في الحق بعد ما تبين}.
وقال: {ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم}.

وفي غير ذلك قد حذر السلف من المجادلة عن شبهات غير منتشرة فتصير منتشرة بين الناس على إثر الخوض فيها. أو خوض المرء فيما لا يدري منه حجة أو ليس له به علم أو لا يدري طرق الجدال والمناظرة في الأمور الشرعية، فيضيع المقصود المحمود أو ينقلب إلى الاقتناع بالشبهة.

شروط الرد على الشبهات

وفي الجهة مقابلة يشار أن جدال أصحاب الشبهات لا يليق أن يكون الهدف منه إبراز الذات أو التعالي والافتخار بالعلم، أو تحقير الآخرين واستصغارهم. ولا يصح دون تحقق شروط في الشخص الذي يريد رد الشبهة ومنها: 
تحصين إيمانه وأصول عقيدته بالإلتزام بعباداته وتعلقه بالله عز وجل. 
تأسيس إيمانه على معرفة حقيقية تعزز قناعته بصحة أسس الإسلام. 
تأصيل علومه في كل ما يخدم الاستدلال الشرعي، فيكون دارسا للشريعة والسنة والتفسير واللغة... فيرجع لهذه الأصول في كل ما استجد لديه. 
ضبط منهجية وآداب الجدال والتلقي والاستدلالل. 
إلمامه بأصل الشبهات وتاريخها وامتلاكه معلومات وافرة عنها، وخبرة وطيب سيرة. 

ويبقى المؤمن مطالبا بحماية دينه وصونه من الوقوع في المشتبهات والمحرمات، واتقاء كل ما قد يترك في قلبه سوء يجعله يتساهل في تحري اتباع أوامر الله واجتناب ما نهى عنه، وذلك بمداومة الإطلاع على أقوال السلف والعلماء والإحاطة بتاريخ الصراعات الثقافية، والالتزام بحدود الله ودوام استشعار معيته.

إرسال تعليق

0 تعليقات