مع كتاب استرداد عمر من السيرة إلى المسيرة



استرداد عمر من السيرة إلى المسيرة، لصاحبه الدكتور أحمد خيري العمري.

الكتاب يمكن أن نصنفه في عدة مجالات منها تاريخ، فكر، سيرة، تنمية ذاتية، بدل أن نقول تاريخي فقط، لأن فقراتها وإن كانت تحكي عن حقبة وشخصية تاريخيتين، فإن في الكتاب ما هي إرشادات ووسائل لإيقاظ العزيمة في النفوس، فيه أفكار جديدة ربما قال بها من هم قبل العمري، ولكن العمري قد أصاب موضع الألم بأسلوب ديني عصري شبابي، لنتعلم كيف نبني أنفسنا من خالل القرآن، أو كما يسميه الكاتب "نظام التشغيل القرآني".

في الكتاب جمع الكاتب بين حقبتين الماضي "عصر النبوة"، والحاضر "عصرنا نحن"، وفي قالب إبداعي متسلسل يسلط الكاتب الضوء على قضايا نعيشها في حاضرنا، ثم يستحضر مواقف عمر بن الخطاب في قضايا مشابهة لها. وأرى أن الكتاب هو إضافة متميزة نحتاج إليها جميعا، خاصة جيل الشباب، لأنه يساعد في إيقاظ أو في اكتشاف عمر داخل أنفسنا لنتمكن من بناء الحضارة، لكل منا عمر، ولكن لا عمر بدون نظام تشغيل قرآني.

 من خلال الكتاب سنكتشف كيف تطورت شخصية عمر بن الخطاب بعد إسلامه، وكيف أعاد القرآن برمجة عقل عمر، وكيف تحرر عمر من كل الأفكار والعادات ليصبح لديه منبع واحد يرجع إليه عند حزنه وعند فرحه، في الشدة والرخاء، في السلم والحرب، يجعل الكتاب من عمر وسيرته مشروعا نهضويا، وستكتشف رتابة وبساطة المعلومات التي نملكها عن عمر بن الخطاب، والتي هي أصلا غير منظمة عندنا، ما يفعله الكاتب أنه يجمع مواقف عمر ليجعلها دليلا حضاريا.

أسلوب العمري متميز دائما يحدث ثورة داخل النفس، وأسلوبه يجعلك تتفاعل مع فقرات الكتاب، وكأنه يكتب ليجعل ذاكرتك تشتغل وتثور وتُثّور الأفكار داخلها، أسلوبه يجعلك تمتزج مع مضمون الكتاب، وإن كان الكتاب في مقدمته فيه إطناب وتوسع فلسفي يصيب بالملل إلا أنه فيما يتقدم من الفصول يسحرك، ويجبرك على اكتشاف عمر نفسك، وهذا هو العمري دائما في كتابه يعزف على وترك الحساس، ويجيد إمساكك من النقطة الضعيفة فيك ليجعلك تصطدم بالحقيقة، ليس من أجل أن تسقط وإنما من أجل أن تنتصر وتبني هدفا لك.

 وقد ُوفق العمري حسب رأيي في إيصال فكرته، والمتمثلة في أنه لا قيام لنا ولا حياة ولا حضارة، إلا بالعودة للقرآن، وجعل الآيات هي وقودنا ومحركنا، تماما كما فعل عمر وكما فعل القرآن بعمر. في الكتاب مجموعة من الأفكار التي شّدتني إليها منها: كيف حلل العمري قصة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم "اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين"، من هم العمرين؟، وما القاسم المشترك بينهما؟، وكيف كانت حاجة المسلمين لأحدهما؟. ثم فكرة عمر الأبدي، وفكرة نظام التشغيل القرآني وهي ربما الفكرة الجوهرية في الكتاب.

أكاد أجزم أن كل من قرأ الكتاب قد تغيرت نظرته للقرآن، وللدين بشكل عام، والذي لم يهزه الكتاب ولم يفتح له بابا جديدا من المفاهيم، ولم يدرك ما معنى عمر الأبدي، فهو لم يقرأ الكتاب وإنما جاء بصره على الكتاب فقط.

من خلال الكتاب يمكن أن نقول بأن شخصية عمر، هي شخصية القائد المسلم، شخصية قائد يسعى لبناء حضارة دائمة وليست محدودة بزمن أو شخصية، عمر لم يكتفي ببناء الحضارة ولكنه زرع داخل كل منا نظام تشغيل عمري يحتاج إلى القرآن ليشتغل.

إرسال تعليق

0 تعليقات